أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب: من دول بناها الشعب إلى نظام يحتكر الدولة بكل مفاصلها














المزيد.....

المغرب: من دول بناها الشعب إلى نظام يحتكر الدولة بكل مفاصلها


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 20:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

لفهم طبيعة الدولة في المغرب اليوم، لا يكفي استحضار الجذور التاريخية، بل يجب تتبع الخيط الناظم الذي يربط بين الماضي والحاضر، خصوصًا في ما يتعلق بأساليب الحكم وإدارة السلطة. فمنذ نشأة الدولة المرابطية، مرورًا بـالدولة الموحدية والدولة المرينية والدولة السعدية، ظل هناك، رغم كل التناقضات، نوع من التفاعل العضوي بين السلطة والمجتمع، حيث كانت الدولة تنبثق—بشكل أو بآخر—من ديناميات داخلية، وتستمد جزءًا من مشروعيتها من قدرتها على التوحيد والحماية والإنتاج.

لكن مع ترسخ الدولة العلوية، بدأ يتبلور نمط حكم مختلف، يقوم على مركزية شديدة للسلطة، وعلى توظيف مزدوج للدين والقوة. فالانتساب إلى النسب النبوي لم يكن مجرد رمزية، بل تحول إلى أداة سياسية تمنح الحكم حصانة معنوية، وتضعه فوق المساءلة. وقد تجسد هذا المنطق مبكرًا في عهد المولى إسماعيل، الذي أسس دولة قائمة على الولاء المطلق، وقمع أي مراكز قوة موازية، سواء داخل القصر أو خارجه.

غير أن الأخطر في هذا المسار ليس فقط ما وقع في القرون الماضية، بل استمرارية نفس الأنماط بأشكال حديثة. ففي عهد الحسن الثاني، دخل المغرب واحدة من أكثر مراحله قتامة، فيما عُرف بـ“سنوات الرصاص”. خلال هذه الفترة، لم تكن الاعتقالات السياسية استثناءً، بل أداة ممنهجة لضبط المجال السياسي. المعارضون، من يساريين وإسلاميين ونقابيين، تعرضوا للاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري.

أسماء مثل المهدي بن بركة، الذي اختُطف في باريس سنة 1965 في واحدة من أشهر القضايا السياسية الدولية، تظل شاهدة على مدى استعداد الدولة للذهاب بعيدًا في تصفية خصومها. كما برزت معتقلات سرية مثل تازمامارت، التي تحولت إلى رمز للرعب، حيث اختفى معارضون لعقود في ظروف لا إنسانية.

صحيح أن الدولة، في أواخر عهد الحسن الثاني، حاولت طي هذا الملف عبر إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، لكن ذلك لم يلغِ حقيقة أن تلك المرحلة أسست لثقافة سياسية قائمة على الخوف، وعلى ربط الاستقرار بالقمع.

ومع وصول محمد السادس، ساد انطباع أولي بوجود قطيعة مع الماضي، خاصة مع إطلاق سراح معتقلين سياسيين، وفتح المجال أمام خطاب حقوقي جديد. غير أن هذا الانطباع سرعان ما اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا. فبينما خفتت أشكال القمع الصارخة، برزت أساليب أكثر “نعومة”، لكنها لا تقل فعالية في ضبط المجال العام.

في السنوات الأخيرة، عادت الاعتقالات لتطال صحفيين ونشطاء، خاصة أولئك الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء المرتبطة بالقصر أو الأجهزة الأمنية. قضايا مثل اعتقال الصحفيين، أو نشطاء الحركات الاجتماعية، تعكس استمرار منطق التحكم، وإن بأدوات قانونية وإعلامية جديدة. لم تعد الاغتيالات السياسية تأخذ دائمًا الشكل الكلاسيكي، لكنها قد تظهر في صيغ أخرى: تشهير، محاكمات مثيرة للجدل، أو تضييق اقتصادي واجتماعي.

في هذا السياق، يصبح واضحًا أن الدولة العلوية لم تتخلَّ عن جوهرها، بل أعادت إنتاجه. فهي اليوم لا تعتمد فقط على القمع المباشر، بل على مزيج من السيطرة الاقتصادية—عبر مؤسسات مثل الهولدينغ الملكي المدى—والتحكم السياسي، والتأثير الرمزي عبر الدين.

إن أخطر ما في هذا النموذج ليس فقط ممارساته، بل قدرته على التكيف. فهو يقدم نفسه كدولة حديثة، منفتحة، ومستقرة، بينما يحتفظ في العمق ببنية تقليدية قائمة على تركيز السلطة. وهنا يكمن التناقض: تحديث في الشكل، واستمرارية في الجوهر.

إن قراءة هذا المسار بشكل نقدي وصريح تقود إلى خلاصة واضحة: ما لم يتم فصل حقيقي بين السلط، وضمان استقلال القضاء، ورفع القداسة عن المجال السياسي، فإن أي إصلاح سيظل محدودًا. فالدولة التي تهيمن على الاقتصاد، وتتحكم في السياسة، وتؤطر الدين، وتضبط الأمن، لا تترك مجالًا فعليًا لمجتمع حر أو لمؤسسات مستقلة.

وبين تاريخ طويل من الدول التي نشأت من المجتمع، وواقع دولة تعلو عليه، يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل يمكن كسر هذه الحلقة، أم أن التاريخ سيستمر في إعادة إنتاج نفس المنطق بأشكال مختلفة؟



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب : لعنةُ الجوعِ على عرشِ الظلم
- المغرب بين خطاب التنمية ووجع المواطنين: الحقيقة الممنوعة
- حين تلهينا حروب الشرق الأوسط عن أسئلة الكرامة والثروة في الم ...
- الواجهة المزيفة للإنجازات: ثروات المغرب في يد الشركات الملكي ...
- ما بعد الاغتيال: الصحراء الغربية تدخل لعبة الرسائل الأمريكية ...
- إيران والحلفاء الوهميون: عندما تتراجع القوى الكبرى عن وعد ال ...
- الصحراء الغربية: تفاوض على التفاصيل وصمت عن الجوهر
- المغرب… فتات الخبز وظلال الطغاة
- فلسطين في سوق السياسة: مناضلون مزيفون وقضية تُستنزف
- من “صوموا لرؤيته” إلى “صوموا بقرار سيادي”: كيف أُفرغ النص من ...
- أيها المغاربة… هذه ليست كارثة طبيعية، هذه مرآتنا
- الدولة حين تُعلِن الكارثة… لحماية أملاك الملك
- المغرب: دولة تنجو وشعب يغرق
- مفاوضات مدريد:الصحراء الغربية بين الحسم الأمريكي وحسابات الج ...
- الحدود على صفيح ساخن: الجزائر تتحرك والمغرب يواجه الطوارئ
- المغرب: فيضانات القصر الكبير… عندما تتحول الملكية التنفيذية ...
- المغرب والجزائر بين القمع والدعاية
- غار جبيلات: المغرب والجزائر وصمت المليارات… واختفاء جلول سلا ...
- المغرب بين السدود والموت: حين يصبح الماء امتيازاً والقرى ضحي ...
- قتل المهربين، حماية الشبكة: فشل استخباراتي منهجي على الحدود ...


المزيد.....




- ألسنة اللهب تلتهم مبنى محكمة تاريخية في جورجيا
- واقعة تعود لعام 1972.. إدانة بيل كوسبي باعتداء جنسي وتعويض ي ...
- تفاصيل -مكالمة سرّية- بين ويتكوف وعراقجي.. ومصدر إيراني يكشف ...
- -ليس مجتبى خامنئي-.. مع أي شخصية إيرانية غامضة تتحادث مع واش ...
- حرب إيران قد تؤدي إلى موجة غلاء عالمية
- -وأنت كيف حالك؟-: تسجيل تفاصيل الحرب في لبنان بالرسم والكلما ...
- كيف تحوَّل العراق إلى -مركز ثقل- لإيران في الحرب؟
- -ناسا- تخطط لإنفاق 20 مليار دولار لبناء قاعدة على سطح القمر ...
- فولكسفاغن تحول أحد مصانعها من السيارات لأنظمة القبة الحديدية ...
- أميركا تصعد عسكريا في إيران وتفتح باب التفاوض


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب: من دول بناها الشعب إلى نظام يحتكر الدولة بكل مفاصلها