أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. حينما يكون الزحف وسيلة النجاة (16)














المزيد.....

في ضيافة المدافع .. حينما يكون الزحف وسيلة النجاة (16)


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 20:47
المحور: سيرة ذاتية
    


·

لكن هذا الأمر لم يكن ليحدث لولا أن هناك من أقنع صدام حسين بأن وجودنا في جبهات القتال المتعدّدة، التي أصبحت من حصة الإيرانيين، قد وقع بسبب الفأل السيّئ الذي سبّبه وجودنا هناك. فما إن وضعنا خطواتنا الأولى على الجبهات حتى توالى سقوط المواقع الاستراتيجية المهمة.
أولاً سقطت البسيتين الأولى بعد يومين فقط من مغادرتنا لها. عندها تذكّرت عريف الدبابة الذي التقيت به بعد أن ألقيتُ نفسي بشكلٍ عميائي نحو الضفة اليسرى من الهضبة الضخمة التي كانت تفصل بين الجيشين المتحاربين.
في صبيحة اليوم التالي، وقد توقّف الرمي من الجانبين، ناداني الرجل لتناول الإفطار معه بعد أن سمع صوت أحد رفاقي في القاطع يناديني بصفتي المهنية: دكتور، بعد إصابة زهير الدوري—عديل فاضل البراك—بطلقٍ في ساقه.
قال لي:
"أنت كما عرفتُ دكتور، فما الذي جاء بك إلى هذا الموقع الخطر؟"
حكيتُ له القصة، فضحك، وبدأ يروي كيف أن الجيش بات يكره منتسبي الجيش الشعبي، وخاصة ألوية المتطوعين الذين أرسلهم صدام إلى الجبهة، فأربكوا سياقات العمل العسكري التي اعتاد الجيش عليها طوال السنتين الماضيتين. ولم يجد الجيش طريقة لاستيعاب هذا العدد الجديد، الذي لا علاقة له بالوجود العسكري، سوى إرسالهم إلى مواقع الحجابات.
أخبرني ضابط آخر لاحقًا أن وجود هؤلاء المتطوعين في الخطوط الأمامية لم يأتِ بمعزل عن النيات غير الطيبة لأكثرية الضباط العسكريين في الجبهات. فهذه الكراهية لم تكن منفصلة عن الاعتقاد بأن مجيء المتطوعين بعد سنتين من نشوب المعارك، التي أدّت إلى هلاك نسبة كبيرة من الجنود العراقيين، هو فألٌ سيّئ جداً. إذ بدل أن تأتي الرسالة معكوسة ليطمئن الضباط إلى مصائرهم، جاء إرسال المتطوعين ليخبرهم أن المعركة مستمرة، لا انسحاب قريب ولا تفكير به.
ناولني الرجل قدحًا من الشاي وقال:
"رجالات الجيش الشعبي يأتون على دفعات، يقضون ثلاثة أشهر ويكونون ضيوفًا ثقلاء على الجيش الذي لا يستفيد منهم. فهم مدنيون غير معتادين على الصمود في هذه الحرب الطاحنة. وحتى الآن لا نفهم ما هي مهماتهم. هل جاءوا لإدامة زخم الهجوم؟ لقد حدث احتلال الأرض بدونهم. على الجانب الآخر، يعتمد الباسيج على التضحية الهجومية المفتوحة لاستعادة الأرض، وهذا جزء من عقيدتهم الهجومية التي أثبتت نجاحها. أما الجيش العراقي فهو الآن في وضع الدفاع، ولسنا بحاجة إلى انتحاريين كما في الجانب الإيراني."
تابع قائلاً:
"لنكن صريحين، أغلب أفراد الجيش الشعبي جاءوا بلا رغبتهم، أو لنقل إنهم كانوا مجبرين. فقد صار معتادًا أن تقف مجموعات من الحزبيين ومعهم لوريات شحن لإصطياد المارة لإكمال القواطع المطلوب إرسالها للجبهة. هؤلاء ليسوا مستعدين حتى للقتال الدفاعي، والنتيجة ستكون إرباكًا أكيدًا للعساكر المحترفين الذين ينتمون إلى منظومة قتالية لها سياقات وعقيدة لا يجوز إرباكها بوجود مدنيين لا علاقة لهم بالحرب سوى أنهم يرتدون الخاكي. نعرف أنهم يأتون وقد اعتادوا أن يقضوا ثلاثة أو أربعة أشهر في أماكن خلفية ثم يعودون متطلعين إلى مكاسب حزبية أو وظيفية. أما نحن العسكر فمشروعٌ للموت."
وأشار إلى المكان الذي أجلس فيه قائلاً:
"في هذا الموضع تحديدًا قُتل البارحة شابٌ عراقي التحق تواً لإكمال الجهاز العسكري للدبابة. القناصون الإيرانيون يعملون على مدار الساعة. إذا أردت أن تبقى حيًا فلا تقف على قدميك، بل عليك أن تتحول إلى مخلوق زاحف، شأنك شأن الأفاعي ومخلوقات الله الزاحفة التي تتقن السير برشاقة على الرمال."
بعد أربعة أيام في حجابات البسيتين، قضيناها زحفًا خلف الساتر الرملي، كنا نظن أن الأصوات التي تعبر سريعًا قرب أسماعنا هي أصوات ذبابٍ عابر. لكن أحدهم أخبرنا لاحقًا:
"احذروا، فهذه أصوات رصاص القناصين الذين يعملون بلا توقف. عليكم أن تقضوها زحفًا."
وطوال الأيام الأربعة لم يصلنا ما نسميه الطعام إطلاقًا، لأن السيارات التي تحمله تواجه صعوبة حقيقية في الوصول إلى مواقعنا بعد أن أصبحت ضمن مدى المدفعية الإيرانية التي تمشط مناطق الجيش العراقي. وأظن أن العسكر الذين كنا محسوبين على ملاكهم لم يكونوا مجبرين على المخاطرة بأعدادهم أو سياراتهم للوصول إلى مناطقنا الساقطة عسكريًا بحساباتهم الميدانية، والتي باتت بانتظار رصاصة الرحمة بعد أن أكمل الباسيج والجيش الإيراني خططهما لحسم المعركة.
ولأن الجوع أنهكنا تمامًا بعد نفاد الطعام المعلّب الذي حملناه مع جعب الأسلحة حين نُقلنا إلى هذه المناطق النائية، ضغطنا على آمري القطعات الخلفية لإيصال الطعام بأي طريقة. لم يمانع المسؤول، لكنه أخبرنا بعد ساعات أن سيارة الطعام التي توجهت لنجدتنا أصيبت بقذيفة مدفع أدّت إلى احتراقها واستشهاد سائقها والجندي المرافق، أما الطعام فقد صار من حصة رمال الصحراء.



#جعفر_المظفر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ضيافة المدافع .. حماقة التطوّع (15)
- في ضيافة المدافع .. المركزية الديمقراطية هي (كضبة) شارب صدام ...
- في ضيافة المدافع .. الجيش الشعبي العراقي في مقابل الباسيج ال ...
- في ضيافة المدافع .. حينما هزَّ صدام شاربه (12)
- كيف خسر ترامب حينما ظن أنه ربح
- إلى أن يدخل الميل في المكحلة
- الفتنة النبيلة
- في ضيافة المدافع .. يا محلى النصر بعون الله (11)
- الزيدي والشرع .. مقارنة على الخفيف
- في ضيافة المدافع ... فتحة الرادار (10)
- صناعة البطل
- في ضيافة المدافع .. ظلم البيئة (9)
- في ضيافة المدافع ..هبة السماء (8)
- في ضيافة المدافع.. فتحة الرادار (7) مِن طه ياسين (مَرَضان) إ ...
- ترويض الكوبرا الكونفوشيوسية
- الجنسية الثانية وضياع الهوية وازدواجية الولاء
- في ضيافة المدافع .. فتحة الرادار (6)
- من هو الأفضل بين النظامين : الحالي أم السابق .. ؟
- ردٌ على رد والبادئ أظلم
- الاختلاف التاريخي بين شيعة العراق وشيعة إيران (2)


المزيد.....




- مصر.. الأزهر يصدر بيانا بعد تجدد هجمات إيران على الإمارات وا ...
- اتفاق ليبي يضع مسارا لعقد الانتخابات
- الأردن: نرفض أن نكون ساحة للصراع
- حلف مكة يعقد اجتماعا في إسطنبول
- -حرب الساعات- بين واشنطن وطهران.. إسرائيل تراقب المنشآت الإي ...
- -محمد- الاسم الأكثر شيوعاً بين طلاب الصف الأول في إسرائيل
- سد الموصل في العراق أخطر سد في العالم
- تركيا وباكستان والسعودية تعلن عن قرارات عسكرية وتطلق أمانة ع ...
- -مدينة مقابل مدينة-.. مشروع إماراتي ضخم يعيد رسم خريطة السكن ...
- بري: نرفض اتفاق الإطار مع إسرائيل.. لن نقبل بأن تكون هناك من ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. حينما يكون الزحف وسيلة النجاة (16)