أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية بمداد الإنكار














المزيد.....

المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية بمداد الإنكار


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 23:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

إنّ الاعتقالات السياسية في المغرب لم تعد خافية على أحد، ولم يعد النقاش يدور حول وجودها من عدمه، بل حول طبيعة هذا القمع وأدواته وسبل التمويه التي يعتمدها النظام لإخفاء معالمه. فالمشكلة لا تكمن في الاعتقالات بحد ذاتها فقط، بل في ما يرافقها من غموض متعمّد، وتضليل ممنهج، وسرديات رسمية تحاول طمس الحقيقة وتزييف الوقائع.


كم من معتقلٍ لفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب داخل مخافر الشرطة القضائية أو أقبية الفرقة الوطنية، لتسارع النيابة العامة بعد ذلك إلى إصدار بلاغات جاهزة تعلن فيها أنّ الوفاة كانت نتيجة “انتحار”، في سيناريو يتكرر بشكل يثير السخرية بقدر ما يثير الغضب. هذه البلاغات لم تعد تقنع أحداً، بل أصبحت في نظر شريحة واسعة من المغاربة أداة لتبييض الانتهاكات بدل كشفها، وهو ما عمّق فجوة انعدام الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية.

ولا تقتصر هذه الانتهاكات على جدران السجون ومراكز الاعتقال، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تحوم الشكوك حول حوادث واغتيالات غامضة طالت شخصيات معروفة، كما حصل مع البرلماني الزايدي، والوزير باها، والطبيب العسكري مراد. في كل مرة، تُقدَّم الرواية الرسمية باعتبارها الحقيقة المطلقة، لكن الرأي العام لم يعد يتلقاها بنفس السذاجة، بل صار يتعامل معها بكثير من الريبة والتشكيك، في ظل غياب تحقيقات شفافة ومستقلة.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجلى أيضاً في طريقة التعامل مع المعتقلين السياسيين داخل السجون، خاصة عندما يلجؤون إلى الإضراب عن الطعام كوسيلة احتجاج أخيرة. ففي مثل هذه الحالات، وخلال زيارات الأهالي، تسارع إدارات السجون إلى إخفاء الحقيقة، مكتفية بإخبار العائلات بأن المعتقل “لا يرغب في زيارة أحد”، في محاولة لطمس واقع وضعه الصحي أو احتجاجه. وقد تكرّر هذا السيناريو كما حصل مع سعيدة العلمي مؤخراً، حين فقد أهلها الاتصال الهاتفي بها، في ظروف أثارت الكثير من التساؤلات والقلق، وعكست مرة أخرى حجم التعتيم الذي يحيط بأوضاع المعتقلين.

وإذا عدنا إلى التاريخ، فإن جذور هذا العنف ليست وليدة اللحظة، بل تمتد إلى عصور سابقة، حيث ارتبطت السلطة منذ نشأتها بأشكال قاسية من التحكم والقمع. فالروايات المتداولة حول السلطان إسماعيل، مؤسس مدينة مكناس، تشير إلى أنه بنى أسوار المدينة بجثث العمال الذين كانوا يموتون تحت وطأة الأشغال الشاقة، حيث كانوا يُدفنون في الجدران بدل الحجارة. كما يُنسب إليه إنشاء ما عُرف بـ“سجن المتاهة”، وهو فضاء تحت الأرض يُلقى فيه السجناء ليتيهوا في دهاليزه إلى أن يهلكوا. سواء أخذنا هذه الروايات بحرفيتها أو باعتبارها رمزية، فإنها تعكس صورة تاريخية لعلاقة السلطة بالعنف والإخضاع.

هذا الامتداد التاريخي يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تغيّر النظام فعلاً، أم أنّه لا يزال يعيد إنتاج نفس الأساليب بوسائل أكثر حداثة؟ الواقع يشير إلى أن جوهر الممارسة لم يتبدل كثيراً، بل إنّ آليات القمع تطورت لتصبح أكثر دهاءً، تجمع بين العنف المباشر والتضليل الإعلامي والتوظيف السياسي للمؤسسات.

إنّ النظام المغربي، منذ سيطرته على الحكم، لم يُظهر إرادة حقيقية في القطع مع هذه الممارسات، بل استمر في تدوير نفس المنطق القائم على الإفلات من العقاب، والتحكم في القضاء، وتكميم الأصوات المعارضة. ولذلك، فإن الحديث عن إصلاحات شكلية أو تغييرات سطحية لم يعد كافياً لإقناع الشارع، الذي بات يدرك أن المشكلة أعمق من مجرد تجاوزات معزولة.

وفي هذا السياق، يرى كثيرون أن أي تحول حقيقي يقتضي تغييراً جذرياً في بنية السلطة نفسها، لأن النظام، بصيغته الحالية، لم يتغير ولن يتغير ما لم يتم إسقاطه واستبداله بمنظومة سياسية تقوم على المحاسبة، واستقلال القضاء، واحترام كرامة الإنسان.

إنّ مستقبل المغرب لا يمكن أن يُبنى على إنكار الحقيقة أو دفنها، بل على مواجهتها بشجاعة، وفتح ملفات الماضي والحاضر دون خوف، ووضع حد لدوامة القمع التي لم تعد تنطلي على شعبٍ كسر حاجز الصمت، وأصبح أكثر وعياً بحقوقه، وأشد إصراراً على انتزاعها.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من المطالبة بالكرامة إلى زنزانات السجون: الوجه الخفي للسلطة ...
- قصيدة :المغرب مملكة السراب
- المغرب: الكارثة التي كشفت كل شيء… أين ذهبت 12 مليار دولار؟
- المغرب بين ثرثرة شعب… وصمت وطن: حين يصبح الكلام بديلا عن الك ...
- المغرب بين بريق الصورة وعتمة الواقع… حكاية شعب منهك
- المغرب بين مسرح الطاعة وكواليس الخوف
- المغرب: ثروات بالمليارات وشعب على الهامش: من يحاسب من؟
- المغرب: من دول بناها الشعب إلى نظام يحتكر الدولة بكل مفاصلها
- المغرب : لعنةُ الجوعِ على عرشِ الظلم
- المغرب بين خطاب التنمية ووجع المواطنين: الحقيقة الممنوعة
- حين تلهينا حروب الشرق الأوسط عن أسئلة الكرامة والثروة في الم ...
- الواجهة المزيفة للإنجازات: ثروات المغرب في يد الشركات الملكي ...
- ما بعد الاغتيال: الصحراء الغربية تدخل لعبة الرسائل الأمريكية ...
- إيران والحلفاء الوهميون: عندما تتراجع القوى الكبرى عن وعد ال ...
- الصحراء الغربية: تفاوض على التفاصيل وصمت عن الجوهر
- المغرب… فتات الخبز وظلال الطغاة
- فلسطين في سوق السياسة: مناضلون مزيفون وقضية تُستنزف
- من “صوموا لرؤيته” إلى “صوموا بقرار سيادي”: كيف أُفرغ النص من ...
- أيها المغاربة… هذه ليست كارثة طبيعية، هذه مرآتنا
- الدولة حين تُعلِن الكارثة… لحماية أملاك الملك


المزيد.....




- حظر أمريكي للملاحة نحو الموانئ الإيرانية بعد انهيار محادثات ...
- لبنان يتحرك لوقف الحرب عبر التفاوض وإسرائيل تواصل عملياتها ا ...
- حصار هرمز و-أسطول الأشباح-..كيف ستخنق واشنطن النفط الإيراني؟ ...
- كثرة المفاوضين لم تعوض ضيق الوقت.. محادثات إسلام آباد تنتهي ...
- تبادل الاتهامات بين إيران وأمريكا بعد فشل المحادثات واحتمال ...
- هل ينجح حصار موانئ إيران في فرض واقع جديد بهرمز؟
- كيف ستنفّذ أميركا حصار مضيق هرمز وما أبرز تحدياته؟
- صحيفة: ترامب يدرس توجيه ضربات عسكرية محدودة لإيران
- الإمارات والصين.. شراكة استراتيجية وعلاقات راسخة
- ترامب: سنعمل على فتح مضيق هرمز.. وتفعيل الحصار البحري


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية بمداد الإنكار