|
|
من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعادة تشكيل عسكرية وجيوسياسية …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 16:00
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ كان من المفترض ، من منظور الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة ، أن تكون الهند وباكستان أقرب إلى بعضهما بعضًا من اقتراب إسلام آباد من بكين ، أو اقتراب نيودلهي من تل أبيب ، إلا أن الأيديولوجيا القومية ، والصراع على الهوية ، والإرث التاريخي للصراع بين البلدين ، دفعت شبه القارة الهندية إلى مسار مختلف ، وجعلت من التحالفات الخارجية جزءًا أساسيًا من حسابات الأمن القومي لكل من نيودلهي وإسلام آباد ، ومن هنا يمكن فهم الموقف الهندي من إسرائيل بصورة تتجاوز حدود التضامن السياسي المباشر ، فحين يقف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أمام الحشود العسكرية ، ويرسل رسائل سياسية تضامنية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، فإن المسألة لا تبدو منفصلة عن التحولات التىّ تجري في الإقليم ، ولا عن القلق الهندي المتزايد من تشكل ترتيبات استراتيجية جديدة تمتد من الخليج إلى تركيا وباكستان وإيران ، فالهند تراقب باهتمام تنامي العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان ، كما تراقب التفاهمات القائمة بين أنقرة وطهران حول عدد من الملفات الإقليمية ، وفي مقدمتها تداعيات الحرب الإسرائيلية واتساع نطاق المواجهة في المنطقة ، وإذا كانت إسرائيل تنظر بقلق إلى التقارب بين الرياض وأنقرة والقاهرة ، وإلى إمكانية تشكل بيئة إقليمية أكثر استقلالًا عن الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية ، فإن الهند تجد نفسها بدورها أمام معادلة جغرافية شديدة التعقيد ؛ فهي محاصرة استراتيجيًا بين الصين وباكستان ، وهما دولتان تمتلكان قدرات عسكرية كبيرة ، وعلاقات متنامية فيما بينهما ، فيما تتجه المنطقة المحيطة بالهند إلى إعادة تشكيل تحالفاتها بصورة متسارعة ، وهذا يعني أن أي مواجهة مع باكستان لم تعد بالضرورة مواجهة ثنائية محدودة يمكن التحكم بمسارها ، فالبيئة الجديدة تجعل أي تصعيد قابلًا للارتباط بتوازنات أوسع ، خصوصًا إذا دخلت الصين أو أطراف إقليمية أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، والأمر نفسه ينطبق على السعودية وتركيا ومصر ، فالتصعيد مع هذه الدول لم يعد بالسهولة التىّ كان يمكن تصورها في مراحل سابقة ؛ لأن المنطقة لم تعد تتحرك وفق تحالفات منفردة ، وإنما باتت تتجه نحو شبكات من المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية المتداخلة ، لكن ما حمله خطاب مودي ، في تقديري ، أخطر من مجرد ما أفصح عنه من تضامن مع الدولة العبرية ، فالهند قد ترى في أي مواجهة واسعة بين إسرائيل والقوى الإقليمية المناوئة لها فرصة استراتيجية نادرة ؛ فرصة لإعادة ترتيب موقعها في سوق السلاح ، وتعزيز صادراتها الدفاعية ، وتوسيع حضورها في الصناعات العسكرية ، وفي الوقت نفسه الاستفادة من انشغال القوى الإقليمية بعيدًا عن جنوب آسيا ، فإذا اندلعت مواجهة طويلة بين إسرائيل وتكتل إقليمي واسع ، يمكن للهند أن تتحول إلى أحد المستفيدين من ارتفاع الطلب على الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية ، بما يرفع عوائد قطاعها الدفاعي وخزينتها من جهة ، ويمنحها من جهة أخرى فرصة لتقليل احتمالات انتقال التوتر الإقليمي إلى محيطها المباشر .
غير أن هذه الحسابات تحمل في داخلها مخاطرة كبيرة ، فما قد لا تدركه نيودلهي بصورة كاملة هو أن التحالفات التىّ تتشكل في الشرق الأوسط لم تعد بالضرورة ترتيبات مؤقتة مرتبطة بأزمة عابرة ، وإنما قد تكون جزءًا من محاولة طويلة الأمد لإعادة بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة ، فالسعودية ، وتركيا ، وباكستان ، ومصر ، وغيرها من القوى الإقليمية ، لا تتحرك بالضرورة ضمن مشروع واحد ، لكنها تشترك في إدراك متزايد بأن الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة لم يعد كافيًا لحماية مصالحها ، ومن هنا جاءت أهمية ما يمكن تسميته بـ«تحالف مكة» ، فإذا كان هذا التحالف قد بدأ في إطار تنسيق سياسي وأمني بين قوى إقليمية وازنة ، فإن فتح الباب أمام توسع عضويته ليشمل دولًا أخرى سيجعل أي مواجهة مع دولة عضو فيه أكثر تعقيدًا ، وبالتالي ، فإن المستقبل القريب قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى كل من يراهن على إمكانية عزل دولة إقليمية وضربها دون احتساب ردود الفعل المتسلسلة ، ولفهم هذه التحولات ، لا بد من التوقف عند أهم درس عسكري قدمته حروب السنوات الأخيرة ، لقد أثبتت الحرب في غزة ، والحرب الروسية ـ الأوكرانية ، والمواجهات الإسرائيلية ـ الإيرانية ، أن مفهوم الحرب القصيرة والحسم السريع يواجه اختبارًا حقيقيًا ، فالضربة الجوية الأولى ، مهما كانت دقيقة ومدمرة ، لا تعني بالضرورة انهيار الدولة المستهدفة ، لقد أصبح السؤال العسكري الأهم هو : ماذا يبقى بعد الضربة الأولى ؟، وهنا تظهر أهمية منظومات القيادة والسيطرة ، والتحصينات ، والمنشآت تحت الأرض ، وتوزيع القوات، وتعدد مراكز اتخاذ القرار ، والقدرة على استمرار الاقتصاد والإمداد والاتصالات ، وهذه تحديدًا هي التجربة التىّ طورتها إيران على مدى عقود ، فالأخيرة لم تبنِ قوتها العسكرية على المنشآت الظاهرة فقط ، بل استثمرت في إنشاء بنية واسعة من المنشآت المحصنة والمواقع تحت الأرض ، ووزعت قدراتها الصاروخية والقيادية بطريقة تجعل استهداف موقع واحد أو مجموعة من المواقع غير كافٍ بالضرورة لإنهاء قدرتها على الرد ، ومن هنا يمكن فهم سبب اختلاف نتائج الضربات عن بعض التقديرات التىّ كانت تراهن على أن الضربات الأولى ستكون كفيلة بشل النظام العسكري الإيراني ، لقد أثبتت التجربة أن الدولة التىّ تستطيع حماية القيادة والسيطرة ، وتوزيع قدراتها ، والاحتفاظ بجزء من قوتها بعيدًا عن مرمى الضربة الأولى ، قادرة على مواصلة الحرب حتى تحت ضغط عسكري كثيف ، وهذا ما يفسر أيضًا لماذا بدأت دول إقليمية ، وفي مقدمتها تركيا ، بإعادة التفكير في مفهوم التحصين العسكري .
لهذا ، فتركيا تمتلك جغرافيا مختلفة عن إيران ، لكنها تمتلك ميزة استراتيجية لا يمكن تجاهلها : مساحة جغرافية واسعة ، وسلاسل جبلية ممتدة ، وقدرات صناعية وعسكرية متقدمة ، إضافة إلى جيش كبير وأجهزة أمن واستخبارات ذات خبرة واسعة ، ومن هنا ، فإن التحول في مفهوم التحصينات التركية لا ينبغي فهمه فقط باعتباره إنشاء منشآت عسكرية أكثر صلابة ، بل بوصفه انتقالًا إلى مفهوم أوسع : حماية القيادة والسيطرة ، وضمان استمرار عمل الدولة والجيش في حال تعرض البلاد لضربة واسعة ، لقد أصبحت الجبال التركية ، وفق هذا المنظور ، عنصرًا من عناصر العمق الاستراتيجي ، كما أصبحت فكرة إنشاء مدن ومنشآت تحت الأرض جزءًا من التفكير العسكري الذي يتأثر بتجارب إيران وغيرها ، فالحرب الحديثة لم تعد تعني أن من يملك السلاح الأقوى ينتصر بالضرورة ، وإنما أن من يستطيع الاستمرار في تشغيل منظومته العسكرية والاقتصادية والسياسية تحت القصف قد يكون الطرف الأكثر قدرة على فرض شروطه في نهاية الحرب ، وهنا تتفوق تركيا ، من حيث العمق الجغرافي والبشري والاقتصادي ، على إسرائيل ، فإسرائيل تمتلك قدرات تكنولوجية وعسكرية هائلة ، لكنها تعمل ضمن جغرافيا صغيرة نسبيًا ، الأمر الذي يجعل حماية البنية التحتية الحيوية واستمرار الاقتصاد خلال حرب طويلة تحديًا استراتيجيًا كبيرًا ، لكن إيران أمام امتحان آخر لا يقل أهمية عن الامتحان العسكري ، فالصمود العسكري لا يكفي إذا لم يرافقه صمود اقتصادي ، لقد استطاعت طهران ، على مدى سنوات العقوبات ، تطوير آليات متعددة للتكيف مع الحصار ، والاعتماد على شبكة علاقات تجارية واقتصادية خارج النظام الغربي ، وتطوير اقتصاد موازٍ بدرجات متفاوتة ، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو : هل تستطيع إيران أن تفعل في الاقتصاد ما فعلته في المجال العسكري؟ ، أي : هل تستطيع بناء منظومة اقتصادية قادرة على العمل تحت الأرض ، بالمعنى الاستراتيجي ، بحيث لا يؤدي الحصار العالمي إلى شل الدولة؟ ، إنه امتحان صعب ، فإذا نجحت إيران في إدارة اقتصادها تحت ضغط العقوبات كما تمكنت من إدارة جزء من قدراتها العسكرية بعيدًا عن أعين الخصوم ، فإن قدرتها على الصمود سترتفع بصورة كبيرة ، وهنا ستكون المعركة بين طهران وخصومها معركة استنزاف طويلة ، لا مجرد تبادل ضربات .
في المقابل ، لا ينبغي أن يكون مستغربًا أن تضع إسرائيل محدداتها أمام الدولة السورية الجديدة ، فإسرائيل تتعامل مع سوريا باعتبارها جزءًا أساسيًا من منظومة أمنها المباشر ، ولذلك فإنها تحاول ، كما فعلت في مراحل مختلفة ، التأثير في طبيعة الترتيبات السياسية والأمنية في الجنوب السوري ، وفي علاقاتها مع القوى المحلية ، لكن الوجود التركي يمثل بالنسبة إلى إسرائيل تحديًا من طبيعة مختلفة ، فتركيا ليست مجرد قوة عسكرية إضافية على الخريطة ؛ إنها دولة مركزية ذات قدرات عسكرية وأمنية واقتصادية كبيرة ، وتمتلك مشروعًا إقليميًا ، وعمقًا جغرافيًا ، وقدرة على التحرك في أكثر من مسرح ، ولهذا قد ترى إسرائيل في الوجود التركي تهديدًا استراتيجيًا أكثر تعقيدًا من التهديد الذي تمثله قوى يمكن احتواؤها ضمن نطاق جغرافي محدود ، ومن هنا جاء ارتفاع مستوى الجهوزية العسكرية لدى مختلف الأطراف ، مستفيدين من دروس الحروب القريبة ، فالمواجهة ، إذا وقعت ، لن تكون مواجهة تقليدية بين جيشين فقط ، بل مواجهة متعددة المجالات : جوية ، وصاروخية ، واستخباراتية ، واقتصادية ، وسيبرانية وبحرية ، وإذا اتسعت المواجهة مع إيران ، فإن الحسابات لن تتوقف عند حدود الشرق الأوسط ، فإيران طورت خلال السنوات الأخيرة قدرات صاروخية بعيدة المدى ، وأصبحت أكثر قدرة على التفكير في استهداف البنية العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة ، وربما تهديد مصالح غربية أوسع إذا تحولت الحرب إلى مواجهة شاملة ، وفي سيناريو بالغ الخطورة ، يمكن أن تمتد تداعيات الحرب من الخليج إلى البحر المتوسط وأوروبا ، ليس بالضرورة عبر ضربات مباشرة ، وإنما من خلال استهداف المصالح والقواعد وشبكات الإمداد والاتصالات ، وقد تصبح دول مثل قبرص وبلغاريا وغيرها جزءًا من الحسابات اللوجستية والأمنية للحرب ، خصوصًا إذا تداخلت الجبهات مع استمرار الحرب الروسية ـ الأوكرانية ، وهنا يصبح استهداف كابلات الاتصالات البحرية أو البنية التحتية الحيوية احتمالًا يجب ألا يُستهان به في أي حرب مستقبلية واسعة ، فإذا كان مضيق هرمز ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة والسلع ، فإن حرب البنية التحتية قد تضيف طبقة أخرى من الضغط عبر الاتصالات والإنترنت ، وعندها لن يكون الهدف فقط رفع أسعار النفط ، وإنما يمكن أن ترتفع كلفة الاتصالات والتجارة والنقل ، وقد تدخل أجزاء من العالم في اضطرابات رقمية واقتصادية غير مسبوقة ، وهذا تحديدًا ما يجعل الحسابات الإسرائيلية تجاه تركيا وإيران أكثر خطورة مما تبدو عليه على الورق .
في نهاية المطاف ، يبقى الشعب السوري هو الطرف الذي دفع الثمن الأكبر ، فالسوريون لم يقدموا كل هذه التضحيات ، ولم يدفعوا أثمانًا بشرية واقتصادية هائلة ، من أجل الحصول على دولة تملي عليها إسرائيل طبيعتها أو تحدد لها طموحاتها ، كما لم يدفعوا كل ذلك من أجل استبدال وصاية خارجية بأخرى ، إن الدولة السورية المقبلة ، إذا أرادت الاستقرار ، تحتاج إلى قرار وطني مستقل ، وإلى القدرة على بناء علاقاتها مع تركيا وإيران والدول العربية والغرب وإسرائيل وفق مصالحها الوطنية ، لا وفق إرادة طرف خارجي ، ولهذا فإن محاولة فرض صيغة دائمة على سوريا من الخارج قد تكون وصفة لصراع جديد ، حتى لو تغيرت أدواته وأطرافة ، وإذا كانت إيران قد انتقلت ، في بعض مراحل الصراع ، إلى إعطاء مساحة أكبر للأجنحة الأكثر تشددًا داخل مؤسساتها امثال محسن رضائي ، فإن تركيا بدورها بنت خلال السنوات الماضية جيشًا متطورًا وقوات رديفة وشبكات أمنية واجتماعية قادرة على العمل في بيئات مختلفة ، وهذا يعني أن الطرفين ، تركيا وإيران ، لا يدخلان المرحلة المقبلة بالقدرات نفسها التىّ دخلا بها العقد الماضي ، لقد تعلم كلاهما من الحرب ، وهذه نقطة شديدة الأهمية ؛ لأن أخطر الجيوش ليست بالضرورة تلك التىّ تمتلك السلاح الأكثر تطورًا ، وإنما تلك التىّ تتعلم من الحرب بسرعة وتعيد بناء عقيدتها العسكرية على أساس الدروس المستخلصة منها ، ومن هنا ، فإن الحرب في أوكرانيا والإبادة في غزة والمواجهات الإقليمية الأخيرة وضعت العالم أمام كابوس عسكري حقيقي : حرب تبدأ محلية ثم تتحول إلى شبكة من الجبهات المفتوحة .
في المقابل ، تواجه إدارة الرئيس دونالد ترمب معضلة مختلفة ، فالولايات المتحدة ، بدل أن تتمكن من تعزيز تحالفاتها التاريخية ، تبدو أمام واقع يدفع عددًا من الحلفاء إلى إعادة التفكير في علاقتهم بواشنطن ، فالخليج ، وفي مقدمته السعودية ، بدأ منذ سنوات في تنويع علاقاته الدولية ، والاتحاد الأوروبي يبحث بصورة متزايدة عن استقلال استراتيجي أكبر ، وحتى الدول التىّ كانت تعتمد بصورة شبه كاملة على المظلة الأمريكية باتت تسأل عن حدود الالتزام الأمريكي عندما تتغير المصالح في واشنطن ، وتزداد هذه المعضلة عندما تتحول لغة التهديد إلى أداة دائمة في العلاقات مع الحلفاء ، أو عندما يشعر الحليف أن الحماية الأمريكية لم تعد مضمونة إلا بشروط سياسية متغيرة ، فالمشكلة ليست فقط أن الولايات المتحدة قد لا تحمي حلفاءها في كل الظروف ، وإنما أن بعضهم قد يبدأ ، نتيجة لذلك ، في بناء قدرته الذاتية على الحماية ، وهنا تتحول سياسة الضغط إلى عامل يدفع الحلفاء أنفسهم نحو الاستقلال .
وهذا يقودنا مجددًا إلى فكرة التحالفات الجديدة ، فإذا كان «تحالف مكة» يفتح الباب أمام صيغة إقليمية أوسع للتنسيق الأمني والسياسي ، فإن أي اتفاق طويل الأمد بين إيران وسلطنة عُمان حول أمن مضيق هرمز يمكن أن يشكل نواة لتحالف أو ترتيبات أخرى ، والمنطقة اليوم تبدو منشغلة بصورة متزايدة بتأسيس تحالفات جديدة ، تحالفات لا تقوم بالضرورة على أيديولوجيا مشتركة ، وإنما على المصالح ، وهذه نقطة بالغة الأهمية ، فالسعودية قد تتفق مع تركيا في ملف ، وتختلف معها في ملف آخر ، وتركيا قد تتفاهم مع إيران في قضية وتتنافس معها في قضية أخرى ، وعُمان قد تكون قادرة على التواصل مع إيران والولايات المتحدة في الوقت نفسه ، إنها ليست تحالفات أيديولوجية صلبة ، وإنما شبكات مصالح متحركة ، وهذا النوع من التحالفات أكثر صعوبة على الولايات المتحدة وإسرائيل في التعامل معه ، لأنه لا يمكن تفكيكه بسهولة عبر استهداف طرف واحد ، فإذا توسع «تحالف مكة» ليضم دولًا إقليمية وازنة ، وظهرت في الوقت نفسه ترتيبات أمنية حول هرمز ، فإن واشنطن قد تجد أن مضمون الحصار الذي تحاول فرضه على إيران يفقد فعاليته تماماً .
فأي حصار يحتاج إلى تعاون الجغرافيا المحيطة بالدولة المستهدفة ، وإذا رفضت تلك الجغرافيا التعاون ، فإن الحصار يصبح أكثر تكلفة وأقل فاعلية ، لهذا فإن سياسة «الضغط والمزيد من الضغط» التىّ اتبعتها واشنطن وتل أبيب قد تصل إلى نقطة تصبح فيها غير قادرة على تحقيق أهدافها ، فالضغط العسكري يولد تحصينًا عسكريًا ، والضغط الاقتصادي يولد اقتصادًا موازيًا ، والضغط السياسي يولد تحالفات بديلة ، والتهديد للحلفاء يدفعهم إلى البحث عن مظلات أخرى ، وهكذا ، يمكن أن تتحول أدوات القوة نفسها إلى عوامل تدفع الخصوم والحلفاء معًا إلى بناء نظام بديل ، وهذا هو المأزق الحقيقي ، فإذا كانت إسرائيل تخشى من تحالفات إقليمية جديدة ، فإن محاولة منعها بالقوة ستؤدي إلى تسريع تشكلها ، وإذا كانت الولايات المتحدة تخشى من تقارب دول الخليج مع الصين وروسيا وإيران وتركيا ، فإن ممارسة ضغوط متزايدة عليها ستجعل هذا التقارب أكثر جاذبية ، ولهذا فإن واشنطن وتل أبيب أمام خيار بالغ الوضوح : إما الاستمرار في اختبار حدود القوة ، وإما الانتقال إلى التفاوض .
وقد يكون هرمز بداية التسوية ، لإن أي اتفاق بين سلطنة عُمان وإيران بشأن مضيق هرمز سيكون ، إذا تحقق ، ذا أهمية تتجاوز الطرفين ، فالمضيق ليس قضية إيرانية ـ عُمانية فقط ، إنه قضية خليجية وعربية ودولية ، وقضية طاقة وتجارة وأمن عالمي ، ولذلك فإن استقرار هرمز يمكن أن يصبح مطلبًا صينيًا وخليجيًا وأوروبيًا ، وربما أمريكيًا في مرحلة لاحقة ، لأن الجميع يدرك أن إغلاق أو اضطراب هذا الممر الحيوي لن يعاقب إيران وحدها ، بل إن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد العالمي سيدفع الثمن ، ومن هنا قد يتحول التفاهم حول هرمز من قضية أمنية إلى مدخل لتفاهمات سياسية أوسع ، وهذا تحديدًا ما يمكن أن يوسع المأزق الدبلوماسي الأمريكي إذا بقيت واشنطن متمسكة بمنطق الحصار وحده.
والحرب ليست قدرًا .
في نهاية المطاف ، وضعت حرب أوكرانيا ، والحرب في غزة ، والمواجهات الإيرانية ـ الإسرائيلية ، العالم أمام حقيقة جديدة : الحرب الحديثة لم تعد قابلة للحصر بسهولة داخل حدودها الأولى ، فالصاروخ الذي يطلق من دولة قد يؤثر في سوق الطاقة في قارة أخرى ، والهجوم على ميناء قد يرفع تكلفة النقل في آسيا ، والخلل في كابل بحري قد يؤثر في الاتصالات العالمية ، والضربة على قاعدة عسكرية قد تفتح جبهة جديدة في دولة ثالثة ، ولهذا فإن استمرار المغامرات العسكرية قد يجر العالم إلى حرب مفتوحة لا يريدها أحد ، ولا يستطيع أحد التحكم بمسارها ، فإن إسرائيل، مهما بلغت قوتها ، لا تستطيع تحمل حرب إقليمية طويلة بلا حدود ، وأوروبا ستواجه تداعيات اقتصادية وأمنية ، أما الولايات المتحدة ، فستجد نفسها أمام خيار أكثر صعوبة كلما اتسعت الجبهات : هل تدخل بصورة مباشرة للدفاع عن حلفائها ، أم تتحمل تراجع نفوذها؟ ، وهذا هو السبب في أن البراغماتية ليست ضعفًا في هذه المرحلة ، بل ربما تكون أعلى أشكال القوة ، فالولايات المتحدة وتل أبيب ليستا أمام خصوم يمكن إنهاؤهم بضربة واحدة ، وإنما أمام منظومة إقليمية تتعلم ، وتتسلح ، وتبني تحالفاتها ، وتعيد توزيع اقتصادها وأمنها ، وكلما تأخرت الدبلوماسية ، ارتفعت كلفة الحرب ، وكلما اتسعت دائرة التحالفات ، أصبح من الصعب تحديد نقطة البداية والنهاية للصراع ، لذلك ، فإن الاتفاق بين مسقط وطهران ، والتفاهمات التركية ـ الإيرانية ، والعلاقات السعودية ـ التركية ، وأي ترتيبات جديدة حول «تحالف مكة»، ليست أحداثًا منفصلة.
إنها أجزاء من صورة واحدةز: شرق أوسط يحاول أن ينتقل من نظام أمني تهيمن عليه قوة خارجية واحدة إلى نظام متعدد المراكز ، وفي مثل هذا النظام ، لن يكون بإمكان واشنطن أو تل أبيب فرض معادلاتها كما كان يحدث في الماضي ، ستحتاجان إلى التفاوض ، وستحتاجان إلى الاعتراف بأن المنطقة تغيرت ، وأن الدول التىّ كانت تنتظر الحماية أصبحت تبحث عن القدرة على حماية نفسها ، وأن الشعوب التىّ دفعت أثمانًا هائلة في الحروب لن تقبل بسهولة العودة إلى المربع نفسه ، أما سوريا ، التىّ تحملت سنوات من الدم والدمار ، فلا ينبغي أن تكون مرة أخرى دولة ضعيفة ، فإن حق السوريين الطبيعي هو بناء دولة مستقلة ، ذات سيادة ، تحدد خياراتها وطموحاتها بنفسها ، لا أن تُفرض عليها طبيعة مستقبلها من إسرائيل .
وفي النهاية ، فإن السؤال الذي يواجه المنطقة لم يعد : من يستطيع أن يربح الحرب؟ ، بل أصبح : من يستطيع أن يمنع الحرب من التحول إلى كارثة إقليمية وعالمية؟ ، فإن الاستمرار في المغامرة قد يفتح أبوابًا لا يستطيع أحد إغلاقها ، أما التفاوض ، حتى في أكثر مراحله صعوبة ، فيبقى أقل تكلفة من حرب لا يمكن ضمان نهايتها .
ولهذا ، فإن اللجوء إلى البراغماتية الأمريكية ، وإلى تفاهمات إقليمية جديدة ، ليس مجرد خيار سياسي ؛ بل قد يصبح ، في المرحلة المقبلة ، ضرورة استراتيجية لمنع الشرق الأوسط من الانزلاق إلى حرب مفتوحة … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن
...
-
الشِّعر والحقيقة:أبو العلاء المعرّي وسؤال🙋العقل في م
...
-
من سماء سوريا إلى مياه النيل 💦:معركة إعادة تشكيل موا
...
-
حين تتوقف الخيول🐎عن الركض - الشجاعة بين العقل والقيا
...
-
من الاحتلال إلى السيادة المقنّعة: هل تدفع إسرائيل 🇮&
...
-
حين يموت ☠صاحب الفكرة: الأمة بين حاضر ناقص ومستقبل غائ
...
-
من خنادق البلطيق إلى صحراء سيناء🌵: عالم يستعد لحرب ط
...
-
اقتصاد الاستعراض: حين تصبح السلعة قناعًا😏، ويصبح الت
...
-
إيران 🇮🇷 بعد خامنئي الأب :عندما يخرج «الصقور
...
-
من مجتمع الفئران 🐀 إلى غابة الأسود🦁: شقاء ال
...
-
بين ظهور مجتبى واتفاق مكة 🕋 : هل تستيقظ المنطقة على
...
-
فيتو المظلوم✋: حين تتحول قذارة الداخل إلى ظلمٍ في الخا
...
-
واشنطن بين استنزاف الحروب وتمرد الصندوق -🗳هل بدأ الم
...
-
حين تسارعت الحضارة وتأخر الإنسان✋…
-
بعد غزة🇵🇸 … أيُّ سلامٍ يمكن أن يولد من تحت ا
...
-
حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار🗣…
-
بين ذاكرة الثورة 🇵🇸 واستحقاقات الدولة - الخل
...
-
السكران الذي تحدّى نيتشه… وانكسر أمام تشيخوف -بين الكأس
...
-
الاستنزاف المركب…حين يتصدع الداخل الإسرائيلي وتمتد ارتدادات
...
-
الفاعل الحقيقي - النقد بين أخلاق الحقيقة وسيكولوجيا الحسد
...
المزيد.....
-
صالات المطارات.. هل تستحق العناء أم أصبحت تجربة مخيبة للآمال
...
-
ما سر هوس مواقع التواصل بهذا المشروب الكوري من حليب الموز؟
-
-نهاية الشرق الأوسط الأمريكي- - مقال في صحيفة فورين أفيرز
-
إقالات نادرة تهزّ الموساد.. هل تكشف إخفاق الرهان الإسرائيلي
...
-
روسيا تجري اختبارات صاروخية في جزر متنازع عليها واليابان تحت
...
-
بحيرات وأنهار المجر تسجل مستويات متدنية قياسية مع تفاقم الجف
...
-
بين العقوبات والاستعداد العسكري.. هل تقترب إيران من جولة جدي
...
-
ألمانيا تحتاج العمالة الماهرة.. لماذا لا يسد العاطلون هذا ال
...
-
عمران خان يعود إلى السجن بعد فحص طبي
-
بيسكوف: تفجيرات -السيل الشمالي- عمل تخريبي إرهابي ضد الاتحاد
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|