أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مالك الجبوري - لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي














المزيد.....

لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 11:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قد يظنّ البعض أن سؤال «لماذا لم يساند أهل الكوفة الحسين؟» قد حُسم منذ زمن بعيد، وأن الجواب معروف ومختصر بكلمة واحدة: الخيانة. لكن بقاء هذا السؤال حيًا حتى اليوم، وتكراره في كل موسم، دليل على أن الجواب لم يكن كافيًا، أو أنه أُغلق أخلاقيًا قبل أن يُفهم تاريخيًا. فواقعة كربلاء لم تبقَ حدثًا في الماضي، بل تحوّلت إلى مرجع أخلاقي وسياسي يُستدعى باستمرار، وكل حدث يستمر بهذا الحضور يستحق أن يُفهم لا أن يُدان فقط.
أكتب هذا النص لا بدافع تبرئة أحد ولا بقصد إدانة أحد، بل بدافع البحث عن الحقيقة كما هي، حتى لو كانت معقّدة ومزعجة. فالتاريخ لا يُفسَّر بالنيات وحدها، ولا بالأحكام الجاهزة، بل بفهم الشروط التي تحكم سلوك الجماعات حين تُوضَع أمام الخوف والقمع واختلال القوة.
لم تكن الكوفة مدينة واحدة متماسكة، بل مجتمعًا مركّبًا ومضطربًا. كانت مدينة حديثة التكوين، تضم قبائل متنافسة، وزعامات مترددة، وطبقات فقيرة ناقمة، إضافة إلى جهاز إداري مرتبط بالسلطة الأموية. هذا التركيب جعلها مدينة سريعة الغضب، لكنها سريعة الانكسار أيضًا حين تتحول المعارضة من كلام ورسائل إلى مواجهة حقيقية مع سلطة منظّمة.
الرسائل التي وصلت إلى الحسين لم تكن وهمًا ولا خداعًا متعمّدًا. كانت تعبيرًا عن سخط حقيقي على الحكم القائم، وعن رغبة في التغيير. ولهذا استجاب الحسين لها، وأرسل مسلم بن عقيل للتحقق من حجم الدعم. في بدايات الأمر، بدا أن هناك تأييدًا فعليًا، لكن هذا التأييد كان هشًا، لأنه لم يكن محميًا بتنظيم عسكري، ولا بقيادة موحّدة، ولا بخطة مواجهة واضحة.
نقطة التحوّل جاءت مع وصول الوالي الأموي عبيد الله بن زياد إلى الكوفة. خلال وقت قصير، تغيّر كل شيء. الاعتقالات بدأت، والتهديد طال رؤساء القبائل، والمال استُخدم لشراء الولاءات، والعيون انتشرت في الأسواق والمساجد. لم يكن هذا مجرد ضغط سياسي، بل قمعًا مباشرًا وسريعًا هدفه كسر أي أفق للتحرك قبل أن يتحول إلى تمرّد واسع.
إعدام مسلم بن عقيل كان لحظة فاصلة. لم يكن مجرد قتل رجل، بل كسرًا للقيادة وبثًّا للرعب. الرسالة كانت واضحة: من يتحرك وحده يُكسر وحده. بعد هذه اللحظة، لم يعد الناس يرون مشروعًا قابلًا للنجاح، ومع غياب الأمل الواقعي، يتقدّم الخوف على الغضب، ويتقدّم البقاء على التضحية. الناس لا تتحرك بالشجاعة وحدها، بل حين ترى أن لتضحيتها معنى ونتيجة محتملة.
هنا يجب التوقف عند نقطة مهمّة: التراجع في مثل هذه الظروف لا يعني بالضرورة انعدام الأخلاق. كثير من أهل الكوفة كانوا ساخطين، لكنهم لم يكونوا مستعدين للموت بلا حماية ولا أفق. بين مواجهة سلطة تمتلك السلاح والمال والقدرة على العقاب الفوري، وبين الانسحاب والصمت، اختار كثيرون الخيار الذي يضمن البقاء. هذا السلوك، مهما كان مؤلمًا، تفسّره السياسة أكثر مما تفسّره الأخلاق.
هذا الفهم هو ما نجده عند عدد من المؤرخين الغربيين الذين درسوا الإسلام المبكر بعيدًا عن المنبر والعاطفة. فبعضهم، مثل ولفرد مادلنغ، يرى أن الدعم الكوفي كان حقيقيًا في بدايته، لكنه انهار بسرعة بسبب القمع وغياب القدرة على المواجهة. آخرون، مثل هوك كينيدي، ينظرون إلى ما حدث بوصفه نمطًا سياسيًا متكررًا: احتجاج واسع بلا استعداد لتحمّل الكلفة. وهناك من يذهب أبعد في البرودة التحليلية، مثل باتريسيا كورن، التي تفسّر الانسحاب كقرار بقاء عقلاني حين يتبيّن أن المشروع خاسر، لا كسقوط أخلاقي جماعي.
ما يجمع هذه القراءات، رغم اختلافها، هو رفض اختزال ما حدث في تهمة أخلاقية جاهزة. فهي ترى أن ما جرى في الكوفة كان فشلًا سياسيًا جماعيًا أكثر منه خيانة أخلاقية. كتب الناس بدافع الغضب، وتراجعوا بدافع الخوف، وسقط المشروع حين سقط ميزان القوة، لا حين سقطت القيم.
مع مرور الزمن، تحوّلت هذه القصة المعقّدة إلى رواية مبسّطة: أهل الكوفة خانوا. هذه الرواية مريحة نفسيًا، لأنها تعفي من طرح السؤال الأخطر: لماذا تُترك المشاريع الأخلاقية وحدها بلا قوة تحميها؟ ولماذا يُحمَّل المجتمع ذنب الهزيمة بدل مساءلة البنية السياسية التي كسرت إرادته؟
فهم سبب ترك الحسين لا يُضعف مأساة كربلاء، بل يعمّق معناها. لأنه ينقلها من قصة لوم دائم إلى درس تاريخي قاسٍ يتكرر في كل زمان: الأخلاق، مهما كانت عظيمة، إذا لم تجد تنظيمًا وقوة تحميها، تُهزم، ثم يُطلب منها لاحقًا أن تتحمّل ذنب الهزيمة.
لم يُترك الحسين لأن أهل الكوفة بلا أخلاق، بل لأن الأخلاق تُركت وحدها في مواجهة سلطة تعرف كيف تقمع، وحين تُترك القيم وحدها بلا قوة، يصبح سقوطها مسألة وقت لا مسألة نوايا.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة
- كاظم الحائري، نظرية الكفاح المسلح، والانتظار المهدوي – قراءة ...
- لا يهم أن كنت فقيرًا في الدنيا… كيف تُستخدم اللغة الدينية لإ ...
- الحرب على الفرح في العراق: حين يتحوّل التحريم إلى مشروع سلطة
- «المسلم في أوروبا: قراءة في التوترات العميقة للاندماج»


المزيد.....




- كوبا: سندافع عن سيادتها بنفس الروح التي دافع بها الفلسطينيون ...
- الحكومة السورية تمدد وقف إطلاق النار مع -قسد- 15 يوماً دعماً ...
- -الهلال الأسود-.. كيف قاد المسلمون الأفارقة ملاحم الصمود وال ...
- السيسي: لم أستهدف دماء أحد.. و-الإخوان هم من بدأوا العنف- في ...
- ديوان السودان.. مكانة الخلاوي الدينية والاجتماعية في السودان ...
- القدس في الوعي العربي من الرمز الجامع إلى الاستهلاك الخطابي ...
- كيف سيتعامل لبنان مع إدراج الجماعة الإسلامية على لائحة الإره ...
- نقل عناصر تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى العراق: ما ا ...
- قرار فرنسا بشأن الإخوان يفتح النقاش بشأن -الكيانات الغامضة- ...
- استخبارات حرس الثورة الاسلامية في ايران: التعرف على 46 شخصاً ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مالك الجبوري - لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي