أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران














المزيد.....

بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 10:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يتعامل كثيرون مع التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه تمهيدًا آليًا لحرب قادمة أو دليلًا على تراجع أميركي، غير أن هذا التصور يُغفل طبيعة الصراع الحقيقي الجاري. فما نشهده اليوم لا يُدار بمنطق الضربة العسكرية بقدر ما يُدار بمنطق الردع، والعقيدة، وإدارة الخوف، حيث تختلط الحسابات الاستراتيجية بالرموز الأيديولوجية، وتتصادم القوة الصلبة مع أنظمة لا تقيس الخسارة بالمقاييس التقليدية. من هذا المنطلق، لا يصبح سؤال الحرب هو الأهم، بل سؤال كيف تُدار الأزمة حين تواجه قوة عظمى نظامًا يرى في الموت أداة شرعية للصمود والبقاء.
يتكرر السؤال كلما تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران: هل نحن على أعتاب حرب أم أمام تراجع أميركي؟ غير أن هذا السؤال، رغم شيوعه، يختزل المشهد اختزالًا مضللًا، لأنه يفترض أن السياسة تُدار بمنطق الضربة أو عدمها، بينما ما يجري فعليًا هو صراع إرادات تُستخدم فيه القوة لا كأداة قتال مباشرة، بل كوسيلة ضغط وإدارة خوف وكسب وقت.
في الأسابيع الأخيرة، حاولت واشنطن فتح مسار تفاوضي مع طهران يتجاوز الملف النووي الضيق، ليشمل الصواريخ البالستية، والدور الإقليمي، ودعم الميليشيات، وحتى ملف القمع الداخلي. هذا الطرح لم يكن تقنيًا أو تفصيليًا، بل محاولة لإعادة ضبط سلوك النظام الإيراني ككل. في المقابل، جاء الرد الإيراني حاسمًا في شكله ومعناه، إذ اشترطت طهران حصر أي محادثات بالملف النووي فقط، مع تغيير مكان الاجتماع، في محاولة واضحة لتقليص جدول الأعمال ونزع الطابع الأمني والإقليمي عن التفاوض.
هذا الرفض لا يعكس ثقة مطلقة بقدر ما يعكس إدراكًا عميقًا لهشاشة داخلية متفاقمة. فإيران اليوم تواجه أزمة اقتصادية خانقة، وانهيارًا غير مسبوق في عملتها، وتآكلًا واسعًا في القاعدة الاجتماعية للنظام. ولم يعد بقاء السلطة ممكنًا إلا عبر القمع، وهو خيار مكلف وغير قابل للاستدامة على المدى المتوسط. لذلك تحاول طهران تحويل أزمتها الداخلية إلى ورقة خارجية، عبر خطاب يقوم على تخويف العالم من سيناريو الفوضى في حال انهيار النظام، مستحضرة تجارب العراق وليبيا بوصفها أمثلة على كلفة إسقاط الأنظمة من دون بدائل جاهزة.
في هذا السياق جاء أيضًا الإعلان الإيراني عن امتلاك صاروخ قادر على الوصول إلى إسرائيل خلال دقائق. من حيث المبدأ، لا يشكك معظم المحللين العسكريين في امتلاك إيران صواريخ بالستية متوسطة وبعيدة المدى قادرة نظريًا على بلوغ أهداف إسرائيلية. غير أن الفارق كبير بين امتلاك الصاروخ وامتلاك القدرة العملياتية الحاسمة على إصابة الهدف بدقة وتجاوز منظومات الدفاع المتعددة. لذلك يُقرأ هذا الإعلان، في معظمه، كجزء من حرب نفسية ورسالة ردع إعلامية موجهة إلى واشنطن وتل أبيب والجمهور الداخلي، أكثر منه إعلانًا عن قدرة حاسمة تغيّر ميزان القوى.
الأمر نفسه ينطبق على الملف النووي. فالتقديرات الاستخبارية الجدية لا تشير إلى امتلاك إيران قنبلة نووية جاهزة، لكنها تؤكد في المقابل أن طهران باتت قريبة من العتبة النووية، أي إنها تملك المعرفة والمواد والبنية التقنية التي تمكّنها من تصنيع القنبلة إذا اتُخذ القرار السياسي. غير أن هذا القرار لم يُتخذ حتى الآن، لأن امتلاك القنبلة يعني عبور خط أحمر دولي يشرعن ضربة عسكرية واسعة ويفقد إيران ما تبقى لها من غطاء سياسي دولي، خصوصًا من روسيا والصين. لذلك تفضّل طهران البقاء في منطقة الغموض، حيث التهديد أقوى من الفعل.
في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة معقدة. فالقوة العسكرية الأميركية ما زالت، بلا أي مقارنة، أوسع وأشد فتكًا من القدرات الإيرانية. غير أن المسألة لا تتعلق بميزان السلاح بقدر ما تتعلق بطبيعة الخصم. إدارة دونالد ترامب لا تواجه دولة تقليدية تُردع بالخسائر وحدها، بل نظامًا عقائديًا يبني جزءًا من شرعيته على ثقافة الشهادة، ويحوّل الموت من خسارة إلى قيمة رمزية وسياسية. في مواجهة نظام يرى في الفناء طريقًا إلى الخلاص، يصبح الردع التقليدي أقل فاعلية، لأن الردع يفترض وجود خوف من الموت، بينما تتحول فكرة الموت هنا إلى أداة تعبئة.
من هذه الزاوية، لا يمكن تفسير سعي ترامب إلى اتفاق مع إيران بوصفه خوفًا أو جبنًا، ولا باعتباره اعترافًا بتفوق إيراني. بل هو إدراك عقلاني لحدود القوة حين تصطدم بعقيدة لا تحسب الكلفة بالطريقة نفسها. الحرب مع نظام يؤمن بالشهادة لا تُحسم بمنطق النصر والهزيمة السريعين، بل تنفتح على استنزاف طويل وفوضى إقليمية يصعب ضبطها، خصوصًا في ظل احتمال الرد الصاروخي على القواعد الأميركية وإسرائيل، وما قد يترتب عليه من توسع للمواجهة.
في الوقت نفسه، يدرك ترامب أن التراجع غير المُدار يحمل كلفة رمزية عالية. فعدم تنفيذ التهديد بعد تصعيد الخطاب والحشد العسكري يفتح المجال لتآكل صورة الردع الأميركي، وهو ما تستثمره طهران وأنصارها إعلاميًا عبر تصوير الولايات المتحدة بوصفها عاجزة أو خائفة. هنا يصبح مأزق واشنطن مزدوجًا، فهي لا تريد الحرب، لكنها لا تستطيع تحمّل صورة التراجع المجاني.
الخلاصة أننا لسنا أمام حرب وشيكة، ولا أمام سلام قريب. نحن أمام مرحلة شدّ أعصاب تُدار فيها الأزمة بالزمن أكثر مما تُدار بالسلاح. إيران تراهن على أن واشنطن لن تذهب بعيدًا، وواشنطن تراهن على أن الضغط المتواصل سيُبقي طهران داخل حدود محسوبة. الحرب ستبقى خيارًا أخيرًا، لا لأنه مستحيل، بل لأن كلفته، في هذه اللحظة، أعلى من كلفة الانتظار. وفي هذا الفراغ بين التهديد والتنفيذ، تتحدد ملامح الصراع الحقيقي، صراع السمعة والهيبة والعقيدة، لا صراع الصواريخ وحدها.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة


المزيد.....




- وردة حمراء وفستان -سالسا- أزرق..ليدي غاغا تفاجئ الحضور في -س ...
- وكأنه في نزال معها.. فيديو يظهر ضابطا في ICE يطرح سيدة أرضا ...
- مشاهد نادرة لعوالم خفيّة.. شاهد الصور الفائزة بمسابقة التصوي ...
- بالخريطة والتفاصيل.. كل ما قد تود معرفته عن قرار إسرائيل لتو ...
- تواصل الخروقات الإسرائيلية في غزة وإدانات دولية لإجراءاتها ف ...
- اجتماع مغلق وبوفود مصغّرة.. الخلافات حول إيران تتصاعد بين نت ...
- ألمانيا.. التعليم الديني الإسلامي أداة لمواجهة الاستقطاب؟
- ماكرون يدعو أوروبا لإيجاد وسيلة اقتراض مشتركة وتحدي الدولار ...
- بسبب مسيّرة باتجاه الشمال.. كوريا الجنوبية تدهم مقرات استخبا ...
- قاض أميركي يرفض سعي ترمب لترحيل طالبة مؤيدة لفلسطين


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران