أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - مالك الجبوري - حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نموذجًا لتحولات ما بعد 2003














المزيد.....

حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نموذجًا لتحولات ما بعد 2003


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 12:23
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


حين تفقد الدولة قدرتها على تنظيم الفضاء العام وفرض القانون داخله، لا يظهر الخلل أساسًا في النصوص الدستورية أو الخطابات الرسمية، بل يتجلى في الممارسات اليومية، وفي الكيفية التي يُستباح بها الجسد، وتُعاد من خلالها صياغة حدود المسموح والممنوع اجتماعيًا. وتأتي حادثة الاعتداء الجماعي على شابة في مدينة البصرة خلال احتفالات رأس السنة بوصفها مثالًا دالًا على هذا التحول، لا باعتبارها واقعة معزولة أو استثنائية، بل كمؤشر اجتماعي مكثّف على تراجع الضبط المؤسسي، وتحول الفضاء العام إلى مجال هشّ تُمارَس فيه أنماط عنف غير رسمي، خصوصًا ضد النساء، في عراق ما بعد عام 2003.
شهدت مدينة البصرة خلال تلك المناسبة تجمع عدد من الشبان حول شابة في أحد الأماكن العامة، حيث جرى الاعتداء عليها بشكل جماعي في مشهد موثّق ومتداول على نطاق واسع. وقد أثارت الواقعة ردود فعل متباينة، تراوحت بين الإدانة الأخلاقية، والتقليل من شأن الحادثة، ومحاولات تفسيرها ضمن إطار سلوكي أو ظرفي. غير أن التركيز على الحدث بمعزل عن سياقه البنيوي يفضي إلى قراءة مبتسرة، إذ تكمن أهمية هذه الواقعة في قدرتها على كشف تحولات أعمق تتعلق بعلاقة الدولة بالمجال العام وبمنظومات الضبط الاجتماعي.
منذ عام 2003، لم يشهد العراق تحولًا سياسيًا فحسب، بل عرف تفككًا واسعًا في البنى المؤسسية والقيمية التي كانت تنظّم السلوك الاجتماعي وتؤمّن حدًا أدنى من الردع. ومع تراجع احتكار الدولة للعنف المشروع، برزت أنماط ضبط غير رسمية تمارسها قوى دينية واجتماعية مختلفة، مستندة إلى معايير أخلاقية متغيرة وغير موحّدة. وفي هذا السياق، لم يعد الفضاء العام مجالًا محكومًا بالقانون، بل ساحة مفتوحة لتدخلات جماعية تفتقر إلى الشرعية المؤسسية.
يساعد مفهوم العنف الرمزي، كما طوّره بيير بورديو، على فهم الكيفية التي تُعاد من خلالها إنتاج علاقات الهيمنة عبر الخطاب والتصنيفات الاجتماعية. ففي كثير من الخطابات الدينية والاجتماعية السائدة بعد 2003، جرى تأطير وجود المرأة في الفضاء العام ضمن مقولات أخلاقية تجعلها موضع مساءلة دائمة، وتحملها مسؤولية ما يُعدّ اضطرابًا أو انفلاتًا. ولا يبقى هذا التأطير في مستوى اللغة، بل يتحول، في ظل ضعف الردع المؤسسي، إلى ممارسات اجتماعية قد تأخذ طابع العنف الجسدي.
ولا يمكن النظر إلى حادثة البصرة بوصفها حالة منفردة، إذ سُجّلت خلال السنوات الماضية وقائع متكررة في مدن عراقية مختلفة، اتسمت بتعرض النساء لأشكال من التحرش أو العنف في أماكن عامة، مثل وسائل النقل أو المنتزهات أو التجمعات الاجتماعية. إن تكرار هذه الوقائع، مقرونًا بضعف المتابعة القانونية، يشير إلى تشكّل نمط اجتماعي آخذ في الترسخ، ويعكس تطبيعًا تدريجيًا لاستباحة الجسد الأنثوي في المجال العام.
من منظور علم الاجتماع الجنائي، غالبًا ما يرتبط العنف الجماعي في مجتمعات ما بعد الصراع بتداخل عوامل بنيوية متعددة، من بينها البطالة، وتراجع منظومة التعليم، وانتشار العنف اليومي، وأزمات الهوية لدى فئات شبابية واسعة. وفي الحالة العراقية، ساهم غياب مشروع اجتماعي جامع في إعادة تعريف بعض أنماط الذكورة على نحو يقوم على إظهار السيطرة في الفضاء العام، أحيانًا من خلال ممارسات جماعية تمنح الفاعلين شعورًا زائفًا بالقوة والانتماء.
أما على مستوى الدولة، فإن طريقة التعاطي المؤسسي مع هذه الوقائع تمثل عنصرًا حاسمًا في فهم الظاهرة. فالصمت، أو الاكتفاء بإدانات عامة وإجراءات محدودة، يسهم في إنتاج حالة من عدم اليقين القانوني، ويضعف الثقة بقدرة المؤسسات على حماية الأفراد. ووفق المقاربات الفوكوية، فإن ما تختار السلطة عدم التدخل فيه لا يقل أهمية عما تختار ضبطه، إذ يسهم في إعادة تعريف حدود السلوك المقبول اجتماعيًا.
في ضوء ما تقدم، يمكن النظر إلى حادثة البصرة بوصفها مؤشرًا مكثّفًا على أزمة مركبة تتقاطع فيها تحولات الدولة، وتحولات الخطاب الديني، وأزمات الهوية الاجتماعية. ولا يمكن معالجة هذه الظواهر عبر مقاربات أخلاقية أو أمنية ظرفية، بل من خلال إعادة بناء منظومات المواطنة، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة الاعتبار للفضاء العام بوصفه مجالًا مشتركًا وآمنًا لجميع المواطنين. وبهذا المعنى، فإن العنف ضد المرأة لا يمثل قضية هامشية، بل يعدّ أداة تحليلية كاشفة لفهم طبيعة التحولات التي عرفها المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد 2003.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة
- كاظم الحائري، نظرية الكفاح المسلح، والانتظار المهدوي – قراءة ...
- لا يهم أن كنت فقيرًا في الدنيا… كيف تُستخدم اللغة الدينية لإ ...
- الحرب على الفرح في العراق: حين يتحوّل التحريم إلى مشروع سلطة
- «المسلم في أوروبا: قراءة في التوترات العميقة للاندماج»
- خطاب أحمد البشير: كيف تتحوّل السخرية إلى أداة لقراءة الواقع ...
- ظاهرة احمد البشير: كيف تحوّل الإعلام الساخر إلى قوة نقدية في ...
- الإعلام العراقي بعد 2003: كيف تغيّر المجال العام؟
- العراق 2025: تحليل نقدي لثبات المنظومة الحاكمة وحدود التغيير ...
- الجولاني في البيت الأبيض... نهاية زمن الشيطان وبداية زمن الت ...
- البرامج الحوارية السياسية في العراق: أزمة الخطاب الإعلامي وت ...


المزيد.....




- اشتباكات مع الشرطة بعد مقتل امرأة بسلاح عنصر من إدارة الهجرة ...
- تعمل/ي إيه لو أولادك أو بناتك اتعرضوا للتحرش؟
- وفدٌ من رابطة المرأة الأردنية يقوم بزيارة إلى سفارة جمهورية ...
- غضب واحتجاجات بعد مقتل امرأة برصاص عنصر من إدارة الهجرة الأم ...
- أميركا: احتجاجات واسعة بعد مقتل امرأة على يد رجل أمن + فيديو ...
- مقتل امرأة برصاص عنصر من إدارة الهجرة الأمريكية في مينيابولي ...
- أصابها بكسر في الجمجمة صحفي يضرب ابنته ذات الـ7 سنوات بسبب ا ...
- محتال يخدع امرأة عبر فيديو مُزيّف بالذكاء الاصطناعي لبيعها ك ...
- ترامب يعلق على مقتل امرأة برصاص أحد عناصر إدارة الهجرة في مي ...
- عائلة شذى الحاج مبارك تعلن إصابتها بورمين خبيثين وتطالب بتمك ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - مالك الجبوري - حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نموذجًا لتحولات ما بعد 2003