أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - الملكية في المغرب: من الرعية إلى المواطن وتفكيك أسطورة البطل















المزيد.....


الملكية في المغرب: من الرعية إلى المواطن وتفكيك أسطورة البطل


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 08:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الرعية المغربية لم ينعتق فكرها ومخيالها من صورة الزعيم الرعوي "الشريف سليل آل البيت"، الحامل للبركة والكرامات، صورة تشحن استمرارية دور "أسطورة البطل". ذلك أن الشخصيات السياسية تروم فرض تصور عنها من شأنه الاستحواذ على فكر الجماهير وتثبيته، وهذه الأخيرة بدورها تستمتع بالعرض، ليغدو هذا الاستمتاع وفق "لويس 14" مدخلاً لامتلاك عقول الجماهير وقلوبها. والجماهير المغربية لا تشذ عن الوقوع في فخ "العرض السلطاني"، فمنذ قرون مازال يسعد تفكيرها بأن من يحكمها مصطفى من السماء، وهي بذلك رعية ذات حظوة في الأعالي. وتقييداً لهذا المنطق فلا محل للمواطنة من الإعراب، ولا يمكن للملكية أن تكون راعية ومواطنة في ذات الآن، ولا المحكومون رعايا ومواطنين، فالمواطنة مازالت فكرة تجوب الأجواء بينما الرعوية واقع حال. فالاعتقاد بقدرة السلطة القهرية المدعية للقداسة قيادة التغيير وإحلال التنمية وهم كبير، بل إن سريان هذا الاعتقاد يعري حقيقة اللاتغيير، وأننا لم نتجاوز المرحلة التيولوجية لقانون تطور المجتمعات.

ولعل المفارقة الكبرى أن "أسطورة البطل" لا تحتاج إلى أن تنجز كل ما تعد به، بقدر ما تحتاج إلى أن تبقى حاضرة في المخيال باعتبارها مصدر الخلاص. فالبطل لا يُطلب منه فقط أن يحكم، وإنما أن يحمل عن الجماعة عبء التفكير في مستقبلها، وأن يتولى عنها مسؤولية الاختيار، وأن يصبح وجوده في حد ذاته ضمانة للاستقرار. وهكذا يتحول المجتمع من فضاء للمواطنين إلى جمهور ينتظر العرض، ومن جماعة سياسية تمارس حقها في الاختيار والمساءلة إلى رعية تنتظر المكرمة والالتفاتة.

إن "العرض السلطاني" لا يكتفي بإنتاج صورة الحاكم، وإنما ينتج أيضاً صورة المحكوم. فالحاكم في هذا العرض هو الراعي، والعالم ببواطن الأمور، والحريص على مصالح الرعية، أما المحكوم فليس سوى موضوع للرعاية. وحين تترسخ هذه الثنائية، تصبح الطاعة فضيلة، والاعتراض خروجاً عن الجماعة، والنقد تشويشاً، والمطالبة بالحق نوعاً من الجحود. وبذلك تتحول السياسة من تدبير مشترك للشأن العام إلى علاقة نفسية وأبوية بين من يملك القرار ومن ينتظر منه العطاء.

ومن هنا نفهم لماذا يصعب في الوعي الرعوي التمييز بين الدولة والسلطة، وبين الوطن والحاكم، وبين نقد السياسة والإساءة إلى الوطن. فكلما امتزجت صورة الدولة بصورة شخص الحاكم، أصبح نقد ذلك الشخص يبدو كأنه نقد للدولة نفسها، وكلما ارتفعت مكانة الحاكم فوق السياسة، ارتفع معه ثمن الاختلاف معه. وفي نهاية المطاف يصبح الوطن ملكاً للسلطة في المخيال، بدل أن تكون السلطة خادمة للوطن.

لكن الواقع أكثر عناداً من الأسطورة. فالواقع الاجتماعي لا يقرأ البيانات الرسمية بالطريقة نفسها التي يقرأها المواطن في حياته اليومية. المواطن لا يقيس التنمية بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بقدرته على توفير مسكن، والحصول على عمل، وتعليم أبنائه، والعلاج عندما يمرض، والعيش من أجره دون أن يلتهم الغلاء معظمه. وهنا تظهر أولى مفارقات النموذج التنموي: خطاب يتحدث عن الإقلاع، فيما قطاعات واسعة من المجتمع تعيش الإحساس بالتراجع؛ خطاب يتحدث عن الاستثمار، فيما يبحث الشباب عن وظيفة؛ خطاب يتحدث عن العدالة الاجتماعية، فيما تتسع الفوارق بين من يملك ومن لا يملك؛ وخطاب يتحدث عن دولة الرعاية، فيما يجد المواطن نفسه مضطراً إلى البحث عن حلول فردية لمشكلات يفترض أن تكون الدولة مسؤولة عن جزء أساسي منها.

ففي سنة 2025 بلغ عدد العاطلين في المغرب نحو مليون و621 ألف شخص، واستقر معدل البطالة في حدود 13 في المائة، لكنه ارتفع إلى 37.2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وإلى 20.5 في المائة لدى النساء، كما بلغ معدل الشغل الناقص 10.9 في المائة. وهذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد معطيات تقنية، فكل رقم يخفي وراءه إنساناً وأسرة وسنوات من الدراسة وانتظاراً، وأحياناً هجرة أو إحباطاً أو شعوراً باللاجدوى. فأي مستقبل يمكن أن يتخيله شاب قضى سنوات في المدرسة والجامعة ثم وجد نفسه خارج دورة الإنتاج؟ وأي معنى للاستثمار في الرأسمال البشري إذا كانت الشهادة لا تمنح صاحبها سوى مقعد إضافي في طابور البطالة؟

المشكلة ليست في البطالة باعتبارها ظاهرة اقتصادية موجودة في مختلف المجتمعات، وإنما في تحولها إلى أزمة بنيوية. فحين يصبح الاقتصاد عاجزاً عن استيعاب الأجيال الجديدة، يصبح السؤال أكبر من سؤال سوق الشغل؛ يصبح سؤالاً حول طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، وحول المستفيد الحقيقي من النمو، وحول قدرة الدولة على تحويل الثروة الوطنية إلى فرص اجتماعية. والبطالة، في هذه الحالة، لا تنتج الفقر فقط، وإنما تنتج الإقصاء. والشاب الذي لا يجد مكاناً في الاقتصاد يجد نفسه أيضاً بلا مكان في المستقبل. وحين يصبح المستقبل مغلقاً، يصبح الماضي أكثر جاذبية، وتصبح الهجرة حلماً، ويصبح الاحتجاج متنفساً، وقد يتحول اليأس إلى قطيعة نفسية مع الدولة ومؤسساتها.

ثم تأتي المديونية لتفتح سؤالاً آخر لا يقل خطورة. فالدين العمومي ليس في ذاته جريمة اقتصادية، والدول قد تلجأ إلى الاقتراض لتمويل الاستثمار والبنية التحتية وتحفيز الاقتصاد. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تقترض الدولة؟ وإنما: لماذا تقترض؟ ولمن؟ وبأي شروط؟ وماذا ينتج عن هذا الاقتراض؟ فحين يبلغ دين الخزينة مستويات مرتفعة من الناتج الداخلي الإجمالي، يصبح من المشروع أن يسأل المواطن عن العائد الاجتماعي والاقتصادي لهذه الأموال. هل تحولت إلى مصانع منتجة؟ هل خلقت وظائف مستقرة؟ هل رفعت جودة التعليم والصحة؟ هل حسنت القدرة الشرائية؟ هل ساهمت في تقليص الفوارق بين المركز والهامش؟

إن المواطن لا يعيش الدين في جداول وزارة المالية، وإنما يعيشه في شكل ضرائب وأسعار وخدمات عمومية ومستقبل مالي تتحمل الأجيال القادمة جزءاً من كلفته. وهنا تتضح المشكلة: عندما يكون قرار الاقتراض قراراً فوقياً، بينما يتحمل المجتمع كلفته جماعياً، تصبح المساءلة الديمقراطية ضرورة لا ترفاً.

ومن المديونية نصل إلى سؤال الثروة. فالمغرب ليس بلداً فقيراً بالمعنى المطلق، لكنه بلد يعاني من تفاوتات صارخة في توزيع الثروة والفرص. هناك من يستطيع أن يحول رأس المال إلى نفوذ، والنفوذ إلى امتياز، والامتياز إلى مزيد من الثروة، بينما يوجد في الطرف الآخر من لا يملك سوى قوة عمله، وحتى هذه القوة قد لا تجد من يشتريها. وهنا يبرز الريع باعتباره أحد أوجه الرعوية الحديثة. فالريع ليس فقط اقتصاداً غير منتج، وإنما علاقة سياسية أيضاً؛ إنه امتياز يمنح من فوق إلى من تحت، ويجعل المستفيد مديناً لمن منحه الامتياز. وهكذا لا يعود المواطن صاحب حق، بل صاحب حظوة، ولا يعود حصوله على المنفعة نتيجة لقاعدة عامة، وإنما نتيجة لموقعه داخل شبكة النفوذ. وبهذا المعنى فإن الريع هو الوجه الاقتصادي للرعوية؛ فالمواطن في الدولة الحديثة يحصل على حقه لأنه مواطن، أما الرعية فتحصل على امتياز لأنها قريبة من الراعي.

أما الأسعار، فهي الوجه الأكثر مباشرة لهذه الأزمة. فالمواطن لا يقيس التضخم بمؤشر اقتصادي مجرد، وإنما يقيسه بما تبقى في جيبه بعد نهاية الشهر. صحيح أن معدل التضخم السنوي قد يتراجع، لكن هذا لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة؛ فحين ترتفع الأسعار لسنوات، فإن انخفاض سرعة ارتفاعها لا يعيد للمواطن قدرته الشرائية التي فقدها. إن لغة الاقتصاد قد تقول إن التضخم انخفض، لكن السوق يقول للمواطن شيئاً آخر: الخضر أغلى، والنقل أغلى، والسكن أثقل، والتعليم أكثر كلفة، والعلاج أكثر إنهاكاً للميزانية. وهنا تظهر المسافة بين الاقتصاد الكلي والاقتصاد المعيشي. فالدولة تستطيع أن تحقق توازناً في بعض المؤشرات، لكنها لا تستطيع أن تقنع المواطن بأن وضعه تحسن إذا كان راتبه لا يكفي حاجاته الأساسية.

وهذه المسافة بين الرقم الرسمي والتجربة اليومية هي التي تنتج أزمة الثقة. فالمواطن لا يريد أن يسمع فقط أن الاقتصاد ينمو؛ يريد أن يعرف كيف انعكس هذا النمو على حياته. ولا يريد أن يسمع أن البلاد تستقطب الاستثمارات؛ يريد أن يعرف كم وظيفة مستقرة خلقتها هذه الاستثمارات، وما أجورها، وما شروطها. ولا يريد أن يسمع أن الدولة تنفق المليارات؛ يريد أن يعرف لماذا لا تزال المدرسة العمومية تعاني، ولماذا لا يزال المستشفى العمومي عاجزاً عن تلبية الحاجات، ولماذا يظل السكن اللائق بعيداً عن متناول فئات واسعة. وهنا يصبح السؤال: تنمية لمن؟

ثم تأتي قضية السكن وهدم المنازل لتضع الدولة أمام امتحان آخر. فحين تهدم السلطات منزلاً بحجة البناء غير القانوني أو إعادة التهيئة أو تنفيذ مخطط عمراني، فإن المسألة لا تختزل في ورقة إدارية. المنزل ليس مجرد إسمنت؛ إنه ذاكرة، وأسرة، وأمان، ومكان نشأة، وامتداد اجتماعي. وإذا كان القانون ضرورياً لتنظيم المجال، فإن دولة القانون لا تعني تطبيق القانون بالقوة فقط، وإنما تعني أيضاً حماية حقوق المتضررين، وتوفير ضمانات قضائية حقيقية، وإيجاد بدائل سكنية عادلة، وعدم تحويل الفئات الهشة إلى مجرد عائق أمام مشاريع عمرانية أو استثمارية.

فما معنى التنمية إذا كان الإنسان الذي يفترض أن يستفيد منها هو أول من يدفع ثمنها؟ وما معنى المدينة الحديثة إذا كان تحديثها يبدأ بإزاحة الفقراء من المجال الذي عاشوا فيه؟ إن المدينة التي لا تتسع للفقراء ليست مدينة حديثة، وإنما مدينة تعيد توزيع المجال وفقاً للقوة الاقتصادية. وهنا مرة أخرى تعود الرعوية في صورة جديدة: فبدلاً من أن يكون السكن حقاً، يصبح الحصول عليه امتيازاً؛ وبدلاً من أن تكون المدينة فضاءً مشتركاً، تتحول إلى مجال يحدد فيه الأقوياء من يحق له أن يبقى ومن يجب أن يرحل.

لكن الامتحان الأكبر للمواطنة يظل في مجال الحرية السياسية. فلا يمكن الحديث عن مواطن كامل الحقوق إذا كان حقه في التعبير مشروطاً بعدم تجاوز الحدود التي ترسمها السلطة. ولا يمكن الحديث عن دولة قانون إذا كان الصحفي أو الناشط أو المعارض يشعر بأن مهنته أو موقفه السياسي يمكن أن يحوله إلى هدف للعقاب. والاعتقال السياسي، متى ثبت، ليس مجرد عقوبة تقع على شخص بعينه؛ إنه رسالة إلى المجتمع بأكمله. فالاعتقال لا يسكت المعتقل وحده، وإنما يدفع الآخرين إلى مراقبة كلماتهم، وحذف آرائهم، وممارسة الرقابة الذاتية على أنفسهم. وهكذا تصبح الدولة حاضرة حتى عندما لا تتدخل، لأن الخوف منها يصبح جزءاً من سلوك المواطن.

وهذا هو أخطر أشكال السلطة: السلطة التي لا تحتاج إلى أن تقول دائماً "لا تتكلم"، لأن المواطن تعلم مسبقاً متى يجب أن يصمت. إن المجتمع الديمقراطي لا يقاس بعدد الأصوات التي تؤيد السلطة، وإنما بمقدار المساحة التي تستطيع الأصوات المعارضة أن تتحرك فيها دون خوف. فالمعارضة ليست خيانة، والاحتجاج ليس مؤامرة، والنقد ليس عداءً للوطن. بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع تحمل النقد لأنها لا تخاف من مواطنيها.

أما الدولة التي ترى في كل احتجاج تهديداً، وفي كل معارضة مؤامرة، وفي كل نقد مساساً بالثوابت، فإنها تعترف ضمناً بأن شرعيتها السياسية هشة إلى درجة تجعلها عاجزة عن احتمال الاختلاف. ومن هنا يصبح مفهوم "الاستقرار" نفسه بحاجة إلى إعادة تعريف. فالاستقرار ليس أن يصمت الناس؛ الاستقرار هو أن يستطيعوا الكلام دون خوف. والاستقرار ليس أن تختفي الاحتجاجات؛ الاستقرار هو أن توجد مؤسسات تستطيع استقبال الاحتجاج وتحويل مطالبه إلى سياسات. والاستقرار ليس غياب المعارضة؛ الاستقرار هو وجود نظام يستطيع أن يتعايش معها. أما الصمت الناتج عن الخوف، فليس استقراراً؛ إنه هدنة اجتماعية مؤقتة.

وهنا نعود مرة أخرى إلى "أسطورة البطل". فكلما ازدادت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى البطل: البطل الذي سيحل البطالة، والبطل الذي سيخفض الأسعار، والبطل الذي سيجلب الاستثمار، والبطل الذي سيحقق التنمية، والبطل الذي سيضمن الاستقرار. لكن المجتمعات لا تبنى بالأبطال؛ المجتمعات تبنى بالمؤسسات.

والدولة الحديثة لا تحتاج إلى حاكم خارق يعرف كل شيء، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تستطيع العمل حتى عندما يخطئ الحاكم. فالحاكم العادل لا يغني عن القضاء المستقل، والحاكم الحكيم لا يغني عن البرلمان الفاعل، والحاكم الصالح لا يغني عن الصحافة الحرة، والحاكم المتواضع لا يغني عن آليات المحاسبة. لأن المشكلة ليست في العثور على الشخص الصالح فقط، وإنما في بناء نظام يمنع الشخص غير الصالح من تحويل السلطة إلى استبداد.

وهذه هي الحكمة العميقة للديمقراطية: الديمقراطية لا تقوم على الثقة العمياء في الحاكم، وإنما على عدم الثقة المطلقة في السلطة. ولهذا تبني المؤسسات بعضها فوق بعض، وتراقب بعضها بعضاً، وتحدد لكل سلطة حدودها. فالسلطة التي لا تُراقب تميل إلى التوسع، والسلطة التي لا تُحاسب تميل إلى الاعتقاد بأنها فوق الخطأ، والسلطة التي لا تسمع إلا المديح تنتهي إلى تصديق دعايتها الخاصة.

ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن تصبح السلطة أسيرة للصورة التي صنعتها عن نفسها. فحين يقال للحاكم دائماً إنه عظيم، يصبح الاعتراف بالفشل مستحيلاً. وحين يقال للمؤسسات دائماً إنها ناجحة، تصبح الأخطاء غير مرئية. وحين يقال للشعب دائماً إنه محظوظ لأنه يحكمه فلان، يصبح الشعب نفسه غير مطالب ببناء مؤسساته. وهكذا تعيد "أسطورة البطل" إنتاج نفسها. إنها لا تحتاج إلى القمع وحده؛ يكفي أن تقنع الناس بأن لا بديل لها.

وهنا تكمن خطورتها، لأن أخطر أشكال الاستبداد ليس ذلك الذي يقول للناس: "أنا قوي"، وإنما ذلك الذي يقنعهم بأنهم لا يستطيعون العيش بدونه.

إن الخروج من الرعوية لا يعني بالضرورة هدم الرموز، ولا يعني بالضرورة إلغاء الملكية، وإنما يعني شيئاً أعمق: نزع القداسة عن السياسة. فالملك، مهما علت مكانته الرمزية والسياسية، لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المؤسسات. والدولة أكبر من الحكومة، والوطن أكبر من السلطة، والمواطن أكبر من أن يكون مجرد رعية.


وهنا ينبغي أن نعيد تعريف الوطنية نفسها. فالوطنية ليست أن تصفق دائماً، وليست أن توافق دائماً، وليست أن تسكت حين ترى الظلم. الوطنية الحقيقية هي أن تعتبر الوطن ملكاً مشتركاً، وأن ترى أن الدفاع عنه يبدأ بالدفاع عن كرامة مواطنيه وحقوقهم. فالذي يطالب بتعليم أفضل لا يهاجم الوطن، والذي يطالب بمستشفى أفضل لا يهاجم الوطن، والذي يحتج على البطالة لا يهاجم الوطن، والذي ينتقد الفساد لا يهاجم الوطن، والذي يطالب بالعدالة لا يهاجم الوطن.

بل ربما يكون الخطر الحقيقي على الوطن هو أن يتحول المواطن إلى شخص فاقد للأمل، مقتنع بأن لا شيء يمكن تغييره. فالمجتمع الذي يفقد الأمل لا يحتاج إلى أن يثور؛ يكفي أن ينصرف: أن ينصرف الشباب إلى الهجرة، وأن ينصرف المتعلمون إلى الخارج، وأن ينصرف المواطن عن السياسة، وأن ينصرف الناس عن المؤسسات، وأن يصبح الانتماء مجرد بطاقة هوية، بينما ينفصل الوجدان عن الدولة.

وهذه القطيعة الصامتة أخطر أحياناً من الاحتجاج الصاخب، لأن الاحتجاج يعني أن الناس ما زالوا يؤمنون بإمكانية التغيير، أما اللامبالاة فهي إعلان عن موت الثقة.

ومن هنا فإن المطلوب ليس إنتاج عرض سلطاني أكثر إبهاراً، ولا بناء صورة أكثر لمعاناً للحاكم، وإنما بناء علاقة سياسية جديدة بين الدولة والمجتمع؛ علاقة لا يكون فيها المواطن طالباً للعطف، وإنما صاحب حق؛ لا ينتظر فيها المكرمة، وإنما يطالب بتنفيذ القانون؛ لا يبحث فيها عن واسطة، وإنما يحتكم إلى المؤسسة؛ لا يخاف فيها من الموظف، وإنما يعرف أن الموظف خادم للمرفق العمومي؛ لا يخاف فيها من الصحافة، وإنما يعتبرها حقاً؛ ولا يخاف فيها من المعارضة، وإنما يراها جزءاً طبيعياً من الحياة السياسية.

والمواطنة ليست كلمة تُكتب في الدساتير؛ إنها ممارسة يومية. إنها أن يشعر الإنسان أن صوته له قيمة، وأن شكواه لها طريق، وأن حقه لا يحتاج إلى شفاعة، وأن كرامته لا تحتاج إلى إذن، وأن القانون يحميه كما يطالبه، وأن الدولة لا تنظر إليه باعتباره رعية ينبغي تأديبها، وإنما مواطناً ينبغي احترامه.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل الملكية قادرة على تحقيق التنمية؟ بل: هل النظام السياسي، بكل مؤسساته، قادر على إنتاج مواطن كامل الحقوق؟ ليس السؤال: هل يستطيع الحاكم أن يتخذ القرار؟ بل: من يراقب القرار؟ ليس السؤال: هل توجد مشاريع؟ بل: من يستفيد منها؟ ليس السؤال: هل هناك نمو؟ بل: كيف توزع ثماره؟ ليس السؤال: هل هناك استقرار؟ بل: هل هذا الاستقرار قائم على الرضا أم على الخوف؟ ليس السؤال: هل هناك قانون؟ بل: هل القانون متساوٍ على الجميع؟ وليس السؤال: هل هناك انتخابات؟ بل: هل يستطيع المواطن من خلالها أن يغير فعلاً من يمارس السلطة؟

هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من لغة الرعية إلى لغة المواطنة، لأن المواطن لا يطلب من الحاكم أن يكون بطلاً؛ إنه يطلب منه أن يكون مسؤولاً. ولا يطلب منه أن يكون معصوماً من الخطأ؛ إنه يطلب منه أن يكون قابلاً للمساءلة. ولا يريد منه أن يمنحه حقوقه؛ إنه يريد أن يمارس حقوقاً أصيلة لا تحتاج إلى مكرمة.

وهنا بالضبط تتهاوى "أسطورة البطل". فحين يصبح المواطن واعياً بحقوقه، لا يعود بحاجة إلى بطل ينقذه. وحين تصبح المؤسسات قوية، لا يعود المجتمع بحاجة إلى شخص قوي. وحين يصبح القانون فوق الجميع، لا يعود الحاكم بحاجة إلى هالة القداسة. وحين تصبح المواطنة واقعاً، تنتهي الحاجة إلى الرعية.

إن الانتقال من الرعوية إلى المواطنة ليس حدثاً دستورياً فقط، وإنما تحول في الوعي. إنه انتقال من الاعتقاد بأن السلطة تمنح الحقوق إلى الاعتقاد بأن الحقوق سابقة على السلطة؛ ومن الاعتقاد بأن الحاكم هو مصدر الخير إلى الاعتقاد بأن المؤسسات هي أداة المجتمع لتحقيق الصالح العام؛ ومن انتظار "الرجل الذي سيغير كل شيء" إلى بناء نظام يستطيع فيه الجميع تغيير ما يجب تغييره.

وهذه ليست معركة ضد شخص بعينه، إنها معركة ضد فكرة: فكرة أن المجتمع لا يستطيع أن يعيش دون راعٍ؛ فكرة أن الحاكم يعرف أكثر من الجميع؛ فكرة أن الاعتراض خطر؛ فكرة أن الطاعة هي الوطنية؛ فكرة أن الفقر قدر؛ فكرة أن الغلاء ظرف؛ فكرة أن البطالة تحتاج إلى الصبر؛ فكرة أن الدين شأن تقني لا يحق للمواطن أن يسأل عنه؛ فكرة أن هدم بيت يمكن أن يكون مجرد ملف إداري؛ فكرة أن الاعتقال يمكن أن يكون بديلاً عن الحوار السياسي؛ وفكرة أن كل من يطالب بحقه يجب أن يقدم أولاً شهادة في الولاء و إن تفكيك هذه الأفكار هو بداية التحرر الحقيقي.

فالمجتمع لا يتحرر حين يتغير الحاكم فقط، وإنما يتحرر حين تتغير العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ولا يصبح المواطن مواطناً لأن الدولة تسميه كذلك؛ يصبح مواطناً حين يستطيع أن يقول: "هذا حقي"، دون أن يخشى أن يتحول السؤال إلى تهمة، وحين يستطيع أن يقول: "لقد أخطأتم"، دون أن يُتهم بأنه ضد الوطن، وحين يستطيع أن يقول: "أريد تغييراً"، دون أن يُطلب منه أولاً أن يثبت ولاءه. عندها فقط يمكن القول إننا غادرنا فعلاً المرحلة التيولوجية في تفسير السياسة والتاريخ. فالمستقبل لا تصنعه الكرامات، ولا تصنعه البركة، ولا تصنعه أسطورة البطل. المستقبل تصنعه المؤسسات، وتصنعه المعرفة، وتصنعه العدالة، وتصنعه المشاركة، وتصنعه المحاسبة.

والمجتمع الذي ينتظر بطلاً سيظل رعية، أما المجتمع الذي يبني مؤسسات لا تحتاج إلى بطل، فهو الذي بدأ يصبح مواطناً.لذلك فإن المعركة الحقيقية في المغرب ليست معركة البحث عن الحاكم المثالي، وإنما معركة الانتقال من مجتمع ينتظر الحل من فوق إلى مجتمع يصنع الحل من داخله؛ من الرعية إلى المواطن؛ من المكرمة إلى الحق؛ من الطاعة إلى المشاركة؛ من القداسة إلى المساءلة؛ ومن "العرض السلطاني" إلى الدولة التي يكون فيها الإنسان، لا الحاكم، هو الغاية الأولى للسياسة. وهنا فقط يمكن أن نعلن أن أسطورة البطل قد انتهت ، لا لأن البطل سقط، بل لأن المواطن استيقظ.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطاب جلالة الملك إلى الأمة في الذكرى الوطنية المجيدة
- المغرب في عهد محمد السادس: المليارات للمونديال... والشباب لل ...
- المغرب وإسبانيا وسبتة: من فتح الباب؟
- القاصر بين القانون والسياسة: من يتحمل مسؤولية حماية الأطفال ...
- الهجرة الجماعية من المغرب إلى سبتة... عندما تبدأ الأسئلة وتن ...
- المغرب : بعد خطاب عيد العرش ... أي استقرار نتحدث عنه؟
- المغرب : خطاب العرش... إنجازات على الورق وواقع يطرح الأسئلة
- على هامشِ الذِّكرياتِ
- عيد العرش في المغرب... بين طقوس الولاء وأسئلة الشرعية والعدا ...
- أزمة الحكم في المغرب: سلطة بلا محاسبة وأحزاب بلا سياسة
- الصحفي المغربي علي المرابط.. اعتقال عبثي وإفراج تحت الضغط؟
- علي المرابط… الصحافي المغربي الذي رفض الترويض فعاد إلى قبضة ...
- المغرب بين نشوة الانتصارات ومرارة الأزمات
- الطفل وسيم وكأس العالم... كيف سقط الإعلام الجزائري في مستنقع ...
- بين انتخابات المغرب ورئاسة الجزائر... هل أصبحت كرة القدم ستا ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون جماهيري… وسياسة تُدير ظهرها لمطالب ...
- المخزن في المغرب: الدولة التي تحكم ولا تُحاسَب
- المغرب بين مطرقة الفقر وسندان الاستبداد
- السابع عالميًا في كرة القدم... وال120 في التنمية: من يبتلع ث ...
- التدجين الكبير: كيف حوّل النظام المغربي الخوف إلى أسلوب حياة ...


المزيد.....




- هل ينتقل ألزهايمر حقا عبر عمليات نقل الدم؟
- الوجه المظلم لتخزين أوكرانيا كميات كبيرة من الغاز
- يُجبرون روسيا على شق طرق جديدة إلى القطب الجنوبي
- الانسحاب من منظمة معاهدة الأمن الجماعي يكشف حدود أرمينيا
- صواريخ سكالب الأوكرانية، بين الدعاية والخطر المميت
- نصف الأوكرانيين المجندين يحاولون الفرار
- ماذا أراد رئيس الـ -سي آي إيه- من زيارته الخاطفة لموسكو؟
- مباشر: مخاوف من انهيارات طينية جديدة في أعقاب فيضانات النيبا ...
- صراع حليفين بسوريا.. كيف تنظر أمريكا للتوتر بين تركيا وإسرائ ...
- نفط فنزويلا على طاولة واشنطن.. مفاوضات على -صفقة هائلة-


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - الملكية في المغرب: من الرعية إلى المواطن وتفكيك أسطورة البطل