أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب: وطن يُحلب باسم الديمقراطية… من يحكم فعلًا؟















المزيد.....

المغرب: وطن يُحلب باسم الديمقراطية… من يحكم فعلًا؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 15:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس — صحفي باحث وناشط سياسي

ما الذي يحدث في المغرب؟ أهو استثناء سياسي حقيقي، أم مجرد عاصفة مؤجلة داخل نظام يتقن تجميل الأزمات بدل حلّها؟

لقد أصبح المغرب بقرةً حلوبًا، لا بالنسبة إلى الطبقة الأرستقراطية المغربية فحسب، بل تجاوز حليبها حدود الوطن ليصل إلى فرنسا. وقبل كتابة هذه السطور، أعادتني الذاكرة إلى عهد الحسن الثاني وخطاباته التي كان يلقيها بعفوية ودون اعتماد نصوص مكتوبة، وأتذكر جيدًا مقولته الشهيرة: «إن المغرب شجرة جذورها في إفريقيا وأغصانها في أوروبا».

لم تكن تلك العبارة وليدة الصدفة، بل جاءت من إدراك عميق بطبيعة التوازنات التي تحكم المغرب، باعتباره كنزًا استراتيجيًا مستقرًا في القارة الإفريقية. غير أن فرنسا ما تزال تجني ثمار هذا الكنز بسهولة، بعدما يُمهَّد لها الطريق من طرف نخبة مفرنسة ورثت عن الاستعمار كل ما هو خصب ومنتج، واستحوذت على مفاصل الاقتصاد والثروة.

ومن هنا، نلاحظ كيف عادت فرنسا، مرة أخرى، بكل قوتها لنهب ما تبقى من خيرات البلاد، ولكن هذه المرة تحت غطاء «الاستثمار» الذي تحول، في نظر كثيرين، إلى شكل جديد من أشكال الاستغلال. فقد حصلت الشركات الفرنسية على أهم الصفقات الكبرى: من ترامواي الرباط ـ سلا، إلى مشروع القطار فائق السرعة الرابط بين طنجة والدار البيضاء، ثم لاحقًا مراكش وأكادير، فضلًا عن مشاريع الطاقة الشمسية، ومصانع «رونو»، وقطاع الأبناك مثل القرض الفلاحي والشركة العامة وغيرها.

وعلينا ألّا ننسى كذلك الاستثمارات الإماراتية في القطاعات الحيوية، خاصة ما يتعلق بالموانئ وقطاع الاتصالات، حتى بات المواطن المغربي يشعر وكأنه سيحتاج مستقبلًا إلى تأشيرة إماراتية لولوج شواطئ بلاده وموانئها. وليس هذا فحسب، بل إن الحضور الإسرائيلي في المجال الفلاحي يتوسع بدوره بشكل لافت، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن الأمن الغذائي للمغاربة، خصوصًا مع الحديث عن استعمال بذور جينية تعطي محصولًا لمرة واحدة فقط، ما يكرّس التبعية الزراعية والغذائية للخارج.

وكل ذلك يحدث، في نظر منتقدي السلطة، في إطار تحالفات سياسية واقتصادية هدفها الأساسي ضمان استمرار النظام القائم، وحماية شبكة المصالح التي تستحوذ على مفاصل الدولة والثروة معًا . وفي المقابل، لا يُمنح أبناء الشعب سوى فرص شغل محدودة وهامشية، غالبًا عبر الوساطات والمحسوبية، وبأجور زهيدة لا تقارن بحجم الأرباح التي تجنيها تلك الشركات متعددة الجنسيات.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل المستثمرون المغاربة عاجزون فعلًا عن إنجاز مثل هذه المشاريع؟ وعلى سبيل المثال، لماذا لا تستثمر الشركة الوطنية للاستثمار، التي تغير اسمها إلى «مدى»، والتي تعود ملكيتها إلى المؤسسة الملكية، في مشاريع استراتيجية داخل البلاد بدل التوسع في إفريقيا فقط؟ أم أن تفويت هذه المشاريع لفرنسا تحديدًا يخفي مصالح أعمق وترتيبات غير معلنة؟

أما على المستوى الداخلي، فإن مشهد التعددية الحزبية يبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى مشروع ربحي منه إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية. فالمغرب يضم أكثر من ثلاثة وثلاثين حزبًا سياسيًا، أي بمعدل حزب لكل مليون مواطن تقريبًا.

فهل تمتلك هذه الأحزاب مصادر تمويل ذاتية؟ أم أن الدولة هي من تتكفل بميزانياتها السنوية وامتيازاتها المختلفة؟ لقد أصبح تأسيس حزب سياسي، بالنسبة إلى البعض، استثمارًا مضمون الأرباح، يفتح أبواب الدعم والامتيازات والنفوذ، أكثر مما يفتح أبواب التغيير والإصلاح.

أليس هذا استنزافًا لجيوب المواطنين تحت غطاء «التعددية السياسية»؟ وألا تحولت السياسة، في كثير من الأحيان، إلى تجارة مربحة بدل أن تكون وسيلة لخدمة المجتمع؟ ثم لماذا يُلام الشباب حين يخرج إلى الشارع مطالبًا بحقه في الشغل والصحة والكرامة؟ أم أن هذه البقرة الحلوب لا يُسمح بحلبها إلا لفرنسا والأحزاب الكرتونية التي تصادق بالإجماع على قرارات السلطة؟

لقد بيع في المغرب كل شيء تقريبًا: اليابسة والخضراء، وحتى الشباب أنفسهم دُفع بهم نحو قوارب الموت في البحر الأبيض المتوسط، وكأن الهجرة أصبحت وسيلة غير معلنة لتخفيف العبء الاجتماعي عن الدولة. أما الثروات السمكية، فصار الحديث عنها من المحرمات، لأن عائداتها — بحسب ما يراه كثيرون — تنتهي في حسابات خارجية بدل أن تنعكس على حياة المواطنين البسطاء.

وها هي طبول الانتخابات تبدأ في القرع فوق نار هادئة، وتعود الدكاكين السياسية إلى استعراض عضلاتها القديمة، بخطابات مستهلكة وشعارات محفوظة لا تحمل أي مشروع حقيقي للتغيير. لكن المشكلة ليست في هذه الأحزاب وحدها، بل في شعبٍ لم يستوعب بعد أن الحكومة، ورئيسها، وحدود صلاحياتها، تُرسم مسبقًا داخل دوائر القرار العليا، وأن الانتخابات ليست سوى ماكياج سياسي لتجميل صورة «الديمقراطية» أمام الداخل والخارج.

إنهم ممثلون بارعون فوق خشبة المسرح، يتبادلون الأدوار بإتقان، بينما النص الحقيقي يُكتب في مكان آخر. يتصارعون أمام الكاميرات، ويتبادلون الاتهامات، ثم يجلسون حول المائدة نفسها حين تُطفأ الأضواء. أما المواطن البسيط، فيبقى المتفرج الوحيد الذي يدفع ثمن التذكرة من قوته اليومي، دون أن يملك حق تغيير سيناريو المسرحية.

إن كل ما يعيشه المغرب اليوم من انتكاسات سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية، ومن تضييق على الحريات، واعتقالات سياسية، وتراجع لحقوق الإنسان، لا يمكن عزله عن طبيعة النظام القائم، حيث تُمارَس السلطة الحقيقية بعيدًا عن المحاسبة الشعبية والمؤسسات المنتخبة. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب ولا بعدد صناديق الاقتراع، بل بمدى قدرة الشعب على محاسبة الحاكم، وفصل السلط، وضمان استقلال القضاء، وحرية الصحافة، وكرامة المواطن.

لكن الواقع يكشف أن السلطة التنفيذية الحقيقية ما تزال متمركزة في يد المؤسسة الملكية، وأن الحكومات المتعاقبة ليست سوى واجهات لتدبير الغضب الاجتماعي وامتصاص الاحتقان الشعبي. لذلك، كلما تفاقمت الأزمات، جرى تحميل المسؤولية للحكومة، بينما يبقى مركز القرار بعيدًا عن أي مساءلة سياسية أو شعبية.

لقد أصبح المواطن المغربي يعيش بين مطرقة الغلاء وسندان البطالة، بينما تُصرف الملايير على مشاريع استعراضية لا تنعكس على حياته اليومية. مدارس منهارة، مستشفيات عاجزة، شباب يهاجر أو يغرق في البحر، وأسر تكافح من أجل البقاء، في الوقت الذي تتضخم فيه ثروات فئة محدودة تحتكر الاقتصاد والسلطة معًا.

والمفارقة المؤلمة أن كل من يرفع صوته بالنقد يُتهم بالخيانة أو المس بالمقدسات، وكأن حب الوطن يعني الصمت، وكأن الوطنية أصبحت مرادفًا للتصفيق والتطبيل. مع أن الأوطان لا تُبنى بالخوف، بل بالنقد والمحاسبة والعدالة والحرية.

إن المغرب لا تنقصه الثروات، بل تنقصه إرادة سياسية حقيقية لفصل السلطة عن الثروة، ولتحرير القرار الوطني من شبكات المصالح والامتيازات. فالشعوب لا تثور فقط بسبب الفقر، بل حين تشعر أن كرامتها تُسحق، وأن مستقبلها يُسرق أمام أعينها.

ويبقى السؤال الكبير: إلى متى سيظل الشعب يصدق الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والوعود نفسها؟ وإلى متى سيبقى الوطن حقل تجارب لمصالح الداخل والخارج، بينما المواطن البسيط يُطلب منه دائمًا الصبر، والتضحية، والصمت؟



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من التنصّت إلى التجنيس: كيف تمدد النفوذ الإسرائيلي داخل المغ ...
- المغرب : حين يجوع الشعب ويزدهر العرش
- المغرب و الجزائر : حين يتقاتل الأشقاء على الشاشات يسرق الحكا ...
- المغرب بين ثروات القصر والسلطة: ما الذي يقال وما الذي لا يقا ...
- أحزاب الواجهة في المغرب و ديمقراطية الوهم: حين تتحول السياسة ...
- المغرب : حين تتحول الدولة إلى ضيعة ويصير الصمت عنوان المرحلة
- المغرب : وطنٌ يُباع وشعبٌ يُهان
- فاتح ماي في المغرب: عيدٌ بلا عمّال أم صرخةٌ في فراغ؟
- طقوس السلطة في المغرب: ديمقراطية الشكل واستبداد الواقع
- المغرب : مات الشعب… وعاش صاحب الجلالة : أزمة الحكم في المغرب ...
- المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر
- المغرب المختطف: سلطة تُحكم وشعب يُقمع
- مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خار ...
- حين تُهدم بيوت الفقراء وتُبنى إمبراطوريات العقار: من يحكم ال ...
- قصيدة ساخرة : المغرب ، أبراجُ السلطان… وقبورُ المنسيين
- المغرب: مملكة الخوف… حين يحكم القمع وتنهب الثروات
- المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية ...
- من المطالبة بالكرامة إلى زنزانات السجون: الوجه الخفي للسلطة ...
- قصيدة :المغرب مملكة السراب
- المغرب: الكارثة التي كشفت كل شيء… أين ذهبت 12 مليار دولار؟


المزيد.....




- شاهد ما قالته ابنة حارس أمن قُتل في حادثة إطلاق النار في سان ...
- الفائزة بمسابقة الأغنية الأوروبية دارا تحول صوفيا إلى احتفال ...
- -ازرعوها بلحيتنا-.. أحمد الشرع يحاول احتواء غضب أهالي محافظة ...
- بوتين يعزز التقارب مع الصين برهانات الطاقة والأمن العالمي
- أرسنال يتوج بلقب الدوري الإنكليزي.. احتفالات صاخبة في لندن ب ...
- -قوة سيبيريا 2-... مشروع ضخم لأنابيب الغاز يثير شهية روسيا م ...
- لا تحرم نفسك من حلوى العيد.. 6 عادات ذكية توازن بين -لذة الك ...
- الألعاب الحصرية تعود واللاعب يدفع ثمن حرب المنصات
- لون اللحم لا يكفي لضمان نضجه.. كيف تضمنين لعائلتكِ وجبة آمنة ...
- طعم غني ودهون أقل.. دليلك لطهي لحوم الأضاحي بطريقة صحية


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب: وطن يُحلب باسم الديمقراطية… من يحكم فعلًا؟