أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …















المزيد.....

العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 20:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لم تولد العلمانية في أوروبا دفعة واحدة ، ولم تكن في أصلها مشروعًا مكتملًا لإقصاء الدين ، بل تشكلت تدريجيًا عبر تحولات فكرية وسياسية واجتماعية امتدت من الفكر اليوناني والروماني القديم ، مرورًا بعصر النهضة والإصلاح الديني ، وصولًا إلى الصراع المتصاعد بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة ، وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر ، أخذت هذه التحولات شكلًا فلسفيًا أكثر وضوحًا مع هوبز ولوك وسبينوزا وفولتير ، قبل أن تتخذ بعدًا سياسيًا حاسمًا مع الثورة الفرنسية عام 1789 ، أما مصطلح Secularism " العلمانية " بصيغته الحديثة ، فقد ظهر في القرن التاسع عشر وارتبط بالمفكر البريطاني جورج جاكوب هوليوك ، وبهذا المعنى ، فإن العلمانية لم تبدأ من سؤال : كيف ننهي الدين؟ بقدر ما بدأت من سؤال آخر أكثر اتصالًا بالسلطة : من يملك حق إدارة الدولة وتحديد حدود المعرفة والقانون والفن والحياة العامة؟ وهذه النقلة هي التىّ تجعل تاريخ العلمانية ، في جانب كبير منه ، تاريخًا لإعادة رسم الحدود بين المؤسسة الدينية والمجتمع والدولة والفرد ، ولعل واقعة الرسام الإيطالي الشهير باولو فيرونيز عام 1573 تقدم صورة مبكرة ومكثفة لهذا الصراع ، فقد استدعته المحكمة الكنسية ، أو مكتب التفتيش المقدس في البندقية ، للتحقيق بسبب لوحته التىّ كانت تُعرف باسم العشاء الأخير ، بعدما اعترضت المحكمة على بعض الشخصيات والتفاصيل التىّ رأتها غير ملائمة للمشهد الديني ، ولم يُطلب من فيرونيز مناقشة قيمة اللوحة الفنية بقدر ما طُلب منه تبرير ما اعتُبر خروجًا عن التصوير المقبول للموضوع المقدم ، وانتهى الأمر إلى تغيير عنوان العمل إلى العشاء في بيت لاوي ، مع الإبقاء على كثير من تفاصيله ، تكشف هذه الواقعة ، قبل قرون من اكتمال مفهوم العلمانية ، عن جوهر المسألة : حدود السلطة الدينية عندما تتجاوز تنظيم الشعائر إلى تحديد ما يمكن للفنان أن يراه ، وللعالم أن يبحث فيه ، وللمجتمع أن يشرّعه ، ومن هنا أخذت عملية العلمنة تتقدم بوصفها إعادة توزيع لهذه السلطة ، لا مجرد انسحاب للدين من الحياة.

ولهذا أيضًا يصعب اختزال العلمانية في نموذج واحد ، فهناك علمانية سياسية تقوم على حياد الدولة وفصل مؤسساتها عن المؤسسات الدينية مع حماية حرية الاعتقاد ، وهناك علمانية أكثر صرامة تسعى إلى الحد من حضور الدين في المجال العام ، كما في النموذج الفرنسي ، وهناك علمانية فلسفية تتبنى تصورًا للإنسان والمجتمع لا يجعل المرجعية الدينية أساسًا وحيدًا للمعرفة أو تنظيم الحياة ، وفي جميع هذه الصور ، يبقى من الضروري التمييز بين العلمانية والإلحاد ؛ فالعلمانية تتعلق أساسًا بعلاقة الدولة بالدين ، بينما الإلحاد موقف اعتقادي ينكر وجود الإله ، ولا يستلزم أحدهما الآخر ، لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من العلمانية بوصفها تنظيمًا للسلطة إلى العلمنة بوصفها تحولًا اجتماعيًا وثقافيًا ، فقد شهدت أوروبا تراجعًا كبيرًا في حضور المؤسسات الدينية داخل نظام الحكم والسياسة والقانون ، وتقدمت الدولة الحديثة والمصالح الوطنية والعلم والمعرفة والمؤسسات المدنية إلى مقدمة المشهد ، ومن السهل ، عند النظر إلى هذه التحولات ، الوصول إلى استنتاج سريع مفاده أن العلمنة انتصرت لأنها دفعت الدين إلى الهامش ، غير أن هذا الاستنتاج ، رغم وجود ما يسنده تاريخيًا ، يبقى تسطيحًا للمشهد ، فالعلمنة أضعفت سلطة المؤسسة الدينية ، لكنها لم تقضِ على الدين ، بل ساهمت في تغيير موقعه ، وهذه نقطة جوهرية : تراجع الدين كسلطة مؤسسية لا يعني بالضرورة تراجع الدين كتجربة روحية أو هوية ثقافية أو سؤال وجودي .

بل إن المفارقة أن تحرير بعض مجالات المعرفة والثقافة والفنون من الوصاية الدينية الصارمة أتاح ، في حالات كثيرة ، إعادة طرح الدين بطريقة مختلفة ،،فعندما انفصلت بعض العادات الاجتماعية عن القداسة التىّ أحيطت بها ، أصبح من الممكن التمييز بين النص والتفسير ، وبين العقيدة والموروث ، وبين الدين وما ألصق به عبر التاريخ من تقاليد اجتماعية ، وبذلك لم يعد الفرد مضطرًا إلى تلقي الدين كله باعتباره كتلة واحدة لا تقبل الفحص ، وإنما أصبح قادرًا على البحث فيه واختياره وتأويله والدفاع عنه أو مراجعته بوعي شخصي أكبر ، وهنا تكمن مفارقة العلمنة : كلما تراجعت سلطة المؤسسة الدينية ، ازداد اعتماد الدين على قدرة الفرد نفسه على حمله وتفسيره وإعادة إنتاجه ، فلم يعد الدين محميًا بالضرورة بقوة المؤسسة ، لكنه أصبح قادرًا على الدخول في حوار مباشر مع العلم والفلسفة والفن والحياة الحديثة ، ولذلك ارتبطت بعض أشكال التجديد الديني بالعلوم الإنسانية والكونية ، لا باعتبار العلم بديلًا عن الدين ، وإنما باعتباره مجالًا جديدًا لإعادة فهم الإنسان والعالم ، ويمكن رؤية آثار ذلك في تفاصيل تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن النقاش النظري ، فالممارسات الدينية دخلت السوق العالمي ، وأصبح الطعام الحلال ، مثلًا ، منتجًا اقتصاديًا وثقافيًا عابرًا للحدود ، وتطورت الصيرفة الإسلامية داخل النظام المالي العالمي ، كما ظهرت أشكال موسيقية حديثة تستعيد الروحانية الدينية ضمن قوالب معاصرة ، وهكذا لم يعد الدين يعيش فقط داخل المؤسسة الدينية ، وإنما بدأ يظهر أيضًا داخل الاقتصاد والثقافة والفن وأنماط الاستهلاك الحديثة ، وهذا لا يعني أن العلمانية أصبحت دينية ، ولا أن السوق أو الثقافة الحديثة أعادا الدين إلى موقعه القديم ؛ بل يعني أن الدين نفسه تعلم كيف يتحرك داخل عالم فقدت فيه المؤسسة الدينية احتكارها للمجال العام ، وفي المقابل ، تغيرت العلمانية أيضًا ؛ إذ لم تعد في كثير من المجتمعات مجرد أداة للصراع مع الكنيسة ، وإنما أصبحت مطالبة بالإجابة عن سؤال جديد : كيف تحافظ الدولة على حيادها من دون أن يتحول الحياد إلى عداء للدين؟

لهذا فإن السؤال الأكثر دقة اليوم ليس : هل قضت العلمانية على الدين؟ وإنما : ماذا حدث للدين عندما فقد جزءًا من سلطته السياسية والمؤسسية؟ ، الجواب أن الدين لم يختفِ ، كما لم تستمر المؤسسة الدينية في موقعها القديم ، الذي حدث هو إعادة توزيع للأدوار : تراجعت سلطة المؤسسة ، واتسعت مساحة الدولة المدنية ، وازدادت مسؤولية الفرد ، ودخل الدين في تفاوض جديد مع العلم والسوق والثقافة والفن ، ومن هنا يمكن فهم العلمانية لا بوصفها نهاية للدين ، وإنما بوصفها نهاية لاحتكار مؤسسة واحدة حق تحديد كل شيء باسم الدين ، أما ما بقي بعد ذلك ، فهو السؤال الأصعب والأكثر أهمية : هل يستطيع الدين أن يتحول من سلطة مفروضة إلى وعي اختياري ، ومن موروث اجتماعي مغلق إلى إيمان قادر على الحوار مع العالم والمورث؟

ربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى في تاريخ العلمانية : لقد نجحت في تقليص سلطة الدين على الدولة ، لكنها لم تنجح في إلغاء حاجة الإنسان إلى الدين ؛ ولذلك لم يكن انتصارها نهاية الصراع ، بل بداية مرحلة جديدة أعيد فيها تعريف الدين نفسه ، كما أعيد تعريف الدولة والفرد والمجال العام … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتكلم الموتى:من القلم🖊إلى الكاميرا… من يملك ذاكر ...
- سوريا بين قوقعة الأقليات ووحدة 🤝الوطن …
- محمود درويش:من خبز🥖الأم إلى أزمة الإنسان المعاصر …
- غادي أيزنكوت.. من ساحة الحرب إلى كرسي💺🗳رئاسة ...
- مؤامرة على الحياة أم عجز عن صناعة معناها؟ - من عتاب أمية بن ...
- الرجل النبيل في موسكو🇷🇺 …والرجل الذي ترتدي ا ...
- سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً & ...
- الانتخابات النصفية الأمريكية 🇺🇸 : صراع التيا ...
- المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…
- من الروح إلى المادة - رحلة الإنسان بين عالم الفكرة وواقع الح ...
- من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعاد ...
- في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن ...
- الشِّعر والحقيقة:أبو العلاء المعرّي وسؤال🙋العقل في م ...
- من سماء سوريا إلى مياه النيل 💦:معركة إعادة تشكيل موا ...
- حين تتوقف الخيول🐎عن الركض - الشجاعة بين العقل والقيا ...
- من الاحتلال إلى السيادة المقنّعة: هل تدفع إسرائيل 🇮& ...
- حين يموت ☠صاحب الفكرة: الأمة بين حاضر ناقص ومستقبل غائ ...
- من خنادق البلطيق إلى صحراء سيناء🌵: عالم يستعد لحرب ط ...
- اقتصاد الاستعراض: حين تصبح السلعة قناعًا😏، ويصبح الت ...
- إيران 🇮🇷 بعد خامنئي الأب :عندما يخرج «الصقور ...


المزيد.....




- صاعقة تضرب رجلًا لكنه يتمكن من السير مباشرة للاحتماء في منزل ...
- مع تعثر الدبلوماسية.. ترامب يعيد طرح فكرة تغيير النظام في إي ...
- العيش البطيء، حياة أبسط أم ترند جديد؟
- لا يمكن لبريطانيا أن تشيح بنظرها عن المستوطنات الإسرائيلية - ...
- جسر أوروبا… من رمز بلا حدود إلى معبر تحت المراقبة
- إسبانيا: لا دليل قطعي على تدبير المغرب عبور مهاجرين إلى سبتة ...
- بعثة أممية تتهم كيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال بإذ ...
- محمد رمضان يعلن مشاركته في أحد أعرق المهرجانات على مستوى أم ...
- إسرائيل تسلم الجيش اللبناني أسيرا عبر الصليب الأحمر (صورة)
- 4 بلدات أخرى في خاركوف ودونيتسك تحت سيطرة الجيش الروسي (فيدي ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …