أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب و الجزائر : حين يتقاتل الأشقاء على الشاشات يسرق الحكام الأوطان















المزيد.....

المغرب و الجزائر : حين يتقاتل الأشقاء على الشاشات يسرق الحكام الأوطان


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 23:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

في كل مرة يشتعل فيها الفضاء الرقمي بين المغاربة والجزائريين، لا يكون المنتصر هو هذا الطرف أو ذاك، بل السلطة التي نجحت مرة أخرى في توجيه الغضب الشعبي بعيدا عن جوهر الأزمة. بينما يغرق الناس في تبادل الشتائم والاتهامات حول التاريخ والرموز والتراث، تمر الأسئلة الحقيقية في صمت ثقيل: أين تذهب الثروات، من يملك القرار، من يحاسب الفاسدين، ولماذا تتسع دائرة الفقر والبطالة والتهميش رغم ما تزخر به المنطقة من إمكانات هائلة. ليست هذه المعارك سوى دخان كثيف يحجب عن المواطنين حقيقة أكثر قسوة: حين ينشغل الشعب بالشعب، يواصل أصحاب النفوذ اقتسام الغنيمة بعيدا عن أي مساءلة.

كلما ألقينا نظرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أول ما يثير الانتباه هو ذلك التراشق الكلامي الحاد بين المغاربة والجزائريين، وكأن هؤلاء ناطقون رسميون باسم أنظمتهم السياسية. فالمغاربة يصفون أشقاءهم الجزائريين بالكراعنة، بينما يصف بعض الجزائريين إخوانهم المغاربة بالعبيد. والمؤسف أن مثل هؤلاء لا يمثلون المغرب ولا الجزائر، لأنهم ببساطة ذباب إلكتروني يقتات من قمامة المخابرات ويؤدي وظيفة واحدة: إلهاء الشعبين عن مشكلاتهما الاقتصادية والسياسية والحقوقية التي يعاني منها الجميع. ومن السخرية أن بعض المحسوبين على النخبة يذهبون بعيدا في هذا العبث، فيتهم كل طرف الآخر بسرقة القفطان والزليج والجلباب وغير ذلك من عناصر التراث، بينما يغيب عنهم السؤال الأهم: من سرق ثروات الشعوب ووزعها بين الحكام وعائلاتهم والجنرالات وأصحاب النفوذ؟

إن المأساة الحقيقية في هذا المشهد لا تكمن في الشتائم المتبادلة بقدر ما تكمن في نجاح السلطة السياسية في تحويل وعي المواطنين من مساءلة السلطة إلى مساءلة بعضهم بعضا. فحين ينشغل المواطن بمهاجمة مواطن من الضفة الأخرى، يصبح أقل انتباها إلى ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع البطالة، وتدهور الخدمات العمومية، وتقلص هامش الحريات. وهكذا يتحول الغضب الشعبي الذي يفترض أن يتجه نحو مراكز القرار إلى غضب أفقي يستهلكه الناس فيما بينهم، وتتحول منصات التواصل إلى ساحات تنفيس مجانية تخدم في النهاية من يملكون السلطة والثروة.

لقد أدركت الأنظمة السياسية منذ زمن بعيد أن أخطر ما يمكن أن يواجهها ليس المعارضة المنظمة فقط، بل الوعي الشعبي النقدي. فالمواطن الذي يسأل عن المال العام، وعن توزيع الثروة، وعن العدالة الاجتماعية، وعن استقلال القضاء، وعن الحق في التعبير، يمثل مصدر إزعاج حقيقي. أما المواطن الذي ينخرط في معارك الهوية والرموز والاتهامات المتبادلة، فهو مواطن مستهلك للغضب لا أكثر. ولذلك ليس غريبا أن تتضخم في الفضاء الرقمي قضايا هامشية، بينما تختفي أو تتراجع النقاشات المتعلقة بالفساد والاحتكار وتضارب المصالح ونهب الموارد العامة.

ومن المؤلم أيضا أن هذا الانحدار لا يقتصر على الحسابات الوهمية أو الصفحات المجهولة، بل امتد أحيانا إلى أصوات محسوبة على النخب الثقافية والإعلامية. فبدل أن تقوم هذه النخب بدورها الطبيعي في تهدئة النفوس وتوجيه النقاش نحو القضايا الجوهرية، نجد بعض أفرادها يشاركون في إذكاء العصبيات ويمنحون الشرعية لهذا الانحدار. وعندما تفقد النخبة قدرتها على إنتاج خطاب عقلاني ومسؤول، فإنها تتحول من قوة تنوير إلى أداة إضافية في إعادة إنتاج الأزمة.

الحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن الشعب المغربي ليس عدوا للشعب الجزائري، كما أن الشعب الجزائري ليس خصما للشعب المغربي. بين الشعبين روابط أعمق بكثير من أن تقطعها حملات التحريض العابرة. هناك تاريخ مشترك، وجغرافيا واحدة، وذاكرة اجتماعية وثقافية وإنسانية متداخلة. الأسر موزعة على طرفي الحدود، واللهجات متقاربة، والعادات متشابكة، والأحلام الاجتماعية متشابهة. المواطن في البلدين يريد حياة كريمة، ومدرسة جيدة، ومستشفى محترما، وفرصة عمل تحفظ كرامته، ومؤسسات تحترم حقوقه. هذه هي الأولويات الحقيقية، لا السجال العقيم حول من يملك هذا الزي أو ذاك الطبق أو تلك القطعة من التراث.

والأخطر من ذلك أن هذه المعارك الوهمية تستنزف الطاقة السياسية والأخلاقية للمجتمع. فبدل أن تتشكل كتلة وعي مغاربية قادرة على مساءلة السياسات العمومية ومراقبة أداء السلطة، نجد أنفسنا أمام مجتمعات منهكة في حروب كلامية لا تنتج إلا مزيدا من الكراهية. وفي النهاية يخرج المواطن من هذه المعركة أكثر فقرا وأشد إحباطا، بينما يخرج أصحاب القرار أكثر اطمئنانا إلى أن الاهتمام الشعبي قد انصرف بعيدا عنهم.

إن منطق تحويل الشعوب إلى جماهير متنازعة ليس جديدا في التاريخ السياسي. فقد كان دائما من أسهل وسائل الحكم أن تخلق للناس خصومات جانبية حتى لا يلتفتوا إلى أصل المشكلة. وعندما تصبح الوطنية مجرد أداة لإسكات النقد الداخلي، فإنها تتحول من قيمة جامعة إلى وسيلة ابتزاز سياسي. الوطنية الحقيقية لا تعني ترديد الشعارات، بل تعني الدفاع عن مصالح المواطنين، وحماية المال العام، وترسيخ دولة القانون، وبناء مؤسسات خاضعة للمحاسبة.

ولهذا فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل صاحب رأي حر، وكل مثقف مستقل، وكل مواطن يرفض أن يتحول إلى مجرد رقم في جيوش الاستقطاب الرقمي. المطلوب ليس إنكار الخلافات السياسية بين الدول، فهذه الخلافات موجودة وقد تكون عميقة ومعقدة، لكن المطلوب هو منع تحويلها إلى عداء شعبي دائم. من حق الدول أن تختلف، لكن ليس من حق أحد أن يجعل الشعوب وقودا لهذا الاختلاف.

إن الخطوة الأولى نحو الخروج من هذا المأزق تبدأ باستعادة السؤال الأساسي: من يستفيد من انشغال المغاربة والجزائريين ببعضهم؟ من يربح عندما تتحول المنصات إلى ساحات سباب بدل أن تكون فضاءات مساءلة ونقاش؟ ومن يخسر عندما ينصرف الناس عن الحديث في العدالة الاجتماعية والفساد والحقوق والحريات؟

حين نطرح هذه الأسئلة بصدق، سنكتشف أن المعركة الحقيقية ليست بين الشعبين، بل بين من يريد للمواطن أن يبقى منشغلا بالقشور، ومن يريد له أن يفتح عينيه على جوهر الأزمة. وعندها فقط يصبح الوعي موقفا، ويصبح النقد مسؤولية، وتتحول الكلمة من أداة تحريض إلى أداة تحرير.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب بين ثروات القصر والسلطة: ما الذي يقال وما الذي لا يقا ...
- أحزاب الواجهة في المغرب و ديمقراطية الوهم: حين تتحول السياسة ...
- المغرب : حين تتحول الدولة إلى ضيعة ويصير الصمت عنوان المرحلة
- المغرب : وطنٌ يُباع وشعبٌ يُهان
- فاتح ماي في المغرب: عيدٌ بلا عمّال أم صرخةٌ في فراغ؟
- طقوس السلطة في المغرب: ديمقراطية الشكل واستبداد الواقع
- المغرب : مات الشعب… وعاش صاحب الجلالة : أزمة الحكم في المغرب ...
- المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر
- المغرب المختطف: سلطة تُحكم وشعب يُقمع
- مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خار ...
- حين تُهدم بيوت الفقراء وتُبنى إمبراطوريات العقار: من يحكم ال ...
- قصيدة ساخرة : المغرب ، أبراجُ السلطان… وقبورُ المنسيين
- المغرب: مملكة الخوف… حين يحكم القمع وتنهب الثروات
- المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية ...
- من المطالبة بالكرامة إلى زنزانات السجون: الوجه الخفي للسلطة ...
- قصيدة :المغرب مملكة السراب
- المغرب: الكارثة التي كشفت كل شيء… أين ذهبت 12 مليار دولار؟
- المغرب بين ثرثرة شعب… وصمت وطن: حين يصبح الكلام بديلا عن الك ...
- المغرب بين بريق الصورة وعتمة الواقع… حكاية شعب منهك
- المغرب بين مسرح الطاعة وكواليس الخوف


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب و الجزائر : حين يتقاتل الأشقاء على الشاشات يسرق الحكام الأوطان