أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مالك الجبوري - الشجرة الخبيثة: قراءة سوسيولوجية في أسطورة وطنية














المزيد.....

الشجرة الخبيثة: قراءة سوسيولوجية في أسطورة وطنية


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 07:00
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في كل تاريخ وطني، هناك لحظات تتحول من أحداث إلى رموز، ومن وقائع إلى حكايات تتجاوز حدود الحقيقة لتدخل في مجال الإيمان الجمعي. وفي سياق الحديث عن ثورة العشرين في العراق، تبرز قصة “الشجرة الخبيثة” بوصفها واحدة من أكثر هذه الحكايات حضورًا وإثارة، ليس لأنها موثقة، بل لأنها مكثفة المعنى، مشحونة بالدلالة، وقادرة على اختزال فكرة كاملة عن البطولة في صورة واحدة.
تقول الرواية المتداولة إن مجموعة من الثوار في جنوب العراق، قرب الناصرية، ربطوا أرجلهم بحبال إلى شجرة حتى لا يتراجعوا في مواجهة القوات البريطانية، وأنهم صمدوا حتى النهاية، مسببين خسائر كبيرة، قبل أن يأمر أحد القادة البريطانيين بقطع تلك “الشجرة الخبيثة” التي تحولت، في المخيال الشعبي، إلى رمز للتحدي والصمود. هذه القصة تبدو، للوهلة الأولى، متماسكة ومقنعة، فهي تحتوي على كل عناصر السرد البطولي: تضحية مطلقة، قرار لا رجعة فيه، وعدو يعترف بخطورة ما واجهه. لكن المشكلة لا تكمن في قوة القصة، بل في غيابها.
فعند العودة إلى المصادر التاريخية الغربية، سواء في الوثائق البريطانية أو الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تناولت ثورة العشرين، لا نجد أي أثر لهذه الرواية. لا في مذكرات المس بيل التي وثّقت تفاصيل دقيقة عن المجتمع العراقي والانتفاضة، ولا في أعمال تشارلز تريب أو بيتر سلوغليت الذين حللوا الثورة من زوايا سياسية واجتماعية معقدة. هذا الغياب ليس تفصيلًا بسيطًا، بل هو مؤشر مهم على أن القصة، بصيغتها المتداولة، لا تنتمي إلى التاريخ الموثق بقدر ما تنتمي إلى الذاكرة الشعبية.
لكن هل يعني ذلك أنها كاذبة؟ ليس بالضرورة. فالمسألة أكثر تعقيدًا من ثنائية الصدق والكذب. ما نحن أمامه هو عملية تحويل حدث محتمل، أو موقف بطولي محدود، إلى رمز مكثف يعبر عن معنى أوسع. فكرة ربط الأرجل لمنع الفرار ليست غريبة في تاريخ الحروب، لكنها نادرة، وغالبًا ما تتحول إلى صورة أدبية تُستخدم للتعبير عن الشجاعة القصوى. وفي حالة “الشجرة الخبيثة”، يبدو أن القصة قد نمت وتضخمت عبر الزمن، لتصبح تمثيلًا رمزيًا لفكرة الثبات حتى الموت، لا وصفًا دقيقًا لواقعة محددة.
من هنا، يمكن قراءة هذه القصة بوصفها جزءًا من بناء الذاكرة الجماعية، لا من كتابة التاريخ بالمعنى الأكاديمي. فالمجتمعات، خصوصًا تلك التي مرت بتجارب استعمارية، تميل إلى إنتاج سرديات بطولية تعيد من خلالها تعريف نفسها، وتمنح أفرادها شعورًا بالكرامة والاستمرارية. في هذا السياق، لا تكون الأسطورة تزويرًا بقدر ما تكون استجابة لحاجة نفسية واجتماعية، حاجة إلى أن يرى المجتمع نفسه قادرًا على الصمود، حتى في أحلك الظروف.
المشكلة تبدأ حين تتحول هذه السرديات إلى حقائق غير قابلة للنقاش، وحين يُنظر إلى أي محاولة لقراءتها نقديًا بوصفها تشكيكًا في التاريخ أو انتقاصًا من البطولة. هنا، ينتقل النقاش من مجال المعرفة إلى مجال الهوية، ويصبح الدفاع عن القصة دفاعًا عن الذات. وهذا ما يجعل من “الشجرة الخبيثة” مثالًا نموذجيًا على التوتر الدائم بين التاريخ والذاكرة، بين ما حدث فعلًا، وما نحتاج أن نؤمن بأنه حدث.
إن إعادة النظر في مثل هذه الروايات لا تهدف إلى نفي البطولة أو التقليل من شأن التضحيات التي قُدمت خلال ثورة العشرين، بل على العكس، هي محاولة لفهمها بشكل أعمق، بعيدًا عن التبسيط. فالثورة كانت حدثًا حقيقيًا، ومعاركها كانت دامية، ومقاومتها كانت شرسة، لكن تحويلها إلى مجموعة من الصور الأسطورية قد يحجب عنا تعقيدها الحقيقي، ويمنعنا من فهم السياق الذي نشأت فيه.
في النهاية، قد لا نملك دليلًا على أن هناك شجرة ربط بها الثوار أرجلهم، وقد لا نجد في الأرشيف البريطاني أي أمر بقطع “الشجرة الخبيثة”، لكن ما نملكه هو قصة انتشرت، وترسخت، وأصبحت جزءًا من الوعي العام. وهذا بحد ذاته يستحق الدراسة، لأنه يكشف عن الطريقة التي نصنع بها ذاكرتنا، ونختار من خلالها ما نرويه عن أنفسنا.
وهنا، لا يعود السؤال الأهم: هل كانت هناك شجرة فعلًا؟ بل يصبح السؤال: لماذا احتجنا إلى هذه الشجرة، ولماذا ما زلنا نتمسك بها حتى اليوم؟



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هدنة الأكاذيب… حرب خسرها الجميع ويُعلنها كل طرف انتصارًا
- النصر كخدعة كبرى: كيف تُدار الهزائم في العقل العربي
- بين وهم الاتفاق ولعبة الوقت… هل يفاوض ترامب أم يقترب من الحر ...
- بين اغتيال لاريجاني وغياب مجتبى خامنئي: هل بدأت مرحلة تفكك ا ...
- ولاية الفقيه بين الرمز والواقع: قراءة في خطاب مجتبى خامنئي
- الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في ا ...
- بين خطاب الحسم وتحذير الجنرال: هل تقترب الحرب… وأين يقف العر ...
- الشرق الأوسط على حافة التصعيد: العراق في قلب العاصفة المقبلة
- الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ
- بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...


المزيد.....




- رصد حطام طائرة أمريكية في مهبطٍ ناءٍ بإيران.. ما القصة؟
- واشنطن تجمع إسرائيل ولبنان في مفاوضات مباشرة للمرة الأولى من ...
- 7 مخرجات أساسية لأول مفاوضات بين لبنان وإسرائيل منذ 1993
- مقال بفورين بوليسي: الحروب المتعددة الجبهات تقوّض موقع إسرائ ...
- تعرف على أبرز مراحل التفاوض بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1949 ...
- مفاوض أمريكي سابق: إيران لن تستسلم بسهولة
- الأربعاء.. أحدث محاولة للحد من صلاحيات الحرب لدى ترامب
- الجيش الأميركي: أوقفنا تماما التجارة عبر البحر من وإلى إيران ...
- بعد تلميح ترامب لاحتمالية عقد مفاوضات جديدة مع إيران.. مصادر ...
- مسؤول فلسطيني لبي بي سي: حركة حماس ترفض خطة نزع سلاحها في غز ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مالك الجبوري - الشجرة الخبيثة: قراءة سوسيولوجية في أسطورة وطنية