|
|
في ضيافة المدافع .. حماقة التطوّع (15)
جعفر المظفر
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:25
المحور:
سيرة ذاتية
واضحٌ أن العنوان أعلاه هو استعارة للتوصيف الذي أتى به صديقنا المرحوم نزار حمدون، السفير العراقي الأكثر نجاحًا في واشنطن، عند تعرّضه لجريمة غزو الكويت. وهنا أيضًا فإن حملة التطوّع لم تكن حماقة فحسب، بل كانت جريمة أخرى اقترفها صدام بحق الآلاف من الشباب العراقيين من أبناء الزمن الجميل؛ أولئك الذين صدّقوا ما كانت تضخه ماكينة الإعلام الصدامي على مدار الساعة حول الرسالة الخالدة، وحول بطل التحرير القومي الملهم، وباقي الألقاب المائة والعشرين التي كتبها لطيف نصيف جاسم، عضو القيادة ووزير الإعلام، في نشرة ورقية ملوّنة ثم أوصى بتعليقها في مختلف الدوائر الرسمية وغير الرسمية. وكان من ضمن هذه الأخيرة فرن أبو صباح لشوي الدجاج، الملاصق لنادي الكرخ في المنصور. وقد صارت عادةً لي أن أشتري منه مرة واحدة في الأسبوع وجبة من الدجاج المشوي الذي لا أظن أن أحدًا يمكنه تقديم أفضل وأشهى منه. وصارت عادتي أن أقضي وقت الانتظار في قراءة تلك اللوحة المبجّلة التي تكشف عن حالة تردٍّ سايكوباثي للمكتوب عنه ولكاتبها أيضًا. والعودة إلى صدام حسين، وتيمّنًا بنزار حمدون، تجعلني أقول إن لا شيء كان يتقنه الأول أكثر من الجرائم والحماقات. فما إن عرف بحملة التطوّع التي دعا إليها الخميني تحت شعار جيش العشرين مليون حتى ظنّ أنه قادر على مجاراته، ولم يكن يدرك – وهو الملهم – أن الحال قد تغيّر بشكل عكسي. قبل سنتين، حين شنّ ضربته الأولى على المطارات الإيرانية ونجح في القضاء على معظم الطائرات الجاثمة على الأرض، ظنّ أنه قد تفوّق على موشي دايان، وزير الدفاع الإسرائيلي الذي قاد هجوم الخامس من حزيران عام 1967 بالطريقة نفسها. على الأقل هو مهيب ركن وذاك مجرد جنرال؛ فأين الثرى من الثريا. وربما ظنّ صدام أن دايان هو الذي استنسخ خطته العسكرية، فما دام هو هدية السماء فلا بد أن دايان قد فعلها بأثرٍ رجعي. الذكي الآخر على الجانب العراقي هو النائب ضابط طه ياسين مَرَضان ورفيقه عضو القيادة الألمعي عبدالغني عبدالغفور، خريج ثانوية الصناعة، اللذان صرّحا في ندوتهما مع فرع أبو جعفر المنصور للحزب بأن الطائرات العراقية قد قضت حتى على الذباب الإيراني، مؤكدَين أن إيران سوف تستسلم خلال أسبوع، وأن مصير الخميني سيصير مثل مصير كسرى أنو شيروان. أما أنا، وكنت عائدًا للتو من الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن ألقيت كلمة القيادة القومية في مؤتمر منظمة الطلبة العرب، فقد قلت لزوجتي وأنا أتناول وجبة الفطور: لقد ابتدأت الحرب التي لن تنتهي. ومن جانبه، فإن صدام حسين، رئيس جمهورية الزمن الجميل، لم يكن أقل ذكاءً من صحابته؛ فبعد سنتين من المعارك الطاحنة مع إيران ظنّ أنه ما زال قادرًا على منافسة الخميني، بل التغلب عليه، داعيًا إلى فتح باب التطوّع لمجابهة حملة التطوّع الإيرانية. وفي ظني أن ذلك كان لهدف سياسي أكثر منه عسكري. ولو أنه حسبها بشكل عقلاني لأعلن سحب القطعات العراقية إلى داخل حدودها الوطنية قبل أن يدخلها في معارك كانت خسائرها واضحة. وأظن أن أحد أسباب تمسّكه بالبقاء على الأرض الإيرانية أنه صار مقيّدًا بشعارات البطولة، وأولها بطل التحرير القومي. فلو أنه انسحب، فماذا كان سيتبقّى من هذا الشعار وغيره المدرجة على مسلّة لطيف نصيف جاسم؟ وعلى الطبيعة لمستُ كم كانت حملة التطوّع الصدامية فاشلة بإمتياز ومدمّرة بإمتياز؛ فلقد كانت سببًا في مقتل الآلاف من المتطوّعين أو وقوع نسبة كبيرة منهم في الأسر، ليقبعوا في السجون الإيرانية لفترة تجاوزت عشرة أعوام. ومنذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى البسيتين في الساعة الثالثة فجرًا، وسط لهيب المعركة المشتعلة، تساءلت: هل كان صعبًا على العسكر الذين تجحفلنا معهم معرفة أن إلقاءنا وسط جيشين متحاربين كان يعني ببساطة التخلص منا؟ ولما كانت نصيحة برزان لأخيه أن تتكفّل الجبهة بقتلنا بدلًا من تنفيذ مقترح حكم الإعدام الذي اقترحه طه ياسين مَرَضان، فقد اعتقدت أن اقتراح برزان قد صار حيّز التنفيذ. لقد عرفت بعدها أن صدام كان يتابع ساعة بساعة قضية وجودنا على خطوط النار. فما إن قضت الأيام الأربعة المريرة على وجودنا في حجابات البسيتين الأولى حتى جاءت أوامره بسحبنا من تلك المناطق الرملية المميتة، التي كان الجيش العراقي نفسه قد انسحب منها، تاركًا قاطعنا كله بانتظار الموت أو الأسر، ما عدا المجموعة التي شكّلها قتيبة العاني، آمر القاطع، من محبّيه، وانسحب معهم إلى مقر اللواء الخلفي. وأشهد أنني لم أرَ هذا الرجل طيلة وجودي في الجبهة؛ فلقد تعرفت عليه أثناء فترة التدريب في معسكر يقع بعد معسكر الرشيد على الطريق المؤدي إلى محافظة الكوت. وحين ألقت بنا الشاحنات على الهضبة الرملية التي كانت تفصل بين الجيشين المتحاربين، اختفى قتيبة وكأنه فصّ ملح وذاب. غير أنني سألتقيه مرة أخيرة، وفي مصيبة أخرى، بعد أن استقر بنا القرار في منطقة الشوش، تاركًا لفصل آخر أن يتحدث عن ذلك. في البداية تركنا لظنوننا مرة أخرى أن تذهب في آثامها الملونة؛ فلقد ظننا لوهلة أن رئيس جمهورية الزمن الجميل قد اكتفى من تعذيبنا، وقرر – بعد أن جاءته التقارير التي أكدت له أننا لسنا جبناء أو متخاذلين مثلما كتب بخسة في أعلى تقرير الفصل – أن يعيدنا إلى بغداد. لكن صوت أحد العسكريين المشرفين على الموقع سرعان ما سحبنا من إثمنا الملون حين أخبرنا، بعد أن صعدنا إلى شاحنات الجنود تمامًا مثل خرفان الأضحى، أننا ذاهبون للمشاركة في معركة الشوش المشتعلة وقتها، والتي كان يراقبها صدام من منظاره الذي ينقل إليه نقلًا حيًا كيف ستكون النهاية المقررة. لكن ها هو القدر يتدخل مرة أخرى؛ فقد ظلّت قافلة الشاحنات الطريق وتاهت وسط صحراء الرمال الملتوية كالأفاعي، لتصل بعد يوم من انتهاء المعركة. وهناك أخبرونا أن صدام كاد أن يقع في الأسر حين عرفت قوة إيرانية متجوّلة بمكانه، إلا أن أخو فاطمة، العريف المتواجد في الموقع، قد أنقذه من الأسر حين بدأ يقاتل تلك القوة، مانحًا صدام فرصة الهرب من خلال طائرة هليكوبتر كانت راقدة إلى الجوار. وقد سمعنا بقصة محاولة الأسر من فم صدام حسين شخصيًا، الذي تحدث عن ذلك في إحدى ندواته التلفزيونية اليومية. كذلك فإن عسكر الشوش لم يترددوا هم أيضًا في تنفيذ أوامر صدام الصارمة؛ فقد وضعونا في الحجابات، التي ليست أكثر من مناطق إنذار مبكر. إذ ما إن يتعالى صوت الرصاص دفاعًا عن المواقع حتى يتأكد الجيش أن الهجوم الإيراني قد بدأ، وعندها سيتخذ إجراءاته، على الأكثر بعد أن يكون رجال الحجابات قد ذهبوا بين قتيل وأسير. وقد لمست بنفسي كيف كان الجيش حاقدًا على المتطوّعين، وربما بسبب ذلك لم يكن يولي أي اهتمام لتوزيعهم على أماكن أقل خطورة، قبل أن يقرر الفريق الركن هشام صباح الفخري أن يأخذ قضية القاطع على مسؤوليته، ويأمر – بعد ما يزيد على أربعة أشهر من تجوالنا في مناطق الحجابات – بإعادتنا إلى مقر قيادة الفيلق في العمارة. ومرة أخرى تتدخل الأقدار؛ إذ ثمة من أخبرنا أن صدام حسين هو الذي أصدر أمر إعادتنا إلى مقر قيادة الفيلق وجعل أمورنا بيد الفخري، الذي كان شديد الاهتمام بنا. ولم يكن ذلك بمعزل عن قصة سأرويها في الحلقة القادمة
#جعفر_المظفر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في ضيافة المدافع .. المركزية الديمقراطية هي (كضبة) شارب صدام
...
-
في ضيافة المدافع .. الجيش الشعبي العراقي في مقابل الباسيج ال
...
-
في ضيافة المدافع .. حينما هزَّ صدام شاربه (12)
-
كيف خسر ترامب حينما ظن أنه ربح
-
إلى أن يدخل الميل في المكحلة
-
الفتنة النبيلة
-
في ضيافة المدافع .. يا محلى النصر بعون الله (11)
-
الزيدي والشرع .. مقارنة على الخفيف
-
في ضيافة المدافع ... فتحة الرادار (10)
-
صناعة البطل
-
في ضيافة المدافع .. ظلم البيئة (9)
-
في ضيافة المدافع ..هبة السماء (8)
-
في ضيافة المدافع.. فتحة الرادار (7) مِن طه ياسين (مَرَضان) إ
...
-
ترويض الكوبرا الكونفوشيوسية
-
الجنسية الثانية وضياع الهوية وازدواجية الولاء
-
في ضيافة المدافع .. فتحة الرادار (6)
-
من هو الأفضل بين النظامين : الحالي أم السابق .. ؟
-
ردٌ على رد والبادئ أظلم
-
الاختلاف التاريخي بين شيعة العراق وشيعة إيران (2)
-
الاختلاف التاريخي بين شيعة العراق وشيعة إيران
المزيد.....
-
ترامب: بوتين طمأنني بعدم مهاجمة أراضي حلف الناتو
-
-مكان يستحيل العيش فيه-.. كاميرا CNN تجول داخل قرية نيبالية
...
-
ترقب لعرض -لعبة جهنم- أولى حكايات مسلسل -القصة الكاملة.. درا
...
-
إسرائيل توسّع تصعيدها في جنوب لبنان.. سلسلة غارات تسفر عن مق
...
-
الكويت وإسلام آباد توقعان اتفاقاً للدفاع والتعاون العسكري ال
...
-
توتر متصاعد في سبتة.. توقيف 12 مغربيًا بعد مهاجمة آلية عسكري
...
-
40 طفلاً اختفوا من فنادق اللجوء في بريطانيا.. ومخاوف من تعرض
...
-
الصين: فيديو يوثق انزلاقا طينيا يجتاح ميناء جيرونغ
-
تحذير إيراني لواشنطن: سنفعل بكم سابقة تاريخية إذا ارتكبتم شر
...
-
جدار معلوماتي وأمني والتصدي لأجندات خارجية.. خبير مصري يوضح
...
المزيد.....
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ المهندس صباح يوسف ابراهيم
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ مذكرات وذكريات مهندس في العراق
-
الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده
/ حكمة اقبال
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|