أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - التدجين الكبير: كيف حوّل النظام المغربي الخوف إلى أسلوب حياة؟














المزيد.....

التدجين الكبير: كيف حوّل النظام المغربي الخوف إلى أسلوب حياة؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 06:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




تمكن النظام المغربي، عبر العقود التي أمضاها جاثمًا فوق تطلعات الناس، من ترويض الشعب وتخليصه من العنفوان الذي كان يميّزه، وتحويله إلى مجموعات من القطعان والطوائف والملل والمذاهب والأعراق. أقوام ضعيفة وخاضعة وصاغرة، مذعنة ومستسلمة لمصيرها، وعاجزة غير قادرة لا على تغيير واقعها ولا حتى على تحريكه.

سياسة التهجين التي اعتمدها هذا النظام تواصلت عبر عقود متتالية، وأدت إلى محصلة مرعبة في الواقع المغربي، حيث تجلت في المستويات المفزعة لمعدلات الفقر والأمية والتخلف الحضاري، وانتشار الجهل وشيوع القهر والاستبداد، وتفتت النسيج الاجتماعي، وظهور النزعات العرقية.

ومن الإنجازات العظيمة للنظام الشمولي المغربي نجاحه في تحديد آليات واضحة لدى المواطن المغربي للربط الجدلي بين العقاب الصارم الذي لا يرحم أحدًا ولا مهرب منه، وبين أي مظاهر تشير إلى الانحراف عن رؤية الحاكم، أو أي سلوكيات تمرد أو ردود فعل أو أقوال مخالفة تصدر عن البشر. وقد نجح النظام وأدواته القمعية في ترسيخ هذا المفهوم في عقول المواطنين، والذي يعني أن أي موقف مخالف سوف يؤدي إلى الردع وإنزال العقاب؛ إذًا لا بد من الخنوع والانقياد للإفلات من العقاب.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل يُستغل الدين من أجل التسويق لإمارة المؤمنين على أنها لا تُناقش ولا تُجادل، وكأنها مرسلة من الله. ونلاحظ ذلك في خطب الجمعة حين يعتلي الخطيب المنبر ليبدأ خطبته بقوله: «أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم»، وكأن أولي الأمر يطيعون الله والرسول حتى نطيعهم. فكيف لأمير المؤمنين أن تُعلَّق صوره في الحانات فوق زجاجات الخمر المتنوعة؟ وكيف لأمير المؤمنين أن يستحوذ على ثروات البلاد ليفقر العباد؟ أهذا ما كان يفعله جده الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كما يزعمون أنهم من أحفاده؟

إن أخطر ما يمكن أن تبلغه أي سلطة ليس احتكار القرار السياسي فحسب، بل النجاح في إقناع المجتمع بأن التغيير مستحيل، وأن الواقع القائم قدر لا يُرد، وأن الخضوع فضيلة بينما المطالبة بالحقوق مغامرة غير محسوبة العواقب. وعندما يصل المواطن إلى هذه المرحلة من اليأس، تصبح أدوات السيطرة أقل كلفة وأكثر فاعلية، لأن الرقابة تنتقل من مؤسسات الدولة إلى داخل عقول الناس أنفسهم.

وفي نظر منتقدي هذا الواقع، فإن الأزمة لم تعد اقتصادية أو اجتماعية فقط، بل أصبحت أزمة وعي وثقة ومستقبل. فالأجيال الجديدة تجد نفسها أمام انسداد في الآفاق، وتفاوت صارخ في توزيع الثروة والفرص، ومؤسسات عاجزة عن إقناع المواطنين بأنها تعمل من أجل الصالح العام. وبينما تتراكم مظاهر الثراء والنفوذ لدى فئات محدودة، تستمر معاناة فئات واسعة من المجتمع في مواجهة البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات الأساسية.

ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق نهضة حقيقية في ظل الخوف من النقد أو التضييق على الرأي المخالف. فالتقدم لا يولد من الصمت، والإصلاح لا يأتي من ترديد الشعارات، والعدالة لا تتحقق بمجرد الحديث عنها. إن المجتمعات القوية هي تلك التي تسمح بالمحاسبة، وتفتح المجال للنقاش الحر، وتخضع فيها السلطة، أيًا كان شكلها، للمساءلة أمام المواطنين.

ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف يمكن إطالة عمر الأزمات، بل كيف يمكن بناء دولة يشعر فيها المواطن بأنه شريك لا تابع، وأن كرامته مصونة وحقوقه محترمة، وأن ثروات بلاده تعود بالنفع على الجميع لا على فئات محدودة. ذلك أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على الخوف، بل على العدالة، ولا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالثقة والحرية والمسؤولية المشتركة.

وإذا كانت الشعوب قد أثبتت عبر التاريخ أن إرادتها قد تُؤجل لكنها لا تُلغى، فإن مستقبل أي أمة يبقى رهين قدرتها على استعادة المبادرة، وإحياء روح المشاركة، والإيمان بأن التغيير الممكن يبدأ أولًا من رفض الاستسلام للأمر الواقع، ومن التمسك بحق الإنسان في الحرية والكرامة والعدالة.

وفي النهاية، فإن أخطر ما تواجهه الأمم ليس الفقر وحده، ولا الاستبداد وحده، بل اعتياد الفقر والاستبداد حتى يصبحا جزءًا من المشهد اليومي الذي لا يثير غضبًا ولا يحرك ضميرًا. وحين يُطلب من المواطن أن يتخلى عن حقه في السؤال، وعن حقه في المحاسبة، وعن حقه في الحلم بمستقبل أفضل، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت حدود السياسة لتصبح أزمة وجود وكرامة.

قد تستطيع السلطة أن تفرض الصمت زمنًا، وأن تحاصر الأصوات الناقدة، وأن تزين الواقع بالشعارات والخطب والاحتفالات، لكنها لا تستطيع أن تلغي حقائق التاريخ. فالتاريخ لم يُكتب يومًا بأقلام المتملقين، ولم تصنعه الجموع الخائفة، بل صنعته الشعوب التي أدركت أن الكرامة ليست منحة، وأن الحرية ليست هبة، وأن الأوطان لا تُبنى بالخضوع بل بالمواطنة والعدالة والمساءلة.

ويبقى السؤال معلقًا: إلى متى يستمر هذا النزيف؟ وإلى متى يُطلب من الناس أن يدفعوا ثمن الأزمات التي لم يصنعوها؟ فمهما طال الليل، ومهما اشتدت قبضة السلطة، فإن الحقيقة تظل عصية على المصادرة، وتظل إرادة الشعوب أقوى من كل محاولات التدجين والإخضاع. ذلك أن الإنسان قد يصبر طويلًا على المعاناة، لكنه لا يتخلى إلى الأبد عن حقه في الحرية والكرامة والعدل.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مغرب الملاعب والمهرجانات... وأسئلة الفقر والاعتقالات
- المغرب بين الثروة المهدورة والسلطة المطلقة… أسئلة شعب مؤجلة
- حين يُختزل المغرب في 12 قرنًا: قراءة في التاريخ المنسي والشر ...
- بين إعلان بوريطة وصمت باريس: أيّ معاهدة تاريخية يُحضَّر لها ...
- المغرب يُنهب على الهواء مباشرة: من يسرق 44 مليار دولار سنويً ...
- المغرب: وطن يُحلب باسم الديمقراطية… من يحكم فعلًا؟
- من التنصّت إلى التجنيس: كيف تمدد النفوذ الإسرائيلي داخل المغ ...
- المغرب : حين يجوع الشعب ويزدهر العرش
- المغرب و الجزائر : حين يتقاتل الأشقاء على الشاشات يسرق الحكا ...
- المغرب بين ثروات القصر والسلطة: ما الذي يقال وما الذي لا يقا ...
- أحزاب الواجهة في المغرب و ديمقراطية الوهم: حين تتحول السياسة ...
- المغرب : حين تتحول الدولة إلى ضيعة ويصير الصمت عنوان المرحلة
- المغرب : وطنٌ يُباع وشعبٌ يُهان
- فاتح ماي في المغرب: عيدٌ بلا عمّال أم صرخةٌ في فراغ؟
- طقوس السلطة في المغرب: ديمقراطية الشكل واستبداد الواقع
- المغرب : مات الشعب… وعاش صاحب الجلالة : أزمة الحكم في المغرب ...
- المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر
- المغرب المختطف: سلطة تُحكم وشعب يُقمع
- مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خار ...
- حين تُهدم بيوت الفقراء وتُبنى إمبراطوريات العقار: من يحكم ال ...


المزيد.....




- كيف نجحت النسخة الأولى من مهرجان -ديزي تشين فيلدز- في جذب 45 ...
- الإمارات تعلق على تقرير جديد للجنة تقصي الحقائق في السودان
- الشرع يستقبل وفدا ألمانيا: سوريا تجاوزت مرحلة تبادل الثقة وف ...
- أسلحة المستقبل الروسية تحط في مصر
- مصر.. الأمن يكشف تفاصيل محاولة دهس فتاة بسبب نقطة النزول
- كوريا الجنوبية تدرس تقديم -مساهمة- لتأمين الملاحة في مضيق هر ...
- دولة قامت حول صومعة!
- الدفاع الروسية: أنظمة الدفاع الجوي تعترض وتدمر 490 طائرة مسي ...
- مقتل 5 أشخاص جراء الهجمات الأوكرانية على مقاطعة بيلغورود الر ...
- ألمانيا: اشتباه بتخريب متعمد بعد العثور على أجهزة مشبوهة بمح ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - التدجين الكبير: كيف حوّل النظام المغربي الخوف إلى أسلوب حياة؟