أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً 🇵🇸 ..














المزيد.....

سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً 🇵🇸 ..


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 09:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ بعض الصور لا تنتهي بانتهاء أصحابها ، تظل معلّقة في الذاكرة ، لا لأنها جميلة فحسب ، بل لأنها استطاعت ، في لحظة ما ، أن تقول عنّا شيئاً لم نستطع نحن أن نقوله ، ولعل «جمل المحامل» واحدة من تلك الصور التىّ تجاوزت حدود اللوحة ، لتصبح استعارةً كاملة عن الفلسطيني ، وعن قدرته الغريبة على حمل أثقاله والسخرية منها في الوقت نفسه .

في أصل الحكاية ، كان الجمل حيواناً يحمل المتاع في التجارة ، ويحمل الناس في السفر والترحال ،لكن الفلسطيني لم يتركه في حدود وظيفته الأولى ؛ أعاد اكتشافه بوصفه صورةً للإنسان الذي يحمل فوق ظهره أكثر مما ينبغي له أن يحمل ، وهنا جاء سلمان منصور ، الفنان الكبير الذي رحل بالأمس ، ليمنح هذه الصورة حياتها الأوسع في لوحته الشهيرة «جمل المحامل» ، لم يعد الجمل مجرد دابة تحمل الأثقال ؛ صار وطناً يحمل تاريخه ، وإنساناً يحمل ذاكرته ، وشعباً يمضي مثقلاً بما تراكم فوق ظهره ، لكن ما يجعل «جمل المحامل» أكثر من لوحة هو أن الصورة لم تبقَ صامتة ، سرعان ما وجدت لها صوتاً في تجربة عبد الله حداد ، الذي كتب وغنّى مبكراً بطريقة يمكن أن نستعيد فيها اليوم روح الراب ، بمزيج لافت بين اللهجة الفلاحية والبدوية ، وفي أغنيته «التكتيك» يقول: «يا خلتي أنا كيف أقول يا ناقتي نخي ، وإنتِ طول عمرك جمل المحامل».

لو كان منصور حيًّا حتى الآن ، لكان من الصعب ألا يرى في هدم مقرّ الأونروا في قلنديا صورةً أخرى من صور محو الذاكرة ؛ فالمبنى ، بوصفه واحدًا من أقدم الشواهد على اللجوء الفلسطيني ، لم يكن مجرد جدران ، بل أثرًا ماديًا لحكاية ما زالت تُقاوم النسيان ، وهنا تصبح الجملة شخصيةً أخرى ؛ من اللوحة إلى الأغنية ، ومن الصورة إلى السخرية ، كأن سلمان منصور وعبد الله حدّاد التقيا ، كلٌّ في لغته ، عند الفكرة نفسها : كيف يمكن للإنسان أن يشرح وضعه السياسي من دون أن يتحول إلى خطيب؟ وكيف يمكن أن يقول شيئًا عن القهر يجعل الناس يضحكون ، لا لأن القهر مضحك ، بل لأن الضحك نفسه يمكن أن يصبح طريقةً لمقاومته؟ لعل هذه واحدة من أكثر خصائص تلك التجربة فرادةً ؛ فقد استطاعا أن يقدّما نقدًا سياسيًا لا يأتي من فوق ، ولا يتكلم بلغة الشعارات ، بل يتسرّب من الجسد والنفس واليومي : من الجملة والنكتة ، ومن اللغة الشعبية ، ومن المفارقة والسخرية ،،كانا يشرحان السياسة كما لو أنها حالة جسدية ونفسية ، ويحوّلان ثقل الواقع إلى صورة أو أغنية قادرة ، للحظة ، على تفجير الضحك في وجه ما يبدو غير قابل للضحك .

كان ذلك نوعاً من الفن يمكن اختصار روحه في عبارة : السياسة في الكف ، أي أن السياسة لا تبقى في الخطب والكتب ، بل تصبح شيئاً تمسكه اليد ، وتراه العين ، وتردده الذاكرة ، ولهذا أحب الناس لوحات سلمان منصور ، ولم ينظروا إليها بوصفها أعمالاً فنية معلّقة على الجدران فقط ؛ لقد أقاموا فيها ، وجدوا فيها شيئاً من أنفسهم ، ومن أيامهم ، ومن قدرتهم على احتمال ما لا يُحتمل ، وربما لهذا السبب تحديداً ، لم تكن علاقتنا بذلك الفن علاقةً بالماضي وحده ، كان أولئك الفنانون قادرين على أن يجعلونا نقيم بين الماضي والغد ؛ أن ننظر إلى الوراء من دون أن نفقد المستقبل ، أما نحن اليوم ، فكأننا نقيم في ماضيهم وننتظر الغد أن يأتي إلينا .

من هنا يصبح رحيل سلمان منصور أكثر من خبر عن غياب فنان ، إنه يوقظ فينا سؤالاً عن حاضرنا نفسه : ماذا يحدث حين يرحل الذين كانوا يعرفون كيف يحوّلون ثقل الحياة إلى معنى؟ وماذا يبقى لنا حين يصبح حضور الماضي أكثر سطوعاً من حضور الحاضر؟ ، في مثل هذا الرحيل ، لا نملك إلا اعترافاً بسيطاً وموجعاً : حاضرنا ممتلئ بالغياب ، وربما كان سطوع أولئك الذين رحلوا هو ما يكشف عتمته ، فالحياة لا تكتفي بأنها عابرة ؛ إنها ، في كثير من الأحيان ، تخطف أفضل من فينا ، وتترك بيننا من لم تستطع أفكارهم أن تنضج ، حتى بدت بعض العقول وكأنها ولدت مترهلةً بثقل الزمن .

لكن الفنان الحقيقي لا يغادر تماماً .

سلمان منصور سيبقى في تلك الصورة التىّ حملت أكثر مما تحتمل ، وفي ذلك الجمل الذي صار واحداً من وجوهنا ، وفي كل مرة ننظر فيها إلى «جمل المحامل» سنكتشف أن اللوحة لم تكن عن جمل يحمل أثقالاً ، بقدر ما كانت عن شعبٍ تعلّم أن يحمل أثقاله ويمضي.

وداعاً سلمان منصور - رحمك الله .

وداعاً لفنان لم يرسم الجمل فقط ، بل رسم ما يحمله الجمل فوق ظهره ، وما نحمله نحن فوق أرواحنا .

رحلتَ ، وبقي «جمل المحامل» يمشي في ذاكرتنا ؛ حاملاً أثقال الماضي ، ومذكّراً إيانا بأن الفن ، حين يكون حقيقياً ، يستطيع أن يحملنا نحن أيضاً إلى الغد …والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانتخابات النصفية الأمريكية 🇺🇸 : صراع التيا ...
- المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…
- من الروح إلى المادة - رحلة الإنسان بين عالم الفكرة وواقع الح ...
- من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعاد ...
- في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن ...
- الشِّعر والحقيقة:أبو العلاء المعرّي وسؤال🙋العقل في م ...
- من سماء سوريا إلى مياه النيل 💦:معركة إعادة تشكيل موا ...
- حين تتوقف الخيول🐎عن الركض - الشجاعة بين العقل والقيا ...
- من الاحتلال إلى السيادة المقنّعة: هل تدفع إسرائيل 🇮& ...
- حين يموت ☠صاحب الفكرة: الأمة بين حاضر ناقص ومستقبل غائ ...
- من خنادق البلطيق إلى صحراء سيناء🌵: عالم يستعد لحرب ط ...
- اقتصاد الاستعراض: حين تصبح السلعة قناعًا😏، ويصبح الت ...
- إيران 🇮🇷 بعد خامنئي الأب :عندما يخرج «الصقور ...
- من مجتمع الفئران 🐀 إلى غابة الأسود🦁: شقاء ال ...
- بين ظهور مجتبى واتفاق مكة 🕋 : هل تستيقظ المنطقة على ...
- فيتو المظلوم✋: حين تتحول قذارة الداخل إلى ظلمٍ في الخا ...
- واشنطن بين استنزاف الحروب وتمرد الصندوق -🗳هل بدأ الم ...
- حين تسارعت الحضارة وتأخر الإنسان✋…
- بعد غزة🇵🇸 … أيُّ سلامٍ يمكن أن يولد من تحت ا ...
- حين يصبح الغباء قوة: عن غياب المنطق وانهيار الحوار🗣…


المزيد.....




- بعد 8 سنوات.. هل أعادت الأميرة سلمى ارتداء فستان الملكة راني ...
- تحليل: ترامب يُريد مُعاقبة إيران باستخدام شريكها التجاري الأ ...
- كندا ترد على رسوم ترامب.. كيف سيدفع الأمريكيون الثمن؟
- طاهي تطوير الأطباق.. هل هذه أفضل وظيفة في عالم الطعام؟
- قائد عسكري إيراني يعلن توسيع القدرات الدفاعية بناء على خبرة ...
- الخارجية الروسية تستدعي القائمة بالأعمال الرومانية في موسكو ...
- دراسة: لا صلة بين عامل مثير للجدل وأعراض التوحد
- -بشرتي تجعلني مميزة وأتعلم تقبّلها-
- ضحايا -فخ التجنيد-: حكومات بين إسقاط الجنسية وعائلات تنتظر ج ...
- مذكرات خدام تثير جدلا: احتياطي سوريا بـ12 مليار دولار كان با ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً 🇵🇸 ..