أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. فتحة الرادار (6)















المزيد.....

في ضيافة المدافع .. فتحة الرادار (6)


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 18:47
المحور: سيرة ذاتية
    


مضت ثلاثة أيام على وجودنا في البسيتين وقد كنا نعيش على فتات ما يعطيه لنا بقايا الجند العراقيين في المنطقة التي باتت على أبواب أن يزحف عليها الأيرانيون بعد أن جعلوها منطقة صيد حيث كانت بنادق القناصين لا تتوقف عن الرمي, بمؤازرة المدفعية التي كانت تلقي بقنابلها علينا بين الحين والآخر.
وحينما سألنا الضابط المسؤول عن ضرورة مدنا بالطعام وإلا هلكنا أجابنا أنه سيفعل, لكنه جاء إلينا بعد ساعات ليخبرنا أن الشاحنة المحملة بالأرزاق قد قصفت من قبل المدفعية الإيرانية, فكان أن ذهب طعامنا الموعود حصةً لحيوانات الرمال.
غير أن البشارة لم تتأخر إذ طلب منا الضابط أن نتهيأ للانسحاب من المنطقة, وحينما توزعنا على الشاحنات قال لي (حسين) وهو يبتسم بفرح غامر: كنت متأكداً أن هذا سيحدث. وحينما سألته عن ألـ (هذا) الذي يقصده قال: في إعتقادي صدام أراد أن يعاقبنا لكنه أراد أن يمتحننا أيضاً, وأظن أنه بات مقتنعاً أننا قد نجحنا في الإمتحان فقد بقينا صامدين رغم قساوة المنطقة وظروف القتال, ولهذا قرر أن يعيدنا إلى بغداد, وحتى أن يعيدنا إلى مواقعنا ووظائفنا السابقة.
كان حسين يهز برأسه طرباً, لكن العريف الذي رافقنا في الشاحنة سرعان ما ذكّرني, وأنا أنظر لرأس حسين الذي توقف عن الإهتزاز, بالمثل الذي يقول (ذهبت السكرة وأتت الفكرة) حتى كأني بت أحسب أن رأس حسين قد غادر كتفيه لكي يدخل في فم العريف حتى يكتشف ما سوف يقوله, وحين أخذته المفاجئة سمعته يردد ذات الكلمة التي غالباً ما كان يرددها إذا ما تفاجأ بموقف محبط (لا طي ..)), فبعد أن راوده حلم اليقضة متخيلاً أن صدام قد أمر بسحبه من منظقة البسيتين, وهي منطقة كان الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود, فإذا به يستمع إلى صوت العريف وهو يقول: عندنا أوامر من الرئيس نفسه أن نأخذكم لكي تشاركوا في المعركة الدائرة الآن في إحدى مناطق الشوش, والغرض أن يشاهدكم الرئيس عن قرب ويمتحنكم عن كثب .
حينها وجدت نفسي أشارك صديقي حسين قولته التي تعبر عن شدة الإحباط. ومردداً مع نفسي : ما هذا الصدام حسين, جبهات القتال تمتد من زاخو لحد الكويت وقتلاها يومياً بعشرات الألوف, وهذا الصدام حسين ما زال يضعنا في مخه ومخّيْخِه, فيا له من مريض مهووس ومختل.
لكن القدر لم يكن بإمرة صدام حسين تلك الليلة. كان الليل قد داهم سائقي الشاحنات العسكرية الثلاث التي كانت تنقلنا إلى ساحة القتل فأضاع الدليل طريقه وبقينا تائهين في صحراء شديدة الظلمة باحثين عن الطريق التي تأخذنا إلى حيث يتفرج صدام حسين على المعركة حتى كأنه إمبراطور روماني يحضر حفلة لمصارعة العبيد.
لكن ظلمة الصحراء لم تكن هي الوحيدة التي أنقذتنا إذ علمنا بعد ذلك أن صدام كان على وشك أن يقع في الاسرحينما حاولت طائرة هليوكبتر إيرانية أن تحط في نفس منطقته بعد أن اكتشفت وجوده, لكن الجنود والمرافقين تدخلوا في الوقت المطلوب فاوقفوا عملية الاسر, وقد أشار صدام إلى تلك الحادثة في مشهد مصور من تلك المشاهد التي كان التلفزيون حريصاً على أن يقدمها بديلاً لفلم السهرة. وقد وثق المرشد الإيراني علي خامنئي تلك الحادثة بقوله أن الإيرانين كانوا على وشك أن يأسروه لولا أنه كان قد غادر قبل نصف ساعة. وبرغم الإختلاف على صعيد التفاصيل المذكورة في كلا التصريحين إلا أن الذي يهمنا هنا هو ذلك الذي له علاقة بالمشهد الذي أنقذنا من موتٍ كاد أن يكون محتماً.
وإذ ليس من حقي هنا أن أظلم صدام فأقول أنه كان ينوي التخلص منا عن طريق اشراكنا في معركة دموية لا يخرج الواحد منها حياً إلا حينما يصير أسيراً بدلاً من قتيل, إلا أنني أتوقع أن الرجل كان مسكونا بمشاعر اللذة التي تدفعه ليرى عذاب ضحاياه.
وأذكر أنه قال وهو يتحدث عن ضحايا قاعة الخلد عام 1979 (لقد قلت للمتآمرين إنني سأجعل من رؤوسهم منافض لأعقاب السكائر), وهذه في الواقع لغة لا يتقنها سوى (الشقاوات) الذين يجتمعون على ثقافة مشتركة أبرز ما فيها عبارات الشتائم والتهديد الخارجة على سياقات الإستعمال الشعبي.
وقد ذكر لنا أحد العسكريين أنه قال حينما أمر بإحضارنا للمشاركة في المعركة أمام ناظريه (أريدهم أن "يكاونون" أمام ناظري), والمفردة "يكاونون" كثيراً ما كان صدام يستعملها لتكشف صلته الحميمة بثقافة منطقة ومرحلة زمنية لم يكن بمقدوره ان يغادرها حتى بعد أن اصبح رئيساً لدولة هامة كالعراق.
وقد كتبت ذات مرة أقول في معرض توصيف العلاقة بينهما, اي بين العراق وصدام (أنه عوجن العراق بدلاً من أن يعرقن العوجة), ولي أيضاً مقالة, في معرض التحليل لشخصيته والمشاكل والمصائب التي مر بها العراق, قلت فيها أنه لا يمكن فهم تلك المرحلة بدون البحث المعقد في هذه الشخصية من نواحٍ مركبة, داخلية وخارجية, لكن على شرط أن يكون هناك إهتماماً بالعقد التي نشأت أثناء طفولته ورافقته بعد ذلك طوال عمره.
نعم لقد حاول صدام أن يكمل تعليمه وحاول أيضاً أن (يَتثقّف) لكن مشكلته, ومشكلتنا معه, أنه جاء إلى الحكم وهو يحمل الشخصيتين معاً تماماً مثل شخصية دكتور جيكل ومستر هايد, وهي رواية مشهورة للكاتب الإيرلندي (إدوار ستيفنسون). وهناك فلم سينمائي بالعنوان نفسه يستخلص من الكتاب أحداثه حول رجل بشخصية مزدوجة هما الطبيب (جيكل) الذي يداوي الناس صباحاً ثم يتحول ليلاً إلى شخصية مجرم هو المستر (هايد)
. صدام حسين إلى حدٍ بعيد هو الدكتور جيكل ومستر هايد, ولكن بدلاً من هذا التحول الحاد في الشخصيتين, من طبيب نهاراً إلى مجرم ليلاً, كما في حالة جيكل وهايد, فإن صدام كان في كل لحظة زمنية يحمل الشخصيتين معاً, فهو شقي من العوجة ولكن بلباس وجلد رئيس جمهورية.
ودائماً ما كنت أتساءل, في المرات العديدة التي إلتقيته فيها, عن سر بشرته الجامعة للسَمْرة والصَفْرة في نفس الوقت, فإعتقدت أنهما ربما يكونا أعراضاً لمرض الكبد, كاليرقان مثلاً, ولكن عينيه الصافيتين كانتا دليلاً على خلوه من المرض, وربما لا توجد علاقة بين لون بشرته مع أي مرضٍ عضوي غير أن سلوكياته كانت تشي بوجود رجلٍ محملٍ بعقد شخصية مركبة لم يكن بمقدوره التخلص منها حتى صار بالإمكان قراءة شخصيته من خلال صحيفة جلده وبشرته.
في مرة سألني صديق لي عن رأيِ بشخص كان معنا في نفس المهنة فقلت له (إنه كالذهب, ولكن باللون فقط). كان ذلك الشخص ببشرة بيضاء ولكن بسلوك أصفر. مع صدام كانت نفسيته (الصفراء) قد طفحت على بشرته السمراء فإتفقا بعد معارك حدية أن يتزاوجا لإنتاج لون ثالث يجمع اللونين معاً في ذات اللحظة, وذلك ما جعل بشرته تبدو وكأنها قطعة نحاس صدئة.



#جعفر_المظفر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من هو الأفضل بين النظامين : الحالي أم السابق .. ؟
- ردٌ على رد والبادئ أظلم
- الاختلاف التاريخي بين شيعة العراق وشيعة إيران (2)
- الاختلاف التاريخي بين شيعة العراق وشيعة إيران
- حكايات عن الحرب (4) قوة الضعف وضعف القوة
- حكايات عن الحرب (3) (إلما يعرف تدابيره)
- حكايات عن الحرب .. الوطن أولاً
- حكايات عن الحرب ... يا محلى النصر بعون الله
- أسعف فمي
- مقالات الكيس
- مع الجواهري الكبير
- الشعبوية الأمريكية
- مشاهد سودانية
- رسالة إلى الإطار التنسيقي : لا تتحدثوا عن الوطنية والسيادة ل ...
- في ضيافة المدافع ... فلسطين والسراب الفارسي
- صدام وحديثه عن عبدالخالق وناظم كزار القسم الثاث والأخير
- صدام وهو يتحدث عن عبدالخالق وناظم كزار القسم الثاني
- صدام وهو يتحدث عن (مؤامرة) ناظم كزار ودور (المتآمر) عبدالخال ...
- الماريشال محمد سعيد الصحاف
- ميشيل عفلق مسلماً


المزيد.....




- الفولاذ لن يحسم الحروب.. اليابان تصنع سلاحا إستراتيجيا من ال ...
- كامب ديفيد يفتح أخطر ملفات الشرق الأوسط.. مفاوضات إيران إلى ...
- فرنسا تكسر الصمت.. القضاء يفتح قضية اعتداءات جنسية على أطفال ...
- إطلاق صادم.. فيراري تكشف عن أول سيارة كهربائية وأسهم الشركة ...
- قائد جماعة مسلحة مناهضة لحماس في غزة لصحيفة إسرائيلية: بدأنا ...
- معظمهم في خريف العمر.. أكثر من 20 % من سكان ألمانيا يعيشون ب ...
- عاجل| بيان مشترك لنتنياهو وكاتس: الجيش هاجم في غزة محمد عودة ...
- مذيعة CNN لأحمديان: أين أحمدي نجاد وما حقيقة -خطته-؟ شاهد كي ...
- مسؤول عسكري إسرائيلي لـCNN: عمليات برية شمال -الخط الأصفر- ف ...
- مرسوم ملكي لإدارة الأوقاف يشعل مواقع التواصل في البحرين


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. فتحة الرادار (6)