أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - حين تصبح القواعد الإسرائيلية “قوات مجهولة الهوية”: فضيحة الصمت العراقي















المزيد.....

حين تصبح القواعد الإسرائيلية “قوات مجهولة الهوية”: فضيحة الصمت العراقي


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 12:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تكشف المعلومات التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز عن واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بالسيادة العراقية منذ سنوات. فبحسب التحقيق، لم يكن الحديث عن اختراق أمني عابر، ولا عن تحركات محدودة لقوات أجنبية في منطقة صحراوية نائية، بل عن قاعدتين سريتين أقامتهما إسرائيل داخل الأراضي العراقية، في الصحراء الغربية، واستخدمتهما في إطار التحضير لحروبها وعملياتها ضد إيران.
الخطورة في هذه المعلومات لا تكمن فقط في وجود قواعد أجنبية سرية داخل العراق، بل في طبيعة هذه القواعد ووظيفتها العسكرية. فالحديث يدور عن منشآت قيل إنها خُصصت لتقليص زمن تحليق الطائرات الإسرائيلية باتجاه إيران، ودعم العمليات اللوجستية لسلاح الجو الإسرائيلي، واستقبال قوات خاصة وفرق بحث وإنقاذ في حال إسقاط طيارين إسرائيليين. أي أننا لسنا أمام مخيم مؤقت أو نقطة مراقبة، بل أمام بنية عسكرية مرتبطة بعمليات جوية واستخبارية معقدة.
وإذا صحت المعلومات التي تقول إن إحدى هذه المنشآت بدأت إسرائيل ببنائها في أواخر عام 2024، فهذا يعني أن وجودها داخل العراق لم يكن طارئًا أو مرتبطًا بعملية واحدة، بل امتد لفترة طويلة قد تصل إلى نحو سنة ونصف. وهذا يطرح سؤالًا بالغ الحساسية: كيف يمكن لقواعد بهذا الحجم، وفيها نشاط عسكري ومدرجات أو تجهيزات مرتبطة بالطيران، أن تُقام داخل الأراضي العراقية من دون معرفة واضحة من الدولة، أو من دون إعلان رسمي صريح للرأي العام؟
لكن الأخطر من وجود هذه القواعد هو طريقة تعامل الحكومة العراقية مع القضية. فبدل أن تتحدث بغداد بوضوح عن قواعد إسرائيلية داخل العراق، أو عن منشآت عسكرية تضم مدرجات أو تجهيزات للطيران، جرى استخدام تعبيرات غامضة من نوع “قوات مجهولة الهوية” أو “جهات غير معروفة”. هذا الغموض لا يخفف من خطورة القضية، بل يزيدها تعقيدًا، لأنه يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل كانت الدولة العراقية تجهل فعلًا هوية هذه القوات، أم أنها تعرف لكنها لا تريد أن تقول؟
إن وصف قوات أو منشآت عسكرية بهذا الحجم بأنها “مجهولة الهوية” ليس مجرد تفصيل لغوي. في السياسة، اللغة ليست بريئة. عندما تمتنع الدولة عن تسمية الأشياء بأسمائها، فإنها إما تحاول تجنب أزمة دبلوماسية، أو تخفي عجزها، أو تحاول إدارة الفضيحة بأقل قدر ممكن من الاعتراف. وفي كل الحالات، يبقى المواطن العراقي أمام مشهد شديد القسوة: أرض عراقية تُستخدم في صراع إقليمي خطير، والحكومة لا تقدم تفسيرًا واضحًا ولا اعترافًا صريحًا ولا رواية متماسكة.
وبحسب ما نقلته نيويورك تايمز، فإن الولايات المتحدة كانت على علم بوجود واحدة على الأقل من هذه القواعد. كما أن بدوًا محليين لاحظوا أنشطة مشبوهة قرب إحدى المنشآت وأبلغوا السلطات العراقية. وبعد ذلك، اختار الجيش العراقي، وفق الرواية المنشورة، مراقبة الموقع من بعيد وطلب معلومات من واشنطن، من دون أن يحصل على جواب واضح. هذه التفاصيل، إن صحت، تكشف خللًا عميقًا في ميزان السيادة: الدولة العراقية تراقب ما يجري على أرضها، لكنها تنتظر جوابًا من دولة أخرى لمعرفة حقيقة ما يحدث داخل حدودها.
وتزداد الصورة قتامة عندما يتحدث التحقيق عن خسائر بشرية مرتبطة بحماية سرية هذه المنشآت. فقد ورد اسم عواد الشمري، وهو راعٍ بدوي قيل إنه قُتل بواسطة مروحية إسرائيلية بعد أن صادف إحدى القواعد، بحسب أقاربه الذين نقلت عنهم الصحيفة. كما تحدث التحقيق عن مهمة استطلاع عراقية انسحبت بعد مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين، على الأرجح بنيران إسرائيلية. هنا لا يعود الأمر مجرد تسريب أمني أو جدل سياسي، بل يتحول إلى قضية دم عراقي سقط داخل العراق، في منطقة يفترض أنها خاضعة لسلطة الدولة العراقية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: هل كانت هناك قواعد إسرائيلية في العراق؟ بل: من سمح بوجودها؟ ومن كان يعلم؟ ولماذا لم تُعلن الحقيقة للرأي العام؟ ولماذا يجري الحديث عن “قوات مجهولة الهوية” بدل تسمية الجهة التي تتحدث عنها الصحف الدولية بوضوح؟ وإذا كانت الحكومة العراقية لا تعرف هوية هذه القوات، فهذه كارثة سيادية. وإذا كانت تعرف ولا تصارح شعبها، فالكارثة سياسية وأخلاقية.
إن العراق، الذي يدفع منذ سنوات ثمن صراعات الآخرين على أرضه، يجد نفسه مرة أخرى في قلب مواجهة لا يملك قرارها الكامل. فإيران حاضرة بنفوذها وميليشياتها، والولايات المتحدة حاضرة بقواعدها ومصالحها، وتركيا تتحرك عسكريًا في الشمال، والآن تأتي المعلومات عن منشآت إسرائيلية سرية في الغرب. وبين كل هذه القوى، تبدو الدولة العراقية وكأنها آخر من يعرف، أو آخر من يملك القدرة على الكلام.
ما تكشفه هذه القضية يتجاوز العلاقة بين إسرائيل وإيران. إنها تكشف هشاشة الدولة العراقية نفسها. فالدولة التي لا تستطيع أن تقول لشعبها من يتحرك على أرضها، ولا تستطيع أن تشرح كيف أُنشئت منشآت عسكرية سرية داخل حدودها، ولا تستطيع أن تحاسب من تسبب بمقتل مدنيين وجنود عراقيين، هي دولة تعيش أزمة سيادة لا أزمة معلومات فقط.
والأخطر أن الصمت الرسمي أو اللغة الملتبسة يمنح القوى الخارجية فرصة أكبر لاستخدام العراق كساحة عبور، وساحة تصفية حسابات، وساحة عمليات سرية. فحين لا توجد رواية عراقية واضحة، تصبح الرواية الأجنبية هي المصدر الوحيد للحقيقة. وحين لا تسمي الحكومة القواعد باسمها، ولا تحدد هوية القوات، ولا تشرح للرأي العام ما جرى، فإنها تترك المواطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن يصدق الصحافة الأجنبية، أو أن ينتظر بيانًا رسميًا لا يقول شيئًا.
إن الحديث عن “قوات مجهولة الهوية” في قضية بهذا الحجم لا يكفي. فالقواعد ليست شبحًا، والمدرجات لا تُبنى في الخيال، والطائرات لا تحتاج إلى الغموض كي تقلع. وإذا كانت هذه المنشآت قد وُجدت فعلًا في العراق منذ أواخر عام 2024 أو منذ نحو سنة ونصف، فإن السؤال لم يعد سؤالًا أمنيًا فقط، بل سؤالًا وطنيًا مباشرًا: أين كانت الدولة العراقية؟ وأين كانت أجهزتها؟ ومن يملك القرار الحقيقي فوق الأرض العراقية؟
في النهاية، لا يمكن لدولة أن تطالب باحترام سيادتها وهي عاجزة عن كشف من يستخدم أراضيها. ولا يمكن لحكومة أن تتحدث عن حماية العراق وهي تتجنب تسمية قواعد أجنبية سرية باسمها. إن ما نشرته نيويورك تايمز، إذا تأكد، لا يضع إسرائيل وحدها في دائرة الاتهام، بل يضع الدولة العراقية كلها أمام امتحان قاسٍ: هل العراق دولة ذات سيادة فعلية، أم مجرد جغرافيا مفتوحة تتحرك فوقها القوى الإقليمية والدولية تحت أسماء غامضة مثل “قوات مجهولة الهوية”؟



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هرمز لم يعد سيف إيران… كيف تحولت ورقة طهران إلى عبء عليها ؟
- رئيس وزراء ورجل أعمال؟ تضارب المصالح وحدود تفضيل المصلحة الع ...
- العراق تحت ضغط الدولار: الاقتصاد كساحة صراع بين الدولة والمي ...
- قاآني في بغداد… القرار العراقي بين يد الدولة وظل الحرس الثور ...
- الشجرة الخبيثة: قراءة سوسيولوجية في أسطورة وطنية
- هدنة الأكاذيب… حرب خسرها الجميع ويُعلنها كل طرف انتصارًا
- النصر كخدعة كبرى: كيف تُدار الهزائم في العقل العربي
- بين وهم الاتفاق ولعبة الوقت… هل يفاوض ترامب أم يقترب من الحر ...
- بين اغتيال لاريجاني وغياب مجتبى خامنئي: هل بدأت مرحلة تفكك ا ...
- ولاية الفقيه بين الرمز والواقع: قراءة في خطاب مجتبى خامنئي
- الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في ا ...
- بين خطاب الحسم وتحذير الجنرال: هل تقترب الحرب… وأين يقف العر ...
- الشرق الأوسط على حافة التصعيد: العراق في قلب العاصفة المقبلة
- الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ
- بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...


المزيد.....




- طفل يروي تفاصيل ما رآه خلال حادثة إطلاق النار في مسجد بولاية ...
- قطر: الجهود الدبلوماسية بين واشنطن وطهران تحتاج إلى -مزيد من ...
- غوارديولا ومانشستر سيتي.. نهاية حقبة استثنائية في إنجلترا
- مأساة في المالديف.. استمرار البحث عن غطاسين إيطاليين مفقودين ...
- فاديفول يحذر من تحول البنية التحتية الحيوية إلى ساحة صراع جي ...
- إسرائيل تعترض 41 قاربا من أسطول الصمود و10 قوارب تواصل الإبح ...
- الجيش الإيراني يهدد بـ-فتح جبهات جديدة- في حال استأنفت واشنط ...
- سوريا: مقتل جندي جراء انفجار سيارة مفخخة في دمشق
- كاليفورنيا: مقتل ثلاثة أشخاص بإطلاق نار على مركز إسلامي في ...
- ماذا وراء تسريح 160 من موظفي الإعلام في بنين؟


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - حين تصبح القواعد الإسرائيلية “قوات مجهولة الهوية”: فضيحة الصمت العراقي