أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - مشاهد سودانية















المزيد.....

مشاهد سودانية


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 18:26
المحور: سيرة ذاتية
    


المشهد الأول

عام 1994 عقد الإتحاد العام لأطباء الأسنان العرب مؤتمره العلمي في مدينة الخرطوم عاصمة السودان العزيز الذي خربه العسكر المتقاتلون, قوات مسلحة وردع سريع, بعد أن بانت شواهد تقدمه إلى العلن وكاد أن يفك زنقته التاريخية من قبضات العسكر حينما أكدت حركته التقدمية على امكانيات واضحة لوضع البلد على طريق الوحدة والتقدم..

المشهد الثاني

الوفد العراقي إلى المؤتمر كان برئاسة أخي الجميل الخَلق والخُلُق المرحوم الدكتور غالب الجاسم الذي ينسب له فضل المحافظة ليس على النقابة وحدها وإنما على مهنة طبابة الأسنان في العراق وذلك في زمن الحصار الظالم الذي أضر بالعراقيين كثيراً ولم يضر بالحكومة أو النظام, فظلت المهنة, عِلماً وخدمات, محافظة على نسقها التصاعدي ولم يحدث ان صار هناك نقصٌ سواء على صعيد الأجهزة أو المواد أو أن تعثر النهج العلمي التصاعدي الذي اختطته النقابة ممثلة بنقيبها الجميل وبأعضاء هيئته الإدارية الموقرة.

المشهد الثالث

السوداني الدكتور إبراهيم غندور كان وقتها عميداً لكلية طب الأسنان في الخرطوم ثم أصبح وزيراً للخارجية في حكومة الفريق عمر البشير, وكان صديقاً مقرباً من نقيبنا المحترم وزميلاً له في الهيئة الإدارية لأتحاد أطباء الأسنان العرب. ولأن نقيبنا كان يحيطني باعتزاز كبير فإن عدوى تلك المعزة قد انتقلت إلى الدكتور غندور نفسه الذي سألني في احدى زيارته إلى بغداد أن أساعده في تدريس الطلبة موضوع التيجان والجسور الثابتة لأن الكلية في الخرطوم كانت تشكو من النقص الخطير على مستوى كوادرها التدريسية الذين فضلوا العمل في السعودية والخليج لأن العمل في السودان كان شحيح الأجر.
ولأن الدكتور غالب يمون علي كثيراً لذلك استجبت لطلبه , أن ألبي طلب د. غندور العميد وقتها, وأبقى في السودان لأربعين يوماً من ضمنها أيام المؤتمر الأربعة.
المشهد الرابع

وجه العميد رسائل إلى كافة أقسام الكلية الخاصة بصفي الرابع والخامس النظرية والسريرية أن تؤجل نشاطها المعتاد لكي تجعل الدراسة في هذه الأقسام حكراً على تعلم موضوعة الجسور الثابتة. أي أن طلبة الرابع والخامس صاروا لي وحدي طيلة أكثر من شهر كامل, وصار دوامي اليومي يبدأ من الثامنة صباحاً حتى الخامسة أو السادسة, مساء أقضي ساعتين منه صباحاً محاضراً على طلبة الصفين معاً وأترك بقية اليوم للتدريب العملي السريري في العيادة المخصصة لهذا الغرض وفي المختبر المرافق, أي معمل التصنيع.
المشهد الخامس
الغرفة المخصصة لسكناي كانت في دار استراحة وفود جامعة الخرطوم في (الخرطوم بري)وقد فهمت فيما بعد ان الخرطوم الولاية وعاصمتها أم درمان مقسمة إلى بري وبحري. وكان سكني ممتازاً وغرفتي أهم ما فيها السرير المريح والتبريد العالي الجودة أما النظافة فكانت سوبر.
المشهد السادس
على طرفي نقيض من حيث المسافة كان موقع السكن وموقع العمل, ولك أن تتصور الموقعين وكأنما الأول هو في الكرادة إرخيتة والثاني في العيواضية, وهذا معناه أن علي أن أقضي ما يقارب الساعتين في الطريق واحدة صباحاً والثانية للعودة مساءً حيث مقر سكناي.
المشهد السابع
قبل بدأ العمل صباحاً كانت أكثرية المدرسين تجتمع في غرفة العميد د, غندور, ومن خلال احتكاكي بهذه الفئة وبغيرها كالعاملين في دار الاستراحة, وبالطلبة التي أحاطوني بكل محبة وإحترام, تعرفت على طيبة الإنسان السوداني واحترامه لنفسه وبإعتزازه بكرامته : بقيت في دار الإستراحة أكثر من ثلاثين يومين حظيت بها بخدمة لا توصف. على مائدة الطعام كان هناك رجل يجلب لي الماء وآخر يرتب الصحون والأكواب والملاعق, وآخر يقف إلى الجوار مني وفي خدمتي, لكنني لاحظت أن لا أحد منهم طلب مني فلساً واحداً. شهرٌ كامل وسبعة يقفون في خدمتي, يلبون طلبي ويلتزمون الصمت, إلا من إبتسامةٍ وكلمة شكرٍ طيبة, لا أحد استجاني بقرش. يا لإحترام عزة النفس ويا لرفعة الروح, ويا لصدق العلاقة. بعد إنقضاء الشهر قررت منحهم راتبي في جزئه المدفوع بالعملة السودانية. شكرني العاملون بإبتسامة صامتة وبدون شكراً يا بيه وإحنا خِدام الخدامين.
المشهد الثامن
قضيت الشهر كاملاً تقرر فيه أن تغلق كل الأقسام والعيادات التي يعمل فيها الصفان الرابع والخامس ويوضع نشاط الصفين تحت إدارتي. سواءً في قاعة المحاضرات أو في المختبر الخاص بدرس التيجان والجسور الثابتة أو في عيادة معاجة المرضى, بسبب أننا كنا إتفقنا على أن أظل ضيفاً على الكلية لفترة شهر واحد ثم أعود إلى بلدي العراق الذي كان يرزح تحت نير الحصار الظالم.
المشهد التاسع
في غرفة العميد حيث كنا نستريح صباحاً كانت المرأة السودانية, وهنا طبيبة الاسنان, تدخل علينا بقامة مرتفعة وبإبتسامة متزنة وتصافحنا الواحد بعد الآخر ثم تجلس في أي مكان فارغ, ولا أحد كان ينظر لها من تحت, أو يسرق من عينيها نظرات هي ليست من حقه. وما لاحظته أيضاً أن السوداني الفرد كان ديمقراطياً بالولادة, رغم أن الدولة ذاتها كانت لا تؤمن بالديمقراطية لأنها كانت تدار من الإخوان المسلمين الذي يتبعهم العسكر بقيادة البشير.
المشهد التاسع
قرر الطلبة أن يقيموا لي إحتفالاً توديعياً في احدى حدائق السودان, وفي ختامها قدموا لي هدية عبارة عن لوحة شكر صنعت حروفها من العاج. قال لي صديقي العزيز الدكتور كمال عباس, العميد السابق للكلية وخريج كلية طب الاسنان العراقية : هذه هي المرة الأولى التي يحتفي بها الطلاب باستاذ زائر لإحساسهم بصدق جهدك العلمي وتعاملك الإنساني.
المشهد العاشر
كل فصول روايتي هذه كانت قد حصلت في منتصف التسعينات من القرن الماضي. كان السودان فقيراً جداً, الخرطوم العاصمة بخمسة شوارع ضيقة نصفها مغطى بالرمل, أما التاكسي فكانت سيارات الحمل التي استعملتها في الكثير من تنقلاتي, حيث يجلس الركاب ظهراً بظهر ووجهاً بوجه, حتى كأنهم جسماً واحداً برؤوس متعددة, وكانت العاصمة كلها بدون مقهى أو دار للسينما. بعدها كنت أتابع النهضة العمرانية التي حدثت في الخرطوم وقيل ان سعر المتر الواحد الذي كان يباع بجنيهات صار يباع بأكثر من ثلاثة آلاف دولار. صار هناك مال وقدرة شرائية وقرأت الأمل في وجوه السودانيين الذين رأيت بعضهم يموت جوعاً بكل ما تعنيه الكلمة.
المشهد الحادي عشر
صار هناك أملٌ لأن ينهض السودان مرة أخرى, الديمقراطية المتأصلة في الفرد السوداني بدأت تشتغل بحماس وسرعة. صارت هناك وزارة مدنية برئيس وزراء مدني وأحزاب تؤسس لحالة ديمقراطية واعدة.
لكن العسكر كانوا بالمرصاد.



#جعفر_المظفر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة إلى الإطار التنسيقي : لا تتحدثوا عن الوطنية والسيادة ل ...
- في ضيافة المدافع ... فلسطين والسراب الفارسي
- صدام وحديثه عن عبدالخالق وناظم كزار القسم الثاث والأخير
- صدام وهو يتحدث عن عبدالخالق وناظم كزار القسم الثاني
- صدام وهو يتحدث عن (مؤامرة) ناظم كزار ودور (المتآمر) عبدالخال ...
- الماريشال محمد سعيد الصحاف
- ميشيل عفلق مسلماً
- البعث وأزمة الهوية الدينية*
- في ضيافة المدافع .. حزب البعث ومعضلة البحث عن الهوية (2)
- في ضيافة المدافع .. حزب البعث ومعضلة البحث عن الهوية (1)
- الديمقراطية العراقية .. حلم أن تبيض الدجاجة أسداً
- في ضيافة المدافع .. الهزيمة في الشوش
- في ضيافة المدافع بعض من الرجال الأوفياء
- قصة مدينتين
- في غرفتي طارق عزيز .. (في ضيافة المدافع)
- ما بعد تموز 1958 .. هذا ما حدث (2)
- بعد تموز عام 1958 .. هذا ما حدث
- المقاطعة المشاركة
- في ضيافة المدافع .. صمت الفرسان
- لن نمسح مساوئ إيران بمساوئ إسرائيل


المزيد.....




- طفلة ظريفة بعمر 6 سنوات تحقق رقمًا قياسيًا ببيع أكثر من 75 أ ...
- رئيس وزراء إثيوبيا يوجه رسالة بشأن نهر النيل: -يجب أن يرتوي ...
- ماذا يخبرنا عام 1979 عما قد يحدث في إيران اليوم؟ - مقال في ا ...
- انقسام داخل إسرائيل.. بينيت يحذر: دولة حريدية مستقلة تتشكل ف ...
- -عملية أمنية ضد غالانت-.. جاسوس لإيران يمثل أمام القضاء الإس ...
- رشيد حموني يطالب رئيس الحكومة بتعميم الدعم على كافة الأقاليم ...
- أخبار اليوم: إندونيسيا تجهز ألف جندي لنشر محتمل في غزة
- دول عربية تستنكر مصادقة الحكومة الإسرائيلية على مشروع قرار ل ...
- غزة: ترامب يدعو حماس للتخلي عن سلاحها بشكل -كامل وفوري- ونتن ...
- إيران: ترامب يراهن على إثارة الخوف لحسم المواجهة سلميا؟


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - مشاهد سودانية