أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تسقط الأقنعة 😷…














المزيد.....

حين تسقط الأقنعة 😷…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 18:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ثمة لحظات لا يحتاج فيها الإنسان إلى أن يسافر بعيدًا كي يعرف الناس ، ولا إلى سنوات طويلة كي يكتشف طباعهم ؛ يكفي أن تضيق بهم الحياة ، أو يحاصرهم الخوف ، أو تضعهم الأيام أمام اختبار لا يسمح لهم بالاختباء خلف الكلمات ، في أوقات الرخاء ، يستطيع المرء أن يصنع صورته كما يشاء ؛ فيبدو شجاعًا من دون معركة ، وكريمًا من دون أن يُطلب منه العطاء ، ومخلصًا ما دام الوفاء لا يكلّفه شيئًا ، لكن حين تأتي لحظة الاختبار الحقيقي ، تتراجع الكلمات إلى الخلف ، وتسقط الأقنعة واحدًا تلو الآخر ، ولا يبقى أمام الإنسان سوى حقيقته ، ولعل الحرب هي أقسى تلك اللحظات وأكثرها قدرة على كشف البشر ؛ فهي لا تختبر قدرتهم على القتال فحسب ، وإنما تختبر أخلاقهم ، وولاءاتهم ، وشجاعتهم ، وقدرتهم على البقاء بشرًا حين يصبح الخوف هو الحقيقة الوحيدة التىّ لا يمكن إنكارها ، ومن هنا ، ربما كان أبو الطيب المتنبي أكثر إدراكًا لهذه الطبيعة البشرية ، حين وجد في الحرب الميدان الأعمق لامتحان الناس ومعرفة حقائقهم التىّ لا تظهر في الأوقات العادية ، فقال : «غَيري بِأَكثَرِ هَذا الناسِ يَنخَدِع - إِن قاتَلوا جَبُنوا أَو حَدَّثوا شُجُعوا» ، وهو أمر مفهوم ؛ لأن الإنسان يفقد في الحرب قدرًا كبيرًا من الاستقرار الذي اعتاد عليه ، حتى لو كان ذلك الاستقرار متواضعًا ، وهناك ، يتحول الفقر والضيق إلى ما يشبه الرخاء أمام ما تفرضه الحرب من خوف وفوضى ، إذ يصبح كل شيء قابلًا للتفكك : الأسرة ، والتحالفات ، والأنظمة ، وحتى معظم ما كان يُقال عن الشجاعة والعنتريات والولاءات ، ولهذا قال الشاعر أبو تمام :«السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ - في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ» .

ففي لحظات الاختبار ، تسقط ، في الغالب ، الأقنعة التىّ تُستخدم في أوقات السلم والرخاء ، إلى درجة أن أصحابها يمشون عراة أمام حقيقتهم حين يخيم الخوف على الناس ، عندها يصبح الفعل أكثر صدقًا من الادعاء ، والموقف أبلغ من الخطاب ، والتصرف في لحظة الخطر أكثر كشفًا للإنسان من سنوات طويلة من الكلام ، ولا تنفصل المعرفة عن الأخلاق في كثير من صور المتنبي للإنسان ؛ فالشجاعة عنده ليست مجرد إقدام ، والكرم ليس مجرد امتلاك ، وإنما صفات متلازمة تكشف معدن صاحبها ، وفي المقابل ، يرتبط البخل بالجبن ، لأن كليهما ، في هذا التصور ، تعبير عن عجز داخلي عن تجاوز الخوف والأنانية ، وهكذا ، تفضح الحرب الصفات الكاذبة التىّ كان أصحابها يضللون بها من حولهم ، وخصوصًا أولئك الذين يتكئون على الشعارات الرنانة ، ويصبح الفرز في مثل هذه الساحات أكثر دقة ؛ إذ تظهر حقيقة الشجاع والجبان ، والكريم والأناني ، والصادق والمتاجر بالمواقف ، كما يظهر أولئك الأنذال الذين يتحولون ، في مثل هذه الظروف ، إلى وحوش استغلالية تبحث عن مصالحها وسط الخراب ، ومن هنا ، تبدو رواية «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» للكاتب الألماني إريك ماريا ريمارك امتدادًا أدبيًا لهذه الفكرة ؛ فالحرب في الرواية لا تكشف فقط قسوة الميدان ، وإنما تكشف أيضًا الفارق الهائل بين الصورة التىّ تصنعها الخطابات عن البطولة ، والحقيقة التىّ تنكشف للإنسان حين يجد نفسه وجهًا لوجه أمام الموت والخوف ، هي أنّ كثيرًا مما كان يظنه عظيمًا يتهاوى فجأة أمام حقيقة الوجود ، ولعلّ لهذا قيل إنّ النفس الأخلاقية تترفّع عن هجاء الرخيص ؛ لأنّ الانشغال به يمنحه من القيمة والمكانة ما لا يستحق ، ويجعله أكبر مما هو عليه ، فبعض الخصوم لا يُهزمون بمواجهتهم ، بل بتجاهلهم ، إذ إنّ أبلغ ما يمكن أن تفعله الأخلاق بالرخيص أن تتركه في المكان الذي اختاره لنفسه .

هناك ، تتهاوى الشعارات أمام التجربة ، ويتراجع الكلام أمام الواقع ، ويصبح الإنسان عاريًا من كل ما كان يحتمي به من أوهام ، لكن المشكلة لا تتوقف عند الأفراد ، بل تمتد إلى الأنظمة السياسية أيضًا ، فالنظام الشمولي يعتقد أنه ينتج قوى وطنية قادرة على مواجهة التحديات الكبرى ، غير أن الأنظمة التىّ تقوم على الاستبداد لا تكتفي بممارسة القمع ، بل تعمل ، مع مرور الوقت ، على إنتاجه وإعادة إنتاجه داخل المجتمع ، والمشكلة ليست في الفساد وحده ، ولا في الأشخاص الفاسدين الذين يصعدون إلى مواقع لا يستحقونها ؛ بل إن المشكلة الأعمق تكمن في تخريب معايير الحكم والقياس نفسها ، فحين تفسد المعايير ، تختلط الأشياء : يصبح من الصعب التمييز بين الشجاع والجبان ، والعاقل والمتهور ، والكفء والانتهازي ، والوطني والمتملق ، وبين من يخدم الدولة ومن يخدم السلطة .

وعندها يصبح من السهل على أي شخص أن يرتدي البدلة العسكرية ، أو يصعد إلى منصة الخطاب ، أو يتولى موقعًا عامًا، من دون أن تكون لديه بالضرورة الصفات التىّ تؤهله لذلك ، فالمظهر يصبح بديلًا عن الجوهر ، والشعار بديلًا عن الفعل ، والولاء للسلطة بديلًا عن الولاء للوطن .

وهنا تكمن خطورة الاستبداد الحقيقية ، فلا يكتفي بإخفاء الحقيقة ، بل يسعى إلى إفساد المعايير التىّ نعرف بها الحقيقة من الوهم ، والشجاعة من العنتريات ، والكفاءة من الادعاء ، والولاء للوطن من الولاء للسلطة ، وحين تفسد المعايير ، لا تعود المشكلة في الأقنعة وحدها ؛ لأن الأخطر من الإنسان الذي يرتدي قناعًا هو المجتمع الذي يفقد القدرة على معرفة ما الذي يوجد خلفه .

لذلك ، فإنّ لحظات الاختبار الكبرى لا تكشف الناس وحدهم ، بل تكشف المجتمعات والأنظمة أيضًا ، وعندما تضيق المساحات ، وتتساقط المصالح ، ويصبح الخوف حاضرًا ، لا يبقى أمام أحد متّسع كبير للمراوغة ؛ عندها فقط تتحدّث الأفعال ، ويظهر المعدن الحقيقي ، وتسقط الأقنعة ، وكما يُقال : «البغال دائمًا تتفاخر بأنّ أسلافها كانوا خيولًا»؛ فالتفاخر بالماضي لا يصنع مجدًا حاضرًا ، ولا يمنح صاحبه قيمةً لا تؤيّدها أفعاله…والسلام 🙋‍♂✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من السيارة الصينية🇨🇳إلى سد النهضة.. كيف تعيد ...
- العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …
- حين يتكلم الموتى:من القلم🖊إلى الكاميرا… من يملك ذاكر ...
- سوريا بين قوقعة الأقليات ووحدة 🤝الوطن …
- محمود درويش:من خبز🥖الأم إلى أزمة الإنسان المعاصر …
- غادي أيزنكوت.. من ساحة الحرب إلى كرسي💺🗳رئاسة ...
- مؤامرة على الحياة أم عجز عن صناعة معناها؟ - من عتاب أمية بن ...
- الرجل النبيل في موسكو🇷🇺 …والرجل الذي ترتدي ا ...
- سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً & ...
- الانتخابات النصفية الأمريكية 🇺🇸 : صراع التيا ...
- المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…
- من الروح إلى المادة - رحلة الإنسان بين عالم الفكرة وواقع الح ...
- من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعاد ...
- في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن ...
- الشِّعر والحقيقة:أبو العلاء المعرّي وسؤال🙋العقل في م ...
- من سماء سوريا إلى مياه النيل 💦:معركة إعادة تشكيل موا ...
- حين تتوقف الخيول🐎عن الركض - الشجاعة بين العقل والقيا ...
- من الاحتلال إلى السيادة المقنّعة: هل تدفع إسرائيل 🇮& ...
- حين يموت ☠صاحب الفكرة: الأمة بين حاضر ناقص ومستقبل غائ ...
- من خنادق البلطيق إلى صحراء سيناء🌵: عالم يستعد لحرب ط ...


المزيد.....




- قطار ركاب يصطدم بشاحنة علقت بين حواجز معبر في بولندا.. شاهد ...
- واشنطن تطالب مجلس الأمن بإنصاف السودان وإخراجه من جحيم وفظائ ...
- انتصار السيسي تعلق على انهبار الرئيس الصيني وقرينته بالآثار ...
- من الحرب إلى -مدينة السهر-.. كيف أمضى بحّارة -أبراهام لينكول ...
- من إيران إلى لبنان وغزة.. هل فشلت الاتفاقات في تحويل تفوق إس ...
- خوفًا من التعقب.. الجيش الأمريكي يعطّل أدوات قد تكشف مواقع ج ...
- مأزق الأغلبية.. استطلاعات إسرائيلية تكشف تقلبات حادة في الخر ...
- -بذكاء اصطناعي-.. إيران تعلن استخدام صواريخ ومسيرات جديدة لض ...
- أطفال فلسطينيون.. من روسيا إلى الأمل
- -درع آخيل-.. صفقة دفاعية ضخمة بين اليونان وإسرائيل تعيد تشكي ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تسقط الأقنعة 😷…