أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…














المزيد.....

المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 10:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ من المفارقات الغريبة في حياة الإنسان أن المعرفة ، التىّ يبدأ طلبها أملاً في الفهم والطمأنينة ، قد تنتهي به إلى القلق وفقدان اليقين ، ففي مرحلة الشباب ، وتحديداً في ذروة العنفوان والثقة بالنفس ، يندفع الإنسان نحو المعرفة مدفوعاً بأسئلة كبرى : ما سبب الوجود؟ لماذا نحب بعض الناس ونكره آخرين؟ ما مصدر الظلم؟ ماذا يصنع النجاح والفشل؟ هل الحرية ضرورة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعيش من دون حب؟ أسئلة لا تتوقف ، وكل إجابة تفتح باباً لسؤال آخر ، غير أن الدافع وراء هذا السعي لا يكون دائماً مجرد الرغبة في الفهم ؛ إذ يختبئ خلفه ، في كثير من الأحيان ، اعتقاد بأن معرفة الأشياء تمنح القدرة على السيطرة عليها ، وهنا تبدأ المفارقة : كلما عرف الإنسان أكثر ، اكتشف أن العالم أكثر تعقيداً مما كان يظن ، وأن فهم الأشياء لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم بها ، فالفرق كبير بين أن توظف المعرفة لفهم الواقع والتعايش مع حدوده ، وبين أن تجعل منها وسيلة للهيمنة عليه ، وحين يصطدم الإنسان باستحالة السيطرة الكاملة ، قد يلجأ إلى السيطرة نفسها تعويضاً عن شعوره بالعجز ، وهذه ليست مشكلة فردية فحسب ، بل واحدة من المعضلات التىّ رافقت السلطة في صورتها السياسية ؛ فكلما اتسعت معرفة السلطة بالمجتمع ، ازدادت قدرتها على التأثير فيه ، لكن اتساع القدرة لا يعني بالضرورة اتساع الحكمة .

فالسلطة التىّ تعرف مخاوف الناس تستطيع أن تطمئنهم ، كما تستطيع أن تستخدم مخاوفهم لإخضاعهم ، والتىّ تعرف نقاط ضعف المجتمع تستطيع أن تعالجها ، كما تستطيع أن تستغلها ، ومن هنا لا تكمن المسألة السياسية في مقدار ما تعرفه السلطة ، بقدر ما تكمن في الطريقة التىّ تستخدم بها هذه المعرفة ، والحدود التىّ تضعها لقوتها ، والإنسان الفرد لا يختلف كثيراً في هذه المسألة ، فقد يكتشف حقيقة عن شريك في العمل ، أو عن شخص يرتبط به عاطفياً ، فيصبح من الصعب عليه أن يستمر في معاملته بالطريقة نفسها ، ليست المشكلة في الحقيقة ذاتها ، وإنما في ما تفرضه من مسؤولية بعد اكتشافها ، فالمعرفة لا تغير الأشياء دائماً ، لكنها تغير نظرتنا إليها ، وهذه النظرة الجديدة قد تجعل العودة إلى ما قبل المعرفة مستحيلة .

ولهذا يبدو الجهل أحياناً أكثر راحة ، لا لأنه أفضل من المعرفة ، وإنما لأن الجاهل لا يواجه ما لا يعرفه ، فإذا فشل ، قد لا يعرف لماذا فشل ، وإذا أخطأ ، قد لا يدرك حجم خطئه ، أما العارف ، فيرى الأسباب والنتائج والاحتمالات ، ولذلك يصبح أكثر عرضة للقلق ؛ لأن المعرفة لا تكشف له العالم فقط ، بل تكشف له هشاشته أيضاً ، وهنا تبرز دلالة «فاوست» عند يوهان فولفغانغ فون غوته ، ففاوست صورة للإنسان الذي لم يعد يكتفي بما يعرفه ، فيسعى إلى تجاوز حدود المعرفة بحثاً عن تجربة أوسع ، وقوة أكبر ، ومعنى أشمل للحياة ، لكنه يكتشف ، في المقابل ، أن الرغبة في تجاوز الحدود ليست بلا ثمن ، وأن السعي إلى امتلاك العالم قد يقود الإنسان إلى فقدان شيء من ذاته ، وفي هذا المعنى ، لا تبدو مأساة فاوست مجرد حكاية عن رجل يريد المعرفة ، بل عن إنسان يكتشف أن المعرفة نفسها تضعه أمام مسؤوليات ومخاطر لم يكن يراها قبل أن يعرف ، فكل خطوة إلى الأمام تكشف مساحة جديدة من المجهول ، وكل إجابة لا تنهي السؤال ، بل توسّع مجاله .

وهذا ما يجعل المعرفة السياسية شديدة الحساسية أيضاً ، فالمجتمع الذي يصبح أكثر وعياً بطبيعة السلطة لا يصبح بالضرورة أكثر قدرة على التحرر منها ، كما أن المطالبة بالحرية لا تعني بالضرورة القدرة على الحصول عليها ، فالحرية تصطدم بمؤسسات تمتلك أدوات أقوى من الفرد ، ولهذا فإن إدراك الإنسان لطبيعة القوة قد يزيد وعيه بها ، لكنه لا يمنحه تلقائياً القدرة على تجاوزها ، ومن هنا قد تتحول المعرفة من مصدر للثقة إلى مصدر للخوف ، فكلما تعمق الإنسان في فهم الناس ، فقد شيئاً من براءته تجاههم ؛ وكلما فهم آليات السلطة ، أصبح أقل قابلية لتصديق شعاراتها البسيطة ؛ وكلما ازداد وعياً بالحياة ، أصبح الموت أكثر حضوراً في وعيه ، حتى الأدب ، ولا سيما الرواية ، يؤدي دوراً مشابهاً ؛ إذ يمنح الإنسان شخصيات يستطيع أن يرى نفسه والآخرين من خلالها ، وقد يكتشف في شخصية روائية شيئاً من شخصيته ، أو في سلوكها جانباً كان يخفيه عن نفسه ، وهنا لا يعود الأدب وسيلة لفهم الآخرين فقط ، بل يصبح وسيلة لمواجهة الذات ، لذلك فإن المشكلة في المعرفة ليست أنها خطأ ، كما أن الجهل ليس نعمة مطلقة ، المشكلة الحقيقية هي عبء ما يترتب على المعرفة ، فالإنسان يستطيع أن يحتمل الجهل لأنه لا يعرف ما ينقصه ، لكنه حين يعرف يصبح مطالباً بالتعامل مع ما عرفه ، أخلاقياً ونفسياً وعملياً.

وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: يعتقد الإنسان أن المعرفة ستكون كافية لإنقاذه ، ثم يكتشف أنها ضاعفت قدرته على رؤية الخوف ، ومع ذلك ، لا يكون الحل في العودة إلى الجهل ؛ فالجهل قد يمنح الطمأنينة ، لكنه لا يمنح الفهم ، والمعرفة قد تسلب الطمأنينة ، لكنها تمنح الإنسان فرصة لأن يرى نفسه والعالم كما هما .

لعل المسألة ، في النهاية ، ليست أن نعرف كل شيء ، وإنما أن نتعلم كيف نعيش مع ما نعرفه ، فالمعرفة تمنح الإنسان القدرة على الرؤية ، لكنها لا تمنحه بالضرورة الحكمة في التعامل مع ما يراه ، وربما لهذا تبدو رحلة فاوست ، ورحلة الإنسان عموماً ، محاولة مستمرة للعثور على توازن بين الرغبة في امتلاك العالم والقدرة على تقبّل عجزنا عن امتلاكه .

يفنى الإنسان لاكتساب كل شيء ، ثم يسقط كل شيء ؛ وربما لا تكون المأساة في أنه لم يعرف بما يكفي ، بل في أنه عرف بما يكفي ليكتشف أن المعرفة وحدها لا تنقذ أحداً…والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الروح إلى المادة - رحلة الإنسان بين عالم الفكرة وواقع الح ...
- من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعاد ...
- في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن ...
- الشِّعر والحقيقة:أبو العلاء المعرّي وسؤال🙋العقل في م ...
- من سماء سوريا إلى مياه النيل 💦:معركة إعادة تشكيل موا ...
- حين تتوقف الخيول🐎عن الركض - الشجاعة بين العقل والقيا ...
- من الاحتلال إلى السيادة المقنّعة: هل تدفع إسرائيل 🇮& ...
- حين يموت ☠صاحب الفكرة: الأمة بين حاضر ناقص ومستقبل غائ ...
- من خنادق البلطيق إلى صحراء سيناء🌵: عالم يستعد لحرب ط ...
- اقتصاد الاستعراض: حين تصبح السلعة قناعًا😏، ويصبح الت ...
- إيران 🇮🇷 بعد خامنئي الأب :عندما يخرج «الصقور ...
- من مجتمع الفئران 🐀 إلى غابة الأسود🦁: شقاء ال ...
- بين ظهور مجتبى واتفاق مكة 🕋 : هل تستيقظ المنطقة على ...
- فيتو المظلوم✋: حين تتحول قذارة الداخل إلى ظلمٍ في الخا ...
- واشنطن بين استنزاف الحروب وتمرد الصندوق -🗳هل بدأ الم ...
- حين تسارعت الحضارة وتأخر الإنسان✋…
- بعد غزة🇵🇸 … أيُّ سلامٍ يمكن أن يولد من تحت ا ...
- حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار🗣…
- بين ذاكرة الثورة 🇵🇸 واستحقاقات الدولة - الخل ...
- السكران الذي تحدّى نيتشه… وانكسر أمام تشيخوف -بين الكأس ...


المزيد.....




- خبير أردني: تكرار استهداف إيران للمملكة -تخبط ويأس-
- ترامب عن عدم -انتفاض- الشعب الإيراني للإطاحة بالنظام: إنهم ي ...
- هرتسوغ لـCNN عن عنف المستوطنين في الضفة الغربية: وصمة عار عل ...
- شي يزور السيسي .. هل خرجت مصر من المدار الأمريكي؟
- معركة هرمز.. حرب ترامب ضد إيران تتصاعد
- مسؤول إسرائيلي: فشلنا في التوصل إلى اتفاق أمني مع سوريا ورفع ...
- ترامب يعلن استعداد واشنطن لشن هجمات جديدة على إيران ويؤكد: ا ...
- زيلينسكي يطالب بالتحقيق في فضيحة تبادل إطلاق النار بين أجهزة ...
- غوتيريش يعبر عن قلقه إزاء سقوط ضحايا مدنيين بنتيجة الضربة ال ...
- احتفاء مصري بطفل أنقذ حياة والده من موت محقق


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…