أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع ..هبة السماء (8)















المزيد.....

في ضيافة المدافع ..هبة السماء (8)


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 18:12
المحور: سيرة ذاتية
    


بعد شهرين قضينا نصفهما الأول في معسكر التدريب، حيث كنّا نعاني محنة الغدر التي أتقن صدام حسين فنَّ إدارتها بكل ما يملكه من خبرة طفولته الممتهنة. ثم قضينا نصفهما الثاني نتنقّل، وبإشراف مباشر منه، في منطقة التلال الكاذبة على خطوط التماس مع الإيرانيين. لكن الحظ حالفنا هذه المرة حين كان صدام على مقربة من الأسر على يد القوات الإيرانية، الأمر الذي جعله ينشغل بعد ذلك بنفسه. وربما وجد الفريق الركن هشام صباح الفخري الفرصة السانحة لإخراجنا – ولو لأيام – من دائرة الموت، فوضعنا في منطقة الصواريخ بالقرب من هور الحويزة.
أحسست أن الرجل كان متعاطفًا معنا، لأنه كان يدرك حدود اللعبة التي أُوقِعنا فيها. أمامه كانت معظم الكوادر المتبقية من الحزب القديم، حيث بدت عملية إزاحتهم وكأنها مطلوبة للتخلص من الحزب القديم. لقد تيسّرت لصدام فرصة التخلص من نصف أعضاء القيادة القطرية ومعظم القيادات المتقدمة فيما سُمّي بـ«مجزرة قاعة الخلد»، التي كانت فصلًا مهمًا من تداعيات الإطاحة بميثاق العمل القومي بين سوريا والعراق، والذي أعقبه التخلص من أحمد حسن البكر. أمّا أنا فأعتقد أن صدام كان يخوض أيضًا معركة إنتقامٍ حقيقية ضد الحزب الذي يسّر له القدر بعد ذلك أن يكون على رأس قيادته.
حينما دُعي صدام إلى أن يكون عضوًا في فرقة اغتيال عبدالكريم قاسم في (7 أوكتوبر 1959)، ظنّ أنه سيدخل التاريخ البعثي من أوسع أبوابه. لكن قيادة عفلق القومية سرعان ما أغلقت هذا الباب، وأجهزت على حلم صدام حسين حين أقدمت على فصل قيادة فؤاد الركابي، معتبرةً أن خطة الاغتيال جرت من دون علم القيادة القومية، ومؤكدةً أن العملية كانت عملًا فرديًا مداناً ومحاولة اغتيال لا يقرّها الحزب السياسي والجماهيري ولا يعدّها عملًا ثوريًا.
ولا مجال للاعتقاد بأن قرار الحزب لم يترك أثرًا سيئًا جدًا في نفس صدام حسين، الذي كان يظن أن مشاركته في تلك العملية ستجعله في قائمة الأبطال وفق مخياله البيئوي. وماذا فعلت القيادة القومية غير أن أدانت العملية وأدانت القائمين عليها؟ صحيح أن المنفذين بشكل عام لم تُوجَّه إليهم الإدانة، غير أن تشخيص الحزب للعملية بوصفها عملًا فرديًا مدانًا حرم صدام حسين من «موقعته البطولية» التي كادت أن تودي بحياته، ثم جعلته طريدًا يهرب عبر الصحراء ليكون لاجئًا في سوريا، ثم في مصر. وأجزم أن صدام لم يكن قد قرأ حينها كتابًا فكريًا واحدًا، وهو نفسه يعترف بأنه بدأ يثقّف نفسه حين سُجن مع رفاقه في القيادة بعد اكتشاف سلطات عبدالسلام عارف مؤامرة بعثية لقلب نظامه فيما سُمّي بمحاولة 4/9.
وأجزم أن الروح القبلية كانت قد حفرت في نفسه ثقبها الأسود الذي يجذب كل شيء إلى داخله. وحتى حين استولى صدام حسين على الحزب والدولة العراقية بعد تنحية الرئيس البكر، ظهر واضحًا أنه صار يحكم باسم القبيلة والعائلة التي لم يكن البكر بعيداً عنها، وأن الحزب تحوّل تدريجيًا إلى حزب للسلطة التي تخضع بالكامل لمجموعة العوجة. وبهذا قاد صدام دولته باتجاه «عَوجَنة العراق» بدلًا من (عَرقَنة العوجة).
وإذا عدنا إلى مرحلة ما قبل الاستيلاء على الحكم عام 1968، وتتبعنا أثر صدام بعد عودته حين تمكن الحزب من القضاء على نظام الزعيم عبدالكريم قاسم في شباط عام 1963، فسنجد أن القيادة البعثية لم تعطه الاستحقاق الذي كان يظنه، إذ جعلته عضوًا في مكتب الفلاحين، وهو الأدنى مكانة بين مكاتب الحزب العديدة كالعمال والطلبة والعسكري والثقافي وغيرها.
ومع قيادة علي صالح السعدي وحازم جواد للحزب، ظل صدام يعاني من عقدة الإبعاد. تصوّروا أن «بطلًا» بعثيًا كان يعتقد أن حزبه سينتظره بالورود في مطار بغداد، فإذا به يدخلها وحيدًا بلا زفّة. وقبلها كان قد فقد «معركته التاريخية» التي كان يجب أن تجعله بطلًا، فإذا بقيادة عفلق القومية تعتبر ما قام به هو وربعه محاولة اغتيال فردية تُصنَّف – بمعايير اليوم – كحركة إرهابية.
يذكر الأستاذ إبراهيم الزبيدي في كتابه دولة الإذاعة أن صدام وقف أثناء احتفال حضره علي صالح السعدي في قاعة الاستقبال تحت السلم مباشرة. وقد ذكر الزبيدي أنه كان في تلك الفترة صديقاً لصدام,، الذي كان يقف إلى جانبه، وقد أخبرنا أن صدام هاجم السعدي – وهو قائده الحزبي الأعلى – بشتائم نابية حين استفزه السعدي بعد أن سأله هو والزبيدي عن سبب حضورهما إلى القاعة ووقوفهما في ذلك المكان بالضبط.
أي بعثي في ذلك الزمن كان يقف احترامًا في حضرة مسؤوله الحزبي، سواء كان من القاعدة أو حتى كادرًا وسطيًا. حين التقيتُ عضو القيادة القومية الدكتور إلياس فرح لأول مرة، وقد كنت متأثرًا بكتاباته، وقفت أمامه خاشعًا وكأنني أقف في محراب. أما عبدالخالق السامرائي، الذي بقيت أعمل تحت مسؤوليته الماشرة لأربع سنوات وفي غرفة مجاورة لغرفته في المكتب الثقافي الذي كان يترأسه، فقد كنت أقف أمامه باحترام كبير قبل أن تختطفه عصابة العوجة وترسله بعد ذلك للإعدام. وهذا هو نفسه الموقف الذي كان يفعله معظم البعثيين، إن لم يكن جميعهم. وستظل شتيمة صدام – عضو مكتب الفلاحين – لمسؤول قيادته العليا علي صالح السعدي بتلك الجرأة الكبيرة، تعبيرًا عن موروث صدام كـ«شقي» من العوجة.
هذا الرجل لا يمكن البحث في شخصيته وفق القاعدة التي وضعها الدكتور علي الوردي رجوعًا إلى العلامة الاجتماعي الأشهر ابن خلدون، اللذين أسسا تحليلهما على قاعدة الصراع بين التحضر والبداوة.
هنا نرتكب خطأ جسيمًا إذا التزمنا بتلك القاعدة، فالعوجة لم تكن ريفًا ولا صحراء ولا مدينة،. هناك نشأ صدام ضمن عائلة وبيئة كان الرجال فيها لن يكوناً رجالاً ما لم يقتلوا فصار صيتهم ضمن مجتمع تكريت مرعباً وحتى مخزياً.
ومن ناحية التحليل الإجتماعي لا يمكن وضع عائلة إبراهيم الحسن في خانة البداوة وإنما في خانة الشقاوة. وقد قدر لي أن أتعرف في منتصف الستينات على مجتمع تكريت من خلال صداقتي الحميمة بصديقي العزيز الدكتور عصام عبدالعزيز وعائلته الكريمة بشيخها المعروف الحاج عبدالعزيز العلي عم الصديق الوطني المعروف صلاح عمر العلي, وتزودت من بعض الأصدقاء من تلك العائلة بقصص مثيرة عن سلوكيات تلك العائلة العوجة.



#جعفر_المظفر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ضيافة المدافع.. فتحة الرادار (7) مِن طه ياسين (مَرَضان) إ ...
- ترويض الكوبرا الكونفوشيوسية
- الجنسية الثانية وضياع الهوية وازدواجية الولاء
- في ضيافة المدافع .. فتحة الرادار (6)
- من هو الأفضل بين النظامين : الحالي أم السابق .. ؟
- ردٌ على رد والبادئ أظلم
- الاختلاف التاريخي بين شيعة العراق وشيعة إيران (2)
- الاختلاف التاريخي بين شيعة العراق وشيعة إيران
- حكايات عن الحرب (4) قوة الضعف وضعف القوة
- حكايات عن الحرب (3) (إلما يعرف تدابيره)
- حكايات عن الحرب .. الوطن أولاً
- حكايات عن الحرب ... يا محلى النصر بعون الله
- أسعف فمي
- مقالات الكيس
- مع الجواهري الكبير
- الشعبوية الأمريكية
- مشاهد سودانية
- رسالة إلى الإطار التنسيقي : لا تتحدثوا عن الوطنية والسيادة ل ...
- في ضيافة المدافع ... فلسطين والسراب الفارسي
- صدام وحديثه عن عبدالخالق وناظم كزار القسم الثاث والأخير


المزيد.....




- ليلى علوي من أستراليا: -مصر بتفكر العالم إن الحلم لسه عايش- ...
- -سأكرس وقتي لأهم وظيفة بحياتي-.. شاهد ما قاله رئيس وزراء بري ...
- سلام يشيد بالموقف الصريح للشرع: سوريا لا تنوي التدخل عسكريا ...
- -الأخبار-: واشنطن تواجه صعوبات في إقناع إسرائيل بالانسحاب من ...
- وزير الطاقة القطري: مقتل 13 وإصابة 66 في انفجار مجمع رأس لفا ...
- قنال سان مارتان يتحول إلى ملاذ للهرب من الحر مع اشتداد موجة ...
- عون يتلقى اتصالا من فانس حول وقف إطلاق النار عقب محادثات سوي ...
- لماذا يفكر الألمان في ترك وظائفهم والعمل بالخارج؟
- بن غفير يهدد بتحويل بيروت إلى بيت حانون ثانية ويطالب بإنهاء ...
- سويسرا ترحب بنتائج المفاوضات بين واشنطن وطهران


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع ..هبة السماء (8)