أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - هرمز لم يعد سيف إيران… كيف تحولت ورقة طهران إلى عبء عليها ؟















المزيد.....

هرمز لم يعد سيف إيران… كيف تحولت ورقة طهران إلى عبء عليها ؟


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 00:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


طوال عقود، تعاملت إيران مع مضيق هرمز بوصفه أقوى أسلحتها الجيوسياسية. كانت الرسالة واضحة: إذا أُغلق هرمز، اختنق الاقتصاد العالمي، وارتفعت أسعار النفط، واضطربت الأسواق، واضطرت الدول الكبرى إلى التعامل مع طهران بوصفها حارس بوابة الطاقة.
لكن المفارقة أن اللحظة التي حاولت فيها إيران استخدام هذه الورقة، كانت هي نفسها اللحظة التي بدأت فيها خسارتها. فتهديد الملاحة في المضيق لم يكشف قوة إيران فقط، بل كشف أيضًا خطورة اعتماد العالم على ممر واحد، ودفع دول الخليج إلى تفعيل بدائل تقلل من قدرة طهران على استخدام الجغرافيا كسلاح ابتزاز.
قبل الأزمة، كان نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا يمر عبر مضيق هرمز، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للمنتجات النفطية السائلة. كما كان نحو 20% من الغاز الطبيعي المسال يعبر هذا الممر البحري الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه 39 كيلومترًا. وفي عام 2025، مر عبر هرمز ما يقارب 15 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات، أي حوالي 34% من تجارة النفط الخام العالمية، وكان 84% من هذه الكميات متجهًا إلى آسيا.
هذه الأرقام تفسر لماذا ظنت إيران أن هرمز هو ورقتها الكبرى. فالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بدرجات مختلفة على نفط الخليج، ولذلك اعتقدت طهران أن تهديد المضيق سيجبر العالم على التراجع. لكن ما حدث كان مختلفًا. فالسؤال الذي فرض نفسه سريعًا كان: هل يمكن نقل جزء من النفط بعيدًا عن هرمز؟
هنا برز الدور الإماراتي. لم تحتج أبوظبي إلى إطلاق صاروخ أو إرسال جيش، بل فعّلت خط أنابيب حبشان ـ الفجيرة، المعروف باسم ادكوب، الممتد لمسافة تقارب 380 كيلومترًا من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، أي خارج مضيق هرمز تمامًا.
تبلغ قدرة هذا الخط نحو 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميًا. ومع تصاعد الأزمة، أصبح هذا الخط رسالة سياسية قبل أن يكون مجرد منشأة نفطية: كل برميل يخرج من الفجيرة بدلًا من هرمز يعني تراجعًا في قيمة التهديد الإيراني، وكل ناقلة تتحرك من خارج المضيق تعني أن العالم بدأ يتعلم كيف يخفف اعتماده على الورقة التي ظنت طهران أنها أبدية.
والأمر نفسه ينطبق على السعودية، التي تمتلك خط النفط الشرقي ـ الغربي الممتد من بقيق إلى ينبع على البحر الأحمر لمسافة تقارب 1200 كيلومتر. هذا الخط يسمح بتصدير ملايين البراميل يوميًا بعيدًا عن هرمز، ما يجعل قدرة الخليج على الالتفاف الجزئي على المضيق أكبر بكثير مما كانت إيران تتصور.
صحيح أن هذه البدائل لا تعوض كامل الكميات التي تمر عبر هرمز، ولا تستطيع وحدها أن تحل محل 20 مليون برميل يوميًا، لكنها تكفي لتغيير المعادلة السياسية والنفسية. فهرمز لم يعد زرًا واحدًا تستطيع إيران الضغط عليه لإطفاء الطاقة العالمية. أصبح طريقًا مهمًا، لكنه لم يعد الطريق الوحيد.
وهنا تكمن الخسارة الاستراتيجية لطهران. فقد أرادت إيران أن تقول للعالم: لا نفط من دوننا. فجاء الرد العملي من الإمارات والسعودية: هناك طرق أخرى، وهناك خطوط أنابيب، وهناك موانئ خارج قبضة هرمز.
لكن الضربة لا تتوقف عند البدائل الخليجية. فالحصار والضغط البحري الأمريكي أثّرا أيضًا على قدرة إيران نفسها على تصدير النفط. فطهران، التي أرادت خنق الآخرين عبر هرمز، وجدت أن صادراتها هي الأخرى تتحرك في بيئة بحرية مشددة الرقابة، تخضع للعقوبات والمراقبة والضغط الأمريكي.
تعتمد إيران بشكل كبير على بيع النفط إلى آسيا، وخاصة إلى الصين، وتستخدم منذ سنوات شبكات التفاف على العقوبات عبر ناقلات الظل وتغيير أسماء السفن وإطفاء أجهزة التتبع. لكن كلما زادت عسكرة المضيق، زادت مبررات واشنطن لتشديد الرقابة على هذه الشبكات. وهكذا تحول هرمز من ورقة ضغط على الآخرين إلى قيد إضافي على صادرات إيران نفسها.
المفارقة الكبرى أن الإمارات تمتلك خط حبشان ـ الفجيرة بطاقة تصل إلى نحو 1.5 أو 1.8 مليون برميل يوميًا، والسعودية تمتلك خطها نحو البحر الأحمر، بينما لا تملك إيران بديلًا مماثلًا بالفاعلية نفسها. ورغم افتتاح خط غوره ـ جاسك عام 2021، فإنه لم يتحول إلى بديل واسع قادر على تعويض اعتماد طهران على هرمز.
بمعنى آخر، هددت إيران بإغلاق ممر تحتاجه هي أيضًا، بينما يمتلك خصومها بدائل أفضل منها. وهذه ليست قوة استراتيجية بقدر ما هي سوء حساب سياسي واقتصادي. فطهران استخدمت سلاحًا يرتد عليها في وقت تعاني فيه أصلًا من العقوبات، وتراجع العملة، والتضخم، وضغط الداخل.
كما أن أي استهداف إيراني للبنية التحتية الخليجية لا يعيد قوة هرمز، بل يدفع دول الخليج أكثر نحو التحالف ضد إيران. فكل هجوم على ميناء أو مطار أو منشأة نفطية يقنع هذه الدول بأن أمنها المستقبلي لا يمكن أن يبقى رهينة لحسابات طهران.
لقد كانت إيران تحتاج إلى إبقاء دول الخليج في منطقة رمادية، لا صديقة بالكامل ولا عدوة بالكامل. لكنها بسياسة التهديد والضربات دفعتها إلى البحث عن بدائل، وتعزيز الشراكات الأمنية، وتقليص الاعتماد على الممر الذي حاولت طهران تحويله إلى أداة ابتزاز.
وهكذا تحولت ورقة هرمز من سلاح إيراني إلى سبب لتسريع بناء الطرق البديلة. الإمارات تعزز موقع الفجيرة، والسعودية تدفع بخطوطها نحو البحر الأحمر، والدول الآسيوية تبحث عن تنويع مصادر الإمداد، والولايات المتحدة تضيق الخناق على صادرات النفط الإيرانية نفسها.
النتيجة أن إيران لم تخسر مضيق هرمز عسكريًا، لكنها بدأت تخسره استراتيجيًا. لم تنتزع الإمارات هذه الورقة بصاروخ، بل بخط أنابيب. ولم تسقط قوة هرمز بضربة جوية، بل بفكرة بسيطة: إذا كان الطريق خاضعًا للابتزاز، فابحث عن طريق آخر.
لقد أرادت إيران أن تجعل الجغرافيا سلاحًا دائمًا في يدها، لكن الإمارات والسعودية بدأتا بتحويل الجغرافيا نفسها إلى ممرات بديلة تسحب من طهران قدرتها على الخنق. وفي الوقت نفسه، جعل الحصار الأمريكي صادرات إيران أكثر صعوبة وكلفة وخطورة.
أرادت طهران أن تثبت أن العالم لا يستطيع تجاوزها، لكنها أعطته الدرس المعاكس: يمكن تجاوزها، ولو تدريجيًا. والسلاح الذي ظنت أنه سيجبر العالم على الخضوع بدأ يتحول إلى عبء عليها. أما الرسالة الأكثر إيلامًا لإيران فهي أن نزع سلاح الخصم لا يحتاج دائمًا إلى صاروخ؛ أحيانًا يكفي خط أنابيب، وحصار بحري، وقرار دولي بعدم البقاء رهينة لجغرافيا الابتزاز.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رئيس وزراء ورجل أعمال؟ تضارب المصالح وحدود تفضيل المصلحة الع ...
- العراق تحت ضغط الدولار: الاقتصاد كساحة صراع بين الدولة والمي ...
- قاآني في بغداد… القرار العراقي بين يد الدولة وظل الحرس الثور ...
- الشجرة الخبيثة: قراءة سوسيولوجية في أسطورة وطنية
- هدنة الأكاذيب… حرب خسرها الجميع ويُعلنها كل طرف انتصارًا
- النصر كخدعة كبرى: كيف تُدار الهزائم في العقل العربي
- بين وهم الاتفاق ولعبة الوقت… هل يفاوض ترامب أم يقترب من الحر ...
- بين اغتيال لاريجاني وغياب مجتبى خامنئي: هل بدأت مرحلة تفكك ا ...
- ولاية الفقيه بين الرمز والواقع: قراءة في خطاب مجتبى خامنئي
- الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في ا ...
- بين خطاب الحسم وتحذير الجنرال: هل تقترب الحرب… وأين يقف العر ...
- الشرق الأوسط على حافة التصعيد: العراق في قلب العاصفة المقبلة
- الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ
- بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...


المزيد.....




- البيت الأبيض يكشف تفاصيل ما وافقت الصين على شرائه من أمريكا ...
- داخل عالم أطفال الدمى فائق الواقعية والمثير للدهشة
- لحظة اصطدام قطار بشاحنة صرف صحي في ولاية فرجينيا
- مقبرة في نيويورك تتحول إلى موقع سياحي مشهور..من دُفن فيها؟
- السعودية.. الأمن يعلن القبض على مقيم ومقيمة مصريين في مكة وي ...
- إسبانيا: توقعات بهزيمة غير مسبوقة للاشتراكيين في انتخابات ال ...
- بينهم نجل الرئيس عباس.. تعرّف على الفائزين بعضوية اللجنة الم ...
- مهندس القرن التركي.. رسالة دعم واحتفاء رقمي وميداني بأردوغان ...
- الدفاع السعودية تعلن تدمير 3 مسيرات قادمة من العراق مساء الأ ...
- كيف يعزز المضغ من نشاط الدماغ؟


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - هرمز لم يعد سيف إيران… كيف تحولت ورقة طهران إلى عبء عليها ؟