أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. شكرًا لفرشاة الأسنان (17)














المزيد.....

في ضيافة المدافع .. شكرًا لفرشاة الأسنان (17)


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 18:23
المحور: سيرة ذاتية
    


·

في ضيافة المدافع .. شكرًا لفرشاة الأسنان (17)
جعفر المظفر

في (الشوش) أنِخْنا الركاب ووضعنا أمتعتنا العسكرية القليلة في حٌفرٍ كنا تقاسمناها سوية بدلاً من الخيام. هنا سيصير سكننا. وهنا ربما أيضاً ستصير قبورنا. لم يعد مسموحاً لنا نصب الخيام أو السير على الأرض إلا حينما نضطر لقضاء حاجة. كنا نفضل الزحف للانتقال من حفرةٍ إلى أخرى.
التعليمات العسكرية كانت صارمة. لا تدخين في الخطوط الأمامية وخاصة في الليل. ضوء السيجارة دعوة حارة لقناص إيراني كي يدون في مذكرته رقم آخر ضحاياه. حينها كنت ما أزال آمراً لأحد الفصائل, وجرت العادة أن يتفقد آمر الفصيل الحُفرَ التي في عهدته, وكان لي أن أحط الركاب في حفرةٍ متقدمة تفصلها عن الإيرانين بضعة هضاب رملية, حيث يستطيع الواحد منا أن يرى قتيله أو قاتِله على الجهة الأخرى.
اختار السكن في تلك الحفرة ثلاثة أشخاص من المحمودية, طالبان كانا يدرسان للحصول على الماجستير من الجامعة المستنصرية وثالثهم كان يعمل مديرًا عامًا في إحدى مؤسسات وزارة التجارة على الأغلب. كانوا طوال القامة وسيموا الطلعة وسيئوا الحظ بكل تأكيد, إذ لم يشفع للطالبين ظنهم, وكانوا على أبواب الحصول على شهاداتهم العليا, أن كلمة (التطوع) أعطتهم في تلك اللحظة حق الاختيار.
ولم يتخلَ العساكر عن طرق التعبير عن محبتهم للمتطوعين. كالعادة وضعوهم في مناطق الحجابات رغم أنهم لم يدخلوا معارك فعلية من قبل ولم يكونوا ضمن السياق, بالمعنى الذي يعتبرهم ضمن خطط المعركة السوقية. وأجزم أنه ليس من حق أحد أن يحاسب العساكر على تلك الفعلة, إذ أن هناك من اعتبرها عملية مقصودة للتعبير عن رفض العساكر لحالة استمرار الحرب, حيث يؤكد على ذلك تدفق (المتطوعين) إلى الجبهة. ولأن حالة المتطوعين هي حالة حزبية فليكونوا إذن أول من يضحي وآخر من يكسب, وليتحملوا بدرجة أساسية التضحية التي تتفق مع حماسهم غير المقبول للحرب والاصرار على المشاركة فيها.
لكن الجيش لم يكن حينها في وارد البحث عن حقيقة الأمر لمعرفة كانت ستدلهم حتماً على حقيقة أن هؤلاء الأبرياء هم ضحايا لفوضى القيادين الأغبياء وأولهم طه ياسين مَرَضان القائد العام للجيش الشعبي, الذي كان قد صرح في بداية الحرب : كلها اسبوع ويأتي الإيرانيون راكعين خاضعين, وقد أيده في ذلك كبير الستراتيجيين العراقيين عبدالغني عبدالغفور خريج معهد الدراسات الإسلامية الذي كان يشغل وقتها عضوًا في مكتب تنظيم بغداد, وهي الدرجة التي تؤهل صاحبها للقفز, بشرط بركة القائد, إلى القيادة القطرية.
على جانب آخر أدى غياب هذه المباركة إلى غضب (عزرائيل حسين) على وليد الخشالي أحد أعضاء ذلك المكتب الذي كتب رسالة تؤكد على آهليته قبل غيره للصعود إلى القيادة, فما كان من (عزرائيل حسين) إلا أن يقيله من مرتبته القيادية ثم يحكم عليه بالسجن ست سنوات, ثم كالعادة يطلق سراحه إلى أعلى بدلاً من أن يسمح له بعد قضاء المدة بالذهاب إلى أهله. وكالعادة سيرفق (عزرائيل حسين) مع الجثمان رسالة تخبر عائلة وليد أن لا يقيموا مجلسا للعزاء أو أن يبكوا فقيدهم بصوتٍ عالٍ.
على حافة الحفرة التي تخص رجال المحمودية الثلاثة جلسنا نتبادل الحديث. كانت جبهة الشوش تعيش هدوء ما قبل الهجوم الكبير, لذلك استشعرنا الأمان وقررنا أن نتنفس لوهلة خارج تلك الحفرة الضيقة. تذكرت حينها إنني لم أغسل أسناني لمدة اسبوع, فذلك ترفٌ لا توفره الخطوط الأمامية. أخبرتهم إنني ساذهب إلى الموضع الذي يبعد عنهم لمسافة تقل عن المائة متر حيث يتوفر إبريق ماء كنت قد تركته أمام حفرتي, ثم مشيت وبيدي فرشاة أسناني. لكني ما إن انحنيت على ذلك الإبريق حتى سمعت صوت انفجار هائل عرفت حينها أن قنبلة مدفع إيراني قد اصابت ذلك الموضع. لم أنتظر حتى ولو للحظة لكي أعرف على وجه الدقة حقيقة ما جرى. كان هناك رأس ٌ لأحد رفاق الحفرة قد تدحرج ليصل إلى قربي بينما طارت الأكف والاقدام إلى مسافة مجاورة. أسرعت ومعي الشجاع الثابت الأعصاب والإرادة طبيب الاسنان الدكتورعامر الأمين وكان آمراً للفصيل الثاني بتجميع الرأس والأجزاء المتناثرة في (بطانية) ثم إتجهنا سريعاً نحو الحفرة لتفقد الباقي من الجثث. ما رايناه كان أصابنا بالحزن والرجفة معاُ. كانت إحدى الجثث مقسومة إلى نصفين. ظننا أن باقي الجثة الاخرى سيعننا على إزاحتها. حينما أقدمنا على ذلك إنفصل النصف العلوي لجسد الشهيد عن نصفه الاسفل وظهر أنه كان معلقاً بقليل من الجلد في الخاصرة. ثم سمعنا صوت أنين يصدر من داخل الحفرة. كان المدير العام السابق قد أخبر صاحبيه بحاجته إلى النوم وتمنى عليهم أن يسمحوا له بالنوم قليلاً في داخل الحفرة بينما ظل صاحباه في وضع الجلوس على الحافة وسيقانهم متدلية إلى داخلها حتى تكاد تلامس جسد رفيقهم النائم.
كان ملاك النوم قد منع ملاك الموت عنه بينما تناثر مخ رفيقيه على ثيابه, وصارت حصيلة تلك القذيفة مقتل طالبي الدكتوراة مع نقل رفيقهم النائم إلى ردهة الأمراض النفسية في مستشفى اليرموك.
وحينما زرته في أول إجازة تخيلت أن العراق برمته صار في تلك الردهة.



#جعفر_المظفر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ضيافة المدافع .. حينما يكون الزحف وسيلة النجاة (16)
- في ضيافة المدافع .. حماقة التطوّع (15)
- في ضيافة المدافع .. المركزية الديمقراطية هي (كضبة) شارب صدام ...
- في ضيافة المدافع .. الجيش الشعبي العراقي في مقابل الباسيج ال ...
- في ضيافة المدافع .. حينما هزَّ صدام شاربه (12)
- كيف خسر ترامب حينما ظن أنه ربح
- إلى أن يدخل الميل في المكحلة
- الفتنة النبيلة
- في ضيافة المدافع .. يا محلى النصر بعون الله (11)
- الزيدي والشرع .. مقارنة على الخفيف
- في ضيافة المدافع ... فتحة الرادار (10)
- صناعة البطل
- في ضيافة المدافع .. ظلم البيئة (9)
- في ضيافة المدافع ..هبة السماء (8)
- في ضيافة المدافع.. فتحة الرادار (7) مِن طه ياسين (مَرَضان) إ ...
- ترويض الكوبرا الكونفوشيوسية
- الجنسية الثانية وضياع الهوية وازدواجية الولاء
- في ضيافة المدافع .. فتحة الرادار (6)
- من هو الأفضل بين النظامين : الحالي أم السابق .. ؟
- ردٌ على رد والبادئ أظلم


المزيد.....




- لقاء ثلاثي قد يجمع بوتين وترامب وشي.. هذا ما كشفه الكرملين
- جندي واحد يقود عشرات المسيّرات والروبوتات.. إسرائيل تكشف منظ ...
- أشلاء وجثامين متفحمة.. قتلى وجرحى في انفجار مخزن ذخائر ومخلف ...
- -مقدمات المواجهة الكبرى تتبلور-.. تحذير إيراني: العالم على أ ...
- واشنطن تخطّط لـ-ضربات حاسمة- ضد نووي إيران.. -جبل الفأس- في ...
- للمرة الأولى منذ 20 عاماً.. -الطاقة الذرية- تحيل إيران إلى م ...
- نتنياهو يتوعد طهران من جنوب سوريا: -إسقاط النظام بات قريباً ...
- إسرائيل.. إجراءات عقابية ضد أوروبا قريبا
- غزة.. معاناة يومية للحصول على وجبة طعام
- حكومة صنعاء تصدر عفوا رئاسيا عن -المقاتلين المغرر بهم في الس ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. شكرًا لفرشاة الأسنان (17)