أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار الشرعية














المزيد.....

نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار الشرعية


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 08:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُظهر التجربة العراقية بعد عام 2003 أن أزمة الدولة لم تكن نتاج فراغ مؤسسي أو سوء إدارة مرحلي، بل نتيجة مسار بنيوي طويل تداخلت فيه الطائفية السياسية مع الارتهان الخارجي وتفكك المؤسسات السيادية. وفي هذا السياق، تمثّل مرحلة رئاسة الوزراء في عهد نوري المالكي حالة دراسية بالغة الدلالة، ليس بوصفها تجربة حكم فاشلة فحسب، بل لأنها أسّست لنمط سلطة ما زال يعيد إنتاج نفسه داخل النظام السياسي العراقي حتى اليوم.
لا يهدف هذا المقال إلى محاكمة شخص بقدر ما يسعى إلى تحليل نموذج حكم، من خلال مقاربة سوسيولوجية–سياسية تركّز على مفاهيم الشرعية، واحتكار العنف، والطائفية السياسية، في سياق دولة خرجت من حرب واحتلال من دون أن تنجح في بناء عقد وطني جامع أو مؤسسات قادرة على فرض سيادتها.
من منظور نظريات الدولة، تُعدّ الدولة فاشلة عندما تعجز عن أداء وظائفها الأساسية، وعلى رأسها توفير الأمن، وضبط العنف، وبسط السيادة على الإقليم، واتخاذ قرار سياسي مستقل. هذه السمات برزت بوضوح خلال سنوات حكم المالكي، حيث اتّسعت الفجوة بين الشكل الدستوري للدولة وقدرتها الفعلية، وتحولت المؤسسات إلى أدوات سلطة أكثر من كونها تعبيرًا عن الصالح العام.
يتجلّى هذا الخلل بوضوح في مسألة احتكار العنف المشروع، وهو المفهوم المركزي في تعريف الدولة الحديثة. ففي عهد المالكي، لم يجرِ ترسيخ هذا الاحتكار عبر بناء جيش وطني مهني، بل على العكس، شهدت المؤسسة العسكرية إضعافًا ممنهجًا من خلال تسييس الترقيات، وتهميش الكفاءات، وتفشي الفساد الإداري. وبالتوازي مع ذلك، جرى فتح المجال أمام قوى مسلحة غير نظامية، أُضفيت عليها شرعية سياسية وأمنية خارج إطار الدولة، ما أدّى عمليًا إلى تشظّي العنف وفقدان الدولة مركزيتها.
هذا المسار لا يمكن فصله عن الطائفية السياسية بوصفها نمط حكم لا مجرد انقسام اجتماعي. فالطائفية، في هذا السياق، تحوّلت إلى أداة لإعادة تعريف الانتماء الوطني، حيث لم تعد المواطنة هي أساس العلاقة بين الفرد والدولة، بل الانتماء المذهبي والولاء السياسي. وقد أسهم هذا المنطق في تآكل الشرعية الداخلية للدولة، وتعميق الإقصاء، وإنتاج بيئة اجتماعية قابلة للاختراق من قبل العنف المتطرّف.
في هذا الإطار، تكتسب علاقة المالكي بإيران بعدًا بنيويًا لا يمكن تجاهله. فهذه العلاقة لم تُدار بوصفها سياسة خارجية متوازنة بين دولتين، بل ضمن شبكة اصطفاف إقليمي استندت إلى تقاطع المصالح بين سلطة داخلية هشّة ونفوذ خارجي ساعٍ إلى ترسيخ حضوره عبر وكلاء محليين. وقد انعكس هذا الارتباط في تعطيل أي مشروع جدي لبناء مؤسسات سيادية مستقلة، لأن الدولة القوية تمثّل بطبيعتها عائقًا أمام النفوذ غير المباشر.
بلغ هذا الخلل ذروته في عام 2014 مع انهيار المنظومة الأمنية وسقوط الموصل. لم يكن هذا الحدث مفاجئًا، بل نتيجة تراكمية لسنوات من الإدارة الأمنية الفاشلة، حيث انهارت وحدات عسكرية كاملة دون مقاومة تُذكر، كاشفةً هشاشة الجيش وغياب القيادة والعقيدة المهنية. وبوصفه القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، يتحمّل المالكي مسؤولية سياسية مباشرة عن هذا الانهيار، سواء من حيث السياسات التي سبقته أو من حيث غياب المساءلة التي تلته.
غير أن المأساة الأكثر دلالة على طبيعة هذا الفشل تمثّلت في مجزرة سبايكر. فغالبية الضحايا لم يكونوا جنودًا محترفين أو مقاتلين مدرّبين، بل طلابًا مجنّدين حديثًا، بلا خبرة قتالية أو إعداد عسكري كافٍ، أُرسلوا إلى معسكرات تفتقر إلى الحد الأدنى من التنظيم والحماية. تُرك هؤلاء الشباب بلا أوامر واضحة أو خطط إخلاء في لحظة انهيار أمني شامل، ما جعلهم فريسة سهلة لتنظيم دموي استغل فراغ الدولة وانعدام القيادة.
الأخطر من الجريمة نفسها كان التعاطي الرسمي معها، إذ لم تُفتح بوصفها ملفًا وطنيًا للمساءلة والمحاسبة، بل جرى تسييسها واستثمارها رمزيًا، من دون تفكيك الأسباب البنيوية التي أدّت إليها. هذا التعامل عكس أزمة أعمق في مفهوم الشرعية، حيث بدت الدولة عاجزة عن حماية جنودها، ثم غير قادرة على محاسبة من تركهم لمصيرهم، ما أفقدها أحد أهم مصادر شرعيتها الأخلاقية والسياسية.
في هذا السياق، يصبح الرفض الأميركي لعودة المالكي إلى الواجهة السياسية مفهومًا من زاوية براغماتية. فهذا الرفض لا يستند إلى موقف أخلاقي أو ديمقراطي، بل إلى قراءة استراتيجية ترى في المالكي رمزًا لمرحلة انهارت فيها الدولة العراقية وتحوّل فيها الجيش إلى كيان هش، ما جعل العراق ساحة مفتوحة للفوضى وتعدد النفوذ. ومن منظور المصالح الأميركية، فإن إعادة إنتاج هذا النموذج تعني شريكًا غير قابل للاعتماد عليه في إدارة الاستقرار الإقليمي.
تُظهر تجربة المالكي، في المحصلة، كيف يمكن للطائفية السياسية، حين تقترن بتفكيك احتكار العنف والارتهان الخارجي، أن تدفع دولة خارجة من صراع إلى مسار فشل بنيوي طويل الأمد. ومن دون قراءة نقدية صارمة لهذه التجربة، لا بوصفها ماضيًا منتهيًا بل نموذجًا مستمرًا، ستبقى أي محاولة لإصلاح الدولة العراقية محكومة بإعادة إنتاج الأزمات ذاتها، بأسماء ووجوه مختلفة.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة
- كاظم الحائري، نظرية الكفاح المسلح، والانتظار المهدوي – قراءة ...


المزيد.....




- ترامب يأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد تحذير خامنئي من ...
- قتيل ومصابون في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان
- هزيمة في تكساس تنذر الجمهوريين قبل انتخابات 2026
- مصر.. تشريع مرتقب ينظم استخدام الأطفال للهاتف المحمول
- رسائل الحرب بين طهران وواشنطن.. تصعيد محسوب أم حرب مؤجلة؟
- إسرائيل تمنع منظمة أطباء بلا حدود من العمل في غزة بسبب رفضها ...
- سوريا: حظر تجول في الحسكة والقامشلي مع بدء تنفيذ اتفاق دمج ا ...
- الإفراج عن طفل عمره 5 أعوام بعد احتجاز صادم ضمن حملة ترامب ع ...
- -شروط إسرائيلية- لاتفاق بين واشنطن وطهران ومدمرة أمريكية تغا ...
- ترامب يشير إلى قرب عقد اتفاق مع كوبا ويصف الجزيرة بـ-المتداع ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار الشرعية