أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - بين إعلان بوريطة وصمت باريس: أيّ معاهدة تاريخية يُحضَّر لها بين المغرب وفرنسا؟















المزيد.....

بين إعلان بوريطة وصمت باريس: أيّ معاهدة تاريخية يُحضَّر لها بين المغرب وفرنسا؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 18:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي


مؤخرًا، خرج وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في ندوة صحفية إلى جانب نظيره الفرنسي، وأشار إلى أن ملك المغرب محمد السادس سيقوم بزيارة رسمية إلى فرنسا من أجل التوقيع على “معاهدة تاريخية”، من دون أن يتطرق إلى طبيعتها أو مضمونها أو الأهداف السياسية المرتبطة بها. وأضاف، بصفته الممثل الدبلوماسي الرسمي للملك، أنه يسهر بشراكة مع الخارجية الفرنسية على إنجاح هذه الزيارة والإعداد لها في مختلف تفاصيلها.

حين صدر هذا التصريح، لم أرغب في التفاعل معه مباشرة، وفضّلت التريث، انتظارًا لما قد يصدر عن محللين سياسيين مغاربة أو فرنسيين، أو لما قد تحمله الأيام من تسريبات أو مؤشرات مرتبطة بالموضوع. غير أن ما حدث كان العكس تمامًا؛ إذ لم يشهد الملف أي تطور ظاهر، ولم تصدر توضيحات رسمية من الرباط أو باريس، بل ساد صمت دبلوماسي وإعلامي لافت، وكأن التصريح مرّ مرورًا عابرًا، رغم أن مضمونه سياسيًا ودبلوماسيًا لا يبدو تفصيلًا ثانويًا.

ولكي نتناول الموضوع بقدر من الموضوعية، لا بد أولًا من التوقف عند مسألة تبدو لغوية في ظاهرها، لكنها عميقة في بعدها السياسي والقانوني: الفرق بين “المعاهدة” و”الاتفاقية”.

فالمعاهدة، في المفهوم السياسي والقانوني، هي اتفاق دولي رسمي وشامل يُبرم غالبًا بين دولتين أو أكثر، ويتناول قضايا سيادية كبرى: سياسية أو أمنية أو عسكرية أو ترابية، مثل معاهدات السلام، والتحالفات الاستراتيجية، وترسيم الحدود، أو إعادة صياغة العلاقات بين الدول في مستوياتها العليا. وهي، بطبيعتها، تحتاج إلى إجراءات مصادقة رسمية داخل مؤسسات الدولة، وغالبًا ما تمر عبر السلطة التشريعية بصفتها ممثلة للإرادة الشعبية.

أما الاتفاقية، فهي مفهوم أوسع وأكثر مرونة، وغالبًا ما ترتبط بملفات تقنية أو اقتصادية أو اجتماعية أو تجارية، وقد تُوقَّع بين دول أو منظمات، ولا تمسّ عادة جوهر السيادة السياسية للدول بالشكل الذي تفعله المعاهدات.

وانطلاقًا من هذا الفرق، فإن استعمال وزير الخارجية المغربي لكلمة “معاهدة” بدل “اتفاقية” يبدو مقصودًا ويستحق التوقف.

فإذا أخذنا الاحتمالات السياسية المرتبطة بالمعاهدات، فإن أولها معاهدات السلام، غير أن هذا الاحتمال يبدو مستبعدًا، لأن المغرب وفرنسا لا توجد بينهما حالة حرب حتى يوقعا اتفاق سلام.

أما الاحتمال الثاني، وهو المتعلق بالتحالف العسكري أو الأمني، فيستحق التوقف عنده أكثر من غيره، لأن العلاقات العسكرية بين المغرب وفرنسا ليست وليدة الظرف الراهن، ولا يمكن فهمها فقط من خلال ما يجري اليوم داخل المؤسسات الرسمية، بل يجب قراءتها في سياق تاريخي أوسع يمتد إلى مرحلة الحماية الفرنسية على المغرب.

فالعلاقة بين الدولة المغربية وفرنسا لم تكن مجرد علاقة دبلوماسية عابرة، بل كانت، تاريخيًا، جزءًا من بنية سياسية وعسكرية تشكلت خلال فترة الحماية الفرنسية، حين فرضت باريس حضورها المباشر داخل المغرب، وأعادت ترتيب المجال السياسي والعسكري والإداري بما يخدم مصالحها الاستراتيجية داخل شمال إفريقيا. ومن هذا المنظور، يرى عدد من المتابعين أن المؤسسة العسكرية المغربية الحديثة تشكلت، في جزء مهم من بنيتها الأولى، داخل السياق العسكري الفرنسي؛ سواء من خلال الوحدات المغربية التي جُنّدت تحت القيادة الفرنسية، أو من خلال آلاف المغاربة الذين قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي خلال المرحلة الاستعمارية، داخل المغرب وخارجه، وفي جبهات أوروبية وإفريقية مختلفة، قبل أن يتحول جزء من هذا الإرث العسكري، بعد الاستقلال، إلى أحد المكونات التي ساهمت في بناء القوات المسلحة الملكية المغربية بصيغتها الحديثة.

ومن هنا، فإن الحديث اليوم عن “معاهدة تاريخية” مع فرنسا يفتح باب التساؤل حول طبيعة هذا الامتداد السياسي والعسكري: هل يتعلق الأمر فقط بتطوير التعاون الأمني والعسكري القائم أصلًا؟ أم أننا أمام إعادة تثبيت لعلاقة استراتيجية تمتد جذورها إلى ما قبل الاستقلال، لكنها تتخذ اليوم شكلًا جديدًا يناسب التحولات الإقليمية والدولية؟

ويزداد هذا التساؤل عمقًا حين يُطرح داخل النقاش العام المغربي ملف الذاكرة السياسية المرتبطة بالحماية الفرنسية نفسها. فهناك من يرى أن العلاقة بين الرباط وباريس لم تُغلق بشكل نهائي مع الاستقلال السياسي الرسمي، بل تحولت من صيغة الحماية المباشرة إلى صيغ مختلفة من الشراكة السياسية والاقتصادية والعسكرية طويلة المدى. ومن هذا المنظور السياسي، يذهب بعض المتابعين إلى التساؤل عمّا إذا كانت أي معاهدة جديدة قد تمثل فقط تطويرًا طبيعيًا للعلاقات الثنائية، أم أنها قد تُقرأ أيضًا باعتبارها امتدادًا لمسار تاريخي طويل، تسعى فرنسا من خلاله إلى الحفاظ على موقعها التقليدي داخل المغرب، بينما تسعى الرباط من خلاله إلى تأمين شبكة تحالفاتها الدولية وضمان توازناتها الإقليمية.

أما احتمال ترسيم الحدود، فهو بدوره غير منطقي من الناحية الجغرافية والسياسية، لأن المغرب وفرنسا لا تربطهما حدود برية أو بحرية مباشرة تستدعي اتفاقًا سياديًا من هذا النوع.

وهنا يبرز السؤال السياسي الحقيقي:

إذا لم تكن المعاهدة معاهدة سلام، ولا تحالفًا عسكريًا جديدًا بالمعنى التقليدي، ولا اتفاقًا حدوديًا، فما طبيعة “المعاهدة التاريخية” التي يجري الحديث عنها بين الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؟هل يتعلق الأمر بإعادة صياغة العلاقة المغربية الفرنسية في بعدها السياسي العميق؟ أم بإعادة توزيع المصالح الاستراتيجية بين البلدين في ظل التحولات التي تعرفها المنطقة، سواء في الساحل وغرب إفريقيا، أو في ملف الصحراء، أو في موقع المغرب داخل التوازنات الجديدة؟

ثم يبرز سؤال آخر أكثر حساسية داخل المغرب.

فالمعاهدات الكبرى، من حيث المبدأ، ليست مجرد إعلان دبلوماسي عابر، بل هي وثائق سيادية يفترض أن تُناقش داخل المؤسسات، وأن تُعرض على الجهات المختصة، وأن تخضع للمصادقة وفق ما تقتضيه قواعد الدولة الحديثة.

ومن هنا يبرز النقاش السياسي:

إذا كانت المعاهدة المرتقبة ذات طابع استراتيجي أو سيادي، فما موقع المؤسسات التمثيلية داخل المغرب منها؟
وما طبيعة النقاش العمومي الذي سيسبقها أو يرافقها؟
وما حدود اطلاع الرأي العام المغربي على مضمونها الحقيقي؟


هذه الأسئلة ليست أحكامًا مسبقة، لكنها أسئلة سياسية مشروعة يفرضها حجم التصريح نفسه، ويفرضها كذلك الصمت الذي أعقبه.

فما قيل لم يكن حديثًا عن اتفاق اقتصادي محدود أو زيارة بروتوكولية، بل عن “معاهدة تاريخية”.

والتاريخ السياسي يعلمنا أن المعاهدات الكبرى لا تُقرأ فقط من خلال نصوصها، بل من خلال توقيتها، وسياقها، والرسائل التي تحملها، وما قد تعنيه من إعادة تموضع سياسي طويل المدى.

لذلك، فإن هذا الملف يستحق المتابعة والنقاش الجدي.

فالصمت الدبلوماسي أحيانًا لا يعني غياب الحدث، بل قد يكون مؤشرًا على أن ما يجري التحضير له أكبر من أن يُعلن مبكرًا.

وإذا كانت الرباط وباريس فعلًا بصدد توقيع معاهدة تاريخية جديدة، فإن السؤال الذي سيظل مطروحًا ليس فقط: ماذا سيُوقَّع؟
بل أيضًا: ما الذي سيتغير فعليًا بعد التوقيع؟
وهل ستكون هذه المعاهدة بداية مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الفرنسية، أم إعادة ترتيب لعلاقة قديمة بلغة سياسية جديدة تفرضها تحولات المرحلة الدولية؟


وإلى أن تتضح الصورة، سيبقى تصريح ناصر بوريطة حدثًا سياسيًا مفتوحًا على أكثر من قراءة، وأكثر من تأويل. وبين الإعلان الرسمي والصمت الذي تلاه، تظل السياسة دائمًا مجالًا للأسئلة الكبرى، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمعاهدات توصف بأنها “تاريخية”، بينما تفاصيلها ما تزال غائبة عن الرأي العام المغربي.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب يُنهب على الهواء مباشرة: من يسرق 44 مليار دولار سنويً ...
- المغرب: وطن يُحلب باسم الديمقراطية… من يحكم فعلًا؟
- من التنصّت إلى التجنيس: كيف تمدد النفوذ الإسرائيلي داخل المغ ...
- المغرب : حين يجوع الشعب ويزدهر العرش
- المغرب و الجزائر : حين يتقاتل الأشقاء على الشاشات يسرق الحكا ...
- المغرب بين ثروات القصر والسلطة: ما الذي يقال وما الذي لا يقا ...
- أحزاب الواجهة في المغرب و ديمقراطية الوهم: حين تتحول السياسة ...
- المغرب : حين تتحول الدولة إلى ضيعة ويصير الصمت عنوان المرحلة
- المغرب : وطنٌ يُباع وشعبٌ يُهان
- فاتح ماي في المغرب: عيدٌ بلا عمّال أم صرخةٌ في فراغ؟
- طقوس السلطة في المغرب: ديمقراطية الشكل واستبداد الواقع
- المغرب : مات الشعب… وعاش صاحب الجلالة : أزمة الحكم في المغرب ...
- المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر
- المغرب المختطف: سلطة تُحكم وشعب يُقمع
- مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خار ...
- حين تُهدم بيوت الفقراء وتُبنى إمبراطوريات العقار: من يحكم ال ...
- قصيدة ساخرة : المغرب ، أبراجُ السلطان… وقبورُ المنسيين
- المغرب: مملكة الخوف… حين يحكم القمع وتنهب الثروات
- المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية ...
- من المطالبة بالكرامة إلى زنزانات السجون: الوجه الخفي للسلطة ...


المزيد.....




- مصادر تكشف لـCNN ما يتضمنه الاتفاق المرتقب بين أمريكا وإيران ...
- ترامب عن اتفاق إيران المحتمل: لا أبرم صفقات سيئة
- لماذا نريد أن يبقى لنا ذكر بعد موتنا؟
- -إيران لا تستطيع التخلي عن حلفائها-.. رسالة عراقجي إلى حزب ا ...
- ألمانيا.. تقرير حقوقي يحذر من تنامي العسكرة والضغوط على دولة ...
- في آخر ظهور له مع ليفربول...صلاح يودع أنفيلد وينال جائزة رجل ...
- ناشط أردني يروي شهادته حول الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الح ...
- من أمريكا أولا إلى أمريكا ضد الجميع.. ترمب يربك الحلفاء والخ ...
- نعيم قاسم: خسائر إسرائيل كبيرة جدا وما يحدث في الجنوب سيؤدي ...
- تأشيرات ترمب بين الهند أولا وأمريكا أولا


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - بين إعلان بوريطة وصمت باريس: أيّ معاهدة تاريخية يُحضَّر لها بين المغرب وفرنسا؟