أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - الشارع المغربي والكرسي المحمدي














المزيد.....

الشارع المغربي والكرسي المحمدي


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 02:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

في الأوطان التي تُصان فيها كرامة الإنسان، يكون الشارع صوتًا لا يمكن تجاهله، وتكون السلطة مسؤولة أمام الشعب، لا متعالية عليه. أما حين تتحول الدولة إلى منظومةٍ لحماية الحكم ومصالحه، ويصبح الحفاظ على الكرسي غايةً تتقدم على حرية المواطن وكرامته وحقه في تقرير مصيره، فإن الصراع لا يعود بين شعبٍ وحكومة فحسب، بل بين إرادةٍ شعبية تتطلع إلى الحرية والعدالة، ونظامٍ يصرّ على استمرار قواعد اللعبة نفسها مهما كان الثمن.

وفي هذا السياق، لا أحد يستطيع أن ينكر تخاذل الموقف الدولي الرسمي تجاه ما يجري في المغرب، من كبتٍ للحريات، وقمعٍ للأصوات، وتضييقٍ على المواطنين، بل وتقديمِ القرابين من الأبرياء، حفاظًا على كرسي الحكم وما يحيط به من مظاهر العظمة والفخامة والامتياز.

ولعلّ هذا الموقف الدولي لم يعد مفاجئًا؛ فمعظم الأنظمة مشغولة بالمصالح والأهداف ذاتها، وتتحرك وفق الحسابات نفسها، ونحن في المغرب اعتدنا هذا المشهد منذ سنوات طويلة من الاستقلال العسكري. فمنذ ذلك الحين، تعاقبت الحكومات وتبدلت الوجوه، بينما ظل جوهر النظام الوراثي، في نظر منتقديه، قائمًا على التبعية لفرنسا، وعلى الحرص على حماية مصالحها وأهدافها، قبل الالتفات إلى مصالح الشعب وإرادته وكرامته.

وهكذا ظلّ النظام، بكل تلاوينه وأجهزته وامتداداته، يؤدي ــ بحسب هذا المنظور النقدي ــ دور الحارس الأمين لتلك المصالح، وفي الوقت نفسه يذود عن امتيازاته ومصالحه الخاصة، ولو كان الثمن شعبًا منهوب الإرادة، مثقلًا بالإحباط، ومحرومًا من حقه الكامل في تقرير مصيره وصناعة مستقبله.

لكن الأخطر من القمع ذاته هو أن يتحول القمع إلى حالةٍ اعتيادية، وأن تصبح التبعية سياسةً راسخة، وأن يتحول الصمت الدولي إلى غطاءٍ سياسي لاستمرار الوضع القائم. وعندما يشعر النظام باقتراب خطر انفجار الشارع، أو بتنامي الغضب الشعبي، تبدأ، في نظر معارضيه، لعبةٌ أخرى: إخراج مسرحيات متعددة الفصول، تتغير عناوينها وتبقى غايتها واحدة، وهي صرف أنظار الشعب عن أصل الأزمة وإعادة توجيه اهتمامه نحو عدوٍّ مفترض أو قضيةٍ جانبية.

فتارةً يُطلّ علينا بخبر تفكيك خلية إرهابية، وتارةً أخرى بما يسمى «تسريبات جبروت»، التي يراها منتقدو النظام مجرد أضحوكةٍ لا تحمل، في جوهرها، جديدًا ذا قيمة. فأي معلومات حقيقية تتعلق بأمن الدولة وأسرارها تكشفها تلك التسريبات؟ وأي خطر استراتيجي تمثل أسماءٌ وأرقام بطاقات هوية وأرقام حسابات بنكية؟ وهل سيقوم المواطنون بتحويل الأموال إلى أصحاب هذه الحسابات حتى تصبح أرقامها ذات أهمية؟ أم أن الغاية، في نهاية المطاف، ليست سوى صناعة ضجيج إعلامي وإشغال الرأي العام عن الأسئلة الحقيقية التي تؤرق الشارع؟

أما قضية «بيغاسوس»، فقد أكل الدهر عليها وشرب، وكذلك قضية التنصّت على هاتف بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية. ومع ذلك، تستمر الملفات الأمنية والاستخباراتية في الظهور كلما احتاج المشهد السياسي إلى مادة جديدة للاستهلاك الإعلامي، بينما تبقى القضايا الجوهرية التي تمس حياة المواطن وحقوقه وحرياته في الخلفية.

ورغم الادعاء بأن «جبروت هاركر» جزائري، فإنني لَجدُّ واثق من أن الأمر يتعلق بعملٍ استخباراتي مغربي. وهذا، في نهاية المطاف، يمثل قناعةً سياسية وتحليلًا مني لما يجري، لا حكمًا قضائيًا أو حقيقةً ثابتةً لا تحتمل النقاش. فالملفات الاستخباراتية بطبيعتها معقدة، وما يصل إلى الرأي العام منها لا يمثل بالضرورة الصورة الكاملة، ولذلك يبقى من حق المواطن أن يسأل: من يقف وراء هذه العمليات؟ ومن المستفيد منها؟ ولماذا تظهر في توقيتاتٍ بعينها؟ ومن يملك مصلحةً حقيقية في توجيه النقاش العام نحوها؟

إن المشكلة، إذن، ليست في وجود ملف أمني هنا أو تسريب هناك، ولا في مواجهة الإرهاب أو التجسس متى كان الخطر حقيقيًا، وإنما في تحويل هذه الملفات إلى أدواتٍ لإدارة الغضب الشعبي، أو إلى ستارٍ يحجب القضايا الأساسية. فالدولة التي تثق في شعبها لا تحتاج إلى صناعة الأشباح كي تحافظ على استقرارها، ولا تحتاج إلى تخويف المواطن من عدوٍ خارجي كلما طالب بحقه في الحرية والكرامة والعدالة.

فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الخوف، ولا تُصان هيبة الدولة بالقمع، ولا تُحمى الأوطان بإسكات مواطنيها. الاستقرار الذي لا يحفظ كرامة الإنسان ليس استقرارًا، بل هدنةٌ مؤقتة بين القهر والانفجار.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر معلقًا في فضاء المغرب: إلى متى سيظل الشارع المغربي يدفع ثمن المحافظة على الكرسي؟ وإلى متى سيظل المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلةٍ تُقدَّم فيها مصالح النظام وحلفائه على مصالح الوطن والمواطن؟

قد تستطيع السلطة أن تؤجل الانفجار، وقد تستطيع أن تُكثر من المسرحيات، وأن تغيّر العناوين، وأن تستدعي في كل مرةٍ شبح الإرهاب أو التجسس أو العدو الخارجي، لكنها لن تستطيع إلى الأبد إلغاء الأسئلة التي تولد من رحم المعاناة ، فالشارع قد يصمت، لكنه لا ينسى. وقد يتراجع، لكنه لا يموت. وقد يخاف، لكنه لا يتخلى بالضرورة عن حلمه. والكرسي، مهما أحاطته مظاهر العظمة والفخامة، يبقى كرسيًا؛ أما الشعوب، حين تستعيد وعيها بحقوقها وكرامتها، فلا يمكن لأي كرسي أن يكون أقوى منها إلى الأبد.

إن المعركة الحقيقية ليست بين أشخاصٍ يتنافسون على الكرسي، وإنما بين من يريد وطنًا يكون فيه المواطن سيدًا لحقوقه وكرامته، ومن يريد وطنًا يكون فيه المواطن مجرد رقمٍ في حسابات السلطة. وبين الشارع والكرسي، ستبقى الكلمة الأخيرة للتاريخ، وسيبقى السؤال الذي لا يمكن دفنه: هل يكون الكرسي في خدمة الوطن، أم يُطلب من الوطن كله أن يكون في خدمة الكرسي؟



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الملكية في المغرب: من الرعية إلى المواطن وتفكيك أسطورة البطل
- خطاب جلالة الملك إلى الأمة في الذكرى الوطنية المجيدة
- المغرب في عهد محمد السادس: المليارات للمونديال... والشباب لل ...
- المغرب وإسبانيا وسبتة: من فتح الباب؟
- القاصر بين القانون والسياسة: من يتحمل مسؤولية حماية الأطفال ...
- الهجرة الجماعية من المغرب إلى سبتة... عندما تبدأ الأسئلة وتن ...
- المغرب : بعد خطاب عيد العرش ... أي استقرار نتحدث عنه؟
- المغرب : خطاب العرش... إنجازات على الورق وواقع يطرح الأسئلة
- على هامشِ الذِّكرياتِ
- عيد العرش في المغرب... بين طقوس الولاء وأسئلة الشرعية والعدا ...
- أزمة الحكم في المغرب: سلطة بلا محاسبة وأحزاب بلا سياسة
- الصحفي المغربي علي المرابط.. اعتقال عبثي وإفراج تحت الضغط؟
- علي المرابط… الصحافي المغربي الذي رفض الترويض فعاد إلى قبضة ...
- المغرب بين نشوة الانتصارات ومرارة الأزمات
- الطفل وسيم وكأس العالم... كيف سقط الإعلام الجزائري في مستنقع ...
- بين انتخابات المغرب ورئاسة الجزائر... هل أصبحت كرة القدم ستا ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون جماهيري… وسياسة تُدير ظهرها لمطالب ...
- المخزن في المغرب: الدولة التي تحكم ولا تُحاسَب
- المغرب بين مطرقة الفقر وسندان الاستبداد
- السابع عالميًا في كرة القدم... وال120 في التنمية: من يبتلع ث ...


المزيد.....




- لماذا يغيب أكبر موسم لتزاوج الحبار في العالم عن سواحل أسترال ...
- استطلاع إسرائيلي يقلب المشهد.. حزبان يمينيان يتجاوزان العتبة ...
- من أفغانستان إلى إيران.. لماذا تعجز أمريكا عن إنهاء حروبها؟ ...
- حركة الملاحة في مضيق هرمز تتراجع إلى 5 سفن يوميا
- الخارجية الروسية: نظام كييف يرفض استلام أعداد هائلة من جثث ق ...
- عملية غير مسبوقة تمتد إلى 12 دولة.. العثور على 163 طفلا مفقو ...
- السفير الأمريكي الأسبق: دعم الناتو لأوكرانيا -مأساة- والتصعي ...
- الولايات المتحدة تقصف إيران لأول مرة منذ شهر وطهران تتوعد با ...
- قلق إسرائيلي من انفجار الضفة.. إرهاب المستوطنين يهدد بإشعال ...
- الأردن: اعتراض صواريخ اخترقت المجال الجوي للمملكة


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - الشارع المغربي والكرسي المحمدي