أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مالك الجبوري - الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ














المزيد.....

الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 08:18
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ليست الأسطورة دائمًا بقايا وعي بدائي، ولا الخارق تعبيرًا ساذجًا عن الخيال الشعبي. في لحظات معيّنة من التاريخ، تُولد الأسطورة لا من فراغ معرفي، بل من فائض توتر بين الواقع والعقيدة. حين يصبح الحدث التاريخي عبئًا على البناء الرمزي للجماعة، وحين يعجز النظام العقدي عن استيعاب واقعة لا تنسجم مع منطقه الداخلي، يتشكّل ما يمكن تسميته «الأسطورة التبريرية»: سردية تتجاوز الواقع لا لتفسيره، بل لتحييده.
قضية زواج أم كلثوم بنت علي من عمر بن الخطاب تكشف هذه الآلية بوضوح لافت. المسألة، في ظاهرها، نزاع حول واقعة: هل حدث الزواج أم لا؟ غير أن التركيز على هذا السؤال يُخفي ما هو أعمق. الإشكال لا يتعلق بإثبات حدث أو نفيه، بل بموقعه داخل بنية رمزية متماسكة تقوم على ثنائية المظلومية والشرعية. في التصور الشيعي الاثني عشري يُقدَّم علي بن أبي طالب بوصفه الإمام الحق الذي أُقصي عن موقعه الطبيعي في السلطة، بينما يُنظر إلى عمر بن الخطاب باعتباره جزءًا من نظام سياسي قام على هذا الإقصاء. ضمن هذا الإطار، لا يعود الزواج حدثًا اجتماعيًا عاديًا، بل يتحوّل إلى علامة سياسية، وإلى إمكان رمزي يهدد نقاء السردية.
هنا يتشكّل المأزق: إن قُبل الحدث، بدا وكأنه يخفّف من حدّة القطيعة؛ وإن رُفض دون معالجة الروايات المتداولة، بدا وكأنه إنكار انتقائي للتاريخ. عند هذه النقطة يتراجع السؤال التاريخي أمام سؤال الهوية. لا يعود البحث عن «ما وقع» هو الأساس، بل حماية «ما ينبغي أن يكون قد وقع» وفق منطق الجماعة. وهكذا ينزاح مركز الثقل من النقد التاريخي إلى الضبط العقدي.
المرحلة الأولى في مثل هذه الحالات هي الإنكار. غير أن الإنكار، حين يصطدم بوجود روايات محفوظة ومتداولة، يحتاج إلى ما يتجاوزه. فتأتي مرحلة التشكيك في الأسانيد وزمن التدوين والسياقات السياسية اللاحقة. وهذا المسار، رغم مشروعيته المنهجية في ذاته، لا يحلّ التوتر الجوهري، لأن الإشكال لا يكمن في ضعف رواية بعينها، بل في الدلالة الرمزية المحتملة للواقعة إن ثبُتت. هنا تبدأ الأسطورة في أداء وظيفتها الخاصة.
وُصفت الأسطورة في الأنثروبولوجيا الحديثة، منذ برونيسلاف مالينوفسكي، بأنها تؤدي وظيفة اجتماعية، لا مجرد وظيفة تفسيرية. فهي تمنح الشرعية، وتُضفي المعنى، وتحافظ على النظام القائم. وفي التحليل البنيوي عند كلود ليفي-ستروس، تظهر الأسطورة كآلية رمزية لاحتواء التناقضات التي يعجز الفكر المنطقي عن حلّها. في هذا الإطار يمكن فهم الرواية التي تقول إن عليًا لم يزوّج ابنته الحقيقية، بل أرسل جنيّة تشكّلت على هيئتها. ليست المسألة هنا إثبات إمكان خرق قوانين الطبيعة، بل إدراك الوظيفة التي تؤديها مثل هذه الرواية.
الأسطورة التبريرية لا تنفي الحدث نفيًا مباشرًا، ولا تثبته إثباتًا كاملًا، بل تعيد صياغته في مستوى يتعذّر فيه القياس العقلاني. الحدث «وقع»، لكن خارج قوانين الواقع؛ وبالتالي يفقد قدرته على إنتاج معنى سياسي داخل التاريخ. بهذا المعنى تُفرغ الواقعة من دلالتها، ويُحمى البناء العقدي من التصدّع دون الدخول في مواجهة صريحة مع المعطيات التاريخية. إنها حركة مزدوجة: اعتراف شكلي بالحدث، ونزع لمضمونه الرمزي.
يمكن قراءة هذه العملية أيضًا في ضوء ما أشار إليه رولان بارت من أن الأسطورة الحديثة تعمل على تحويل التاريخ إلى طبيعة، أي إلى أمر يبدو وكأنه خارج الصراع. حين تُرفع الواقعة إلى مستوى الخارق، تُنزَع عنها سياستها، ويصبح النقاش حولها عديم الجدوى، لأنها لم تعد تنتمي إلى العالم المشترك. وهكذا لا تُقنع الأسطورة بقدر ما تعزل، ولا تشرح بقدر ما تحمي.
في هذا السياق، يتحوّل الجسد الأنثوي إلى مساحة رمزية للصراع. أم كلثوم لا تُرى بوصفها شخصًا تاريخيًا بقدر ما تُستعمل علامة داخل معركة الشرعية. مرة تُستدعى لتأكيد الانسجام بين الرموز المؤسسة، ومرة تُمحى عبر الأسطرة لتفادي هذا الانسجام. في الحالتين، يُختزل الفرد لصالح السردية، ويُعاد تشكيله وفق حاجات الهوية الجماعية.
السؤال الذي تطرحه هذه القضية يتجاوز حدودها الخاصة: لماذا يصبح الاعتراف بتعقيد التاريخ تهديدًا للهوية؟ ولماذا يُستدعى الغيب حين يعجز العقل عن احتواء التناقض؟ الأسطورة التبريرية ليست دليل إيمان زائد، بل علامة على قلق بنيوي داخل السردية. إنها محاولة لإبقاء الصورة نقية في مواجهة واقع لا يستجيب لشروطها المثالية.
حين ينهار الحدّ بين التاريخ والعقيدة، وتُستبدل القراءة النقدية بإعادة تشكيل رمزية، لا يُحمى الدين بقدر ما يُعزل عن إمكان المراجعة. ولا يُصان التاريخ، بل يُعاد إنتاجه في صورة متخيلة تلبّي حاجات الحاضر. في هذه اللحظة لا يعود السؤال عن صحة الرواية أو بطلانها هو الأهم، بل عن علاقتنا بالحقيقة نفسها: هل نقبلها بما تحمله من تعقيد، أم نعيد صياغتها لتنسجم مع صورتنا عن أنفسنا؟
بهذا المعنى، ليست قضية زواج أم كلثوم حدثًا عابرًا في سجال مذهبي، بل مثالًا دالًا على آلية أعمق: كيف يُختلق الأسطوري حين يُراد حماية السياسي، وكيف تتحوّل الحاجة إلى اليقين إلى خوف من التاريخ.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...


المزيد.....




- فتى يبلغ من العمر 11 عامًا اكتشف أحفورة سلحفاة تعود إلى 48 م ...
- تحليل CNN لأبرز أحداث اليوم الثاني بمؤتمر ميونخ للأمن
- مستشار الملك حمد بن عيسي يعلق على أنباء حول وساطة البحرين لح ...
- في ظل سُمّية وسائل التواصل، هل ما زال استخدامها أخلاقياً؟ -م ...
- أوروبا تحت عين المسيّرات.. استراتيجية جديدة لمواجهة تهديدات ...
- ما هو سمّ الضفدع الذي يعتقد استخدامه لقتل المعارض الروسي ناف ...
- من يدعم الآخر؟.. لقاء زيلينسكي ونجل شاه إيران يثير سخرية واس ...
- عاجل | رئيس هيئة الأركان الإيرانية: على ترمب أن يعلم أن الحر ...
- تلغراف: خلافة كيم جونغ أون تنذر بصراع بين البنت والأخت
- صوت لا يسقط عند الأزمات.. كيف صمدت الإذاعة أمام كل التحولات؟ ...


المزيد.....

- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في منهجية البحث والمكتبة وتحقيق المخطوطات ( كتاب مخط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مالك الجبوري - الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ