أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - الطفل وسيم وكأس العالم... كيف سقط الإعلام الجزائري في مستنقع التضليل؟















المزيد.....

الطفل وسيم وكأس العالم... كيف سقط الإعلام الجزائري في مستنقع التضليل؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 08:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

لم أكن أتصور يومًا أن يبلغ الانحدار المهني ببعض المنابر الإعلامية حدّ التضحية بالحقيقة على مذبح الإثارة، وأن تتحول رسالة الإعلام، التي وُجدت أصلًا لكشف الوقائع وتنوير الرأي العام، إلى أداة لإنتاج الروايات وتغذية الأحقاد وصناعة الأعداء. ولا أقول ذلك تعميمًا، لأن التعميم ظلم، ولأن في الجزائر صحفيين وإعلاميين شرفاء لا يزالون يؤمنون بأن الكلمة مسؤولية، وأن الخبر أمانة، وأن المصداقية هي رأس مال الصحافة الحقيقي. لكن من حقنا أن نتوقف عند بعض المنابر التي اختارت أن تجعل من الإثارة بديلاً عن المهنية، ومن التحريض بديلاً عن الحقيقة.

لقد أثارت استغرابي الطريقة التي تناولت بها قناة النهار قضية الطفل وسيم، والأشد إثارة للأسف أن العديد من المنابر الإعلامية الجزائرية انساقت وراء الرواية نفسها، وتسابقت إلى إعادة نشرها وترويجها دون أن تكلف نفسها عناء التحقق من الوقائع أو مقارنتها بما تداولته وسائل إعلام أجنبية ومنصات رقمية ومقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع. وكأن السبق الإعلامي أصبح أهم من الحقيقة، وكأن إثارة الرأي العام أولى من احترام ذكاء المشاهد. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن العنوان لم يكن يسعى إلى نقل الوقائع بقدر ما كان يهدف إلى توجيه مشاعر المشاهد وإدانة طرف كامل قبل استكمال الصورة. وهذه ليست صحافة، بل محاكمة إعلامية تُصدر أحكامها قبل التثبت من المعطيات.

والأكثر إثارة للاستغراب أن الرواية التي تم تقديمها تضمنت معلومات قيل إنها لا تتطابق مع ما تداولته مصادر أخرى، إذ أشارت تلك الروايات إلى أن الطفل يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية ويحمل جنسيتها، وأن حضوره كان من أجل متابعة مباراة المنتخب المغربي أمام المنتخب الهولندي، وليس لمساندة المنتخب الجزائري كما رُوِّج. كما تداولت منصات إعلامية ومقاطع فيديو مشاهد تُظهر تجمع عدد من المشجعين المغاربة حول الطفل بعد أن ضل طريقه خارج الملعب، في محاولة لمساعدته وتأمينه حتى العثور على ذويه. وفي ظل وجود روايات متباينة، فإن أبسط قواعد العمل الصحفي تقتضي التريث والتحقق من مختلف المصادر، لا الانحياز إلى رواية واحدة وتقديمها على أنها الحقيقة المطلقة.

إن الإعلام الذي يختار العنوان المثير على حساب الدقة لا يخدع جمهوره فحسب، بل يعبث أيضًا بالسلم الاجتماعي ويغذي مشاعر الكراهية بين الشعوب. فالكلمة قد تكون أخطر من الرصاصة، لأنها تبقى في الذاكرة، وتؤسس لأحكام مسبقة، وتخلق عداوات قد تستمر سنوات طويلة. وما أسهل أن تشعل شاشة تلفزيونية نار الفتنة، وما أصعب أن تُطفأ بعد ذلك.

إن أخلاق المهنة ليست شعارًا يُرفع في المؤتمرات والندوات، بل هي ممارسة يومية تفرض على الصحفي أن يتحرى، وأن يستمع إلى جميع الأطراف، وأن يفرّق بين الخبر والرأي، وبين الوقائع والتأويلات. أما حين يتحول الإعلام إلى طرف في الصراع، فإنه يفقد صفته كوسيلة لإخبار الناس، ويصبح مجرد أداة للدعاية، مهما حاول أن يتزين بشعارات المهنية.

ومن المؤسف أن بعض المنابر الإعلامية لا تزال تستثمر في تأجيج الخلاف بين المغرب والجزائر، وكأنها لم تدرك بعد أن السياسة قد تختلف، لكن الشعوب لا ينبغي أن تُدفع ثمنًا لذلك الاختلاف. فالمغاربة والجزائريون لم يكونوا يومًا شعبين متعاديين، بل تجمعهم أواصر التاريخ والجغرافيا والدين واللغة والمصاهرة والمصير المشترك. ومن العبث أن يُختزل هذا الإرث الحضاري في عنوان صحفي مثير أو تقرير يفتقر إلى التوازن.

ولعل أقرب دليل على ذلك ما شهده المغرب خلال احتضانه منافسات كأس الأمم الإفريقية، حيث توافد آلاف الأشقاء الجزائريين إلى المدن المغربية، فاستُقبلوا بحفاوة، وتحدث كثير منهم عن حسن الضيافة وكرم الاستقبال، وعن المساعدة التي قدمها لهم المواطن المغربي دون أن يسألهم عن جنسيتهم أو انتمائهم. ولم تُسجل أي حوادث اعتداء ممنهجة ضد الجماهير الجزائرية، بل على العكس، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بشهادات وصور ومقاطع فيديو تُشيد بما لقيه الأشقاء الجزائريون من ترحيب واحترام وكرم. وهذه الوقائع تؤكد أن العلاقات بين الشعبين أكبر بكثير من أن تهزها حملة إعلامية أو عنوان مثير.

ولا يدعي عاقل أن أي مجتمع يخلو من التصرفات الفردية أو الأخطاء، فالحوادث قد تقع في كل دول العالم، وقد تصدر عن أفراد لا يمثلون إلا أنفسهم. لكن تحويل أي حادثة -خصوصًا إذا كانت ملابساتها محل اختلاف- إلى تهمة تُلصق بشعب كامل، هو ظلم لا ينسجم مع المنطق ولا مع أخلاقيات الصحافة. فالمسؤولية فردية، أما التعميم فهو لغة التعصب لا لغة الإعلام.

إن ما يثير القلق حقًا ليس تقريرًا واحدًا أو عنوانًا عابرًا، بل تكريس نمط إعلامي قائم على استغلال كل حدث لإعادة إنتاج خطاب العداء والكراهية. وهذا النهج لا يسيء إلى المغرب وحده، بل يسيء أولًا إلى الإعلام الجزائري نفسه، لأنه يفقده ثقة المشاهد، ويجعله أسير الرواية الواحدة، بينما تقوم الصحافة الحقيقية على التعدد والتوازن والبحث الدائم عن الحقيقة.

إن الإعلام الذي يخشى الحقيقة لا يستحق أن يسمى إعلامًا، والصحفي الذي يستبدل الوقائع بالشعارات لا يؤدي رسالته، بل يساهم في تضليل الرأي العام. فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، ولا إلى عناوين نارية، ولا إلى صناعة خصوم وهميين. الحقيقة أقوى من كل حملات الدعاية، لأنها مهما غُيبت، تجد طريقها في النهاية إلى الناس.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مشاهد على نفسه: هل وظيفة الإعلام أن ينقل الحقيقة كما هي، أم أن يصنع حقيقة تناسب أجندته؟ وهل أصبحت بعض القنوات تعتبر المشاهد مجرد وسيلة لرفع نسب المتابعة، ولو كان الثمن زرع الفتنة بين شعبين شقيقين؟

إن المغاربة والجزائريين سيبقون شعبين شقيقين مهما حاولت بعض الأبواق الإعلامية أن تنفخ في نار الفرقة، لأن ما يجمعهما من تاريخ وجغرافيا ودم ودين وثقافة أعمق بكثير من أن تمحوه نشرة أخبار أو تقرير تلفزيوني. أما الإعلام الذي يجعل من التضليل وسيلة، ومن الإثارة منهجًا، فإنه قد يحقق ضجيجًا مؤقتًا، لكنه يفقد أعظم ما يملكه الإعلام: ثقة الناس. وعندما تسقط المصداقية، يسقط معها كل شيء، ويبقى التاريخ شاهدًا على أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت أبدًا.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين انتخابات المغرب ورئاسة الجزائر... هل أصبحت كرة القدم ستا ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون جماهيري… وسياسة تُدير ظهرها لمطالب ...
- المخزن في المغرب: الدولة التي تحكم ولا تُحاسَب
- المغرب بين مطرقة الفقر وسندان الاستبداد
- السابع عالميًا في كرة القدم... وال120 في التنمية: من يبتلع ث ...
- التدجين الكبير: كيف حوّل النظام المغربي الخوف إلى أسلوب حياة ...
- مغرب الملاعب والمهرجانات... وأسئلة الفقر والاعتقالات
- المغرب بين الثروة المهدورة والسلطة المطلقة… أسئلة شعب مؤجلة
- حين يُختزل المغرب في 12 قرنًا: قراءة في التاريخ المنسي والشر ...
- بين إعلان بوريطة وصمت باريس: أيّ معاهدة تاريخية يُحضَّر لها ...
- المغرب يُنهب على الهواء مباشرة: من يسرق 44 مليار دولار سنويً ...
- المغرب: وطن يُحلب باسم الديمقراطية… من يحكم فعلًا؟
- من التنصّت إلى التجنيس: كيف تمدد النفوذ الإسرائيلي داخل المغ ...
- المغرب : حين يجوع الشعب ويزدهر العرش
- المغرب و الجزائر : حين يتقاتل الأشقاء على الشاشات يسرق الحكا ...
- المغرب بين ثروات القصر والسلطة: ما الذي يقال وما الذي لا يقا ...
- أحزاب الواجهة في المغرب و ديمقراطية الوهم: حين تتحول السياسة ...
- المغرب : حين تتحول الدولة إلى ضيعة ويصير الصمت عنوان المرحلة
- المغرب : وطنٌ يُباع وشعبٌ يُهان
- فاتح ماي في المغرب: عيدٌ بلا عمّال أم صرخةٌ في فراغ؟


المزيد.....




- السعودية.. الأمن العام يعلن ضبط 6 وافدين مارسوا أفعالا منافي ...
- رغد صدام حسين تحسم الجدل حول حقيقة -الابنة السرية- لوالدها ف ...
- كيف يحمي لقاح الإنفلونزا القلب؟!.. طبيب روسي يجيب
- علاج مناعي يحقق اختراقا واعدا في مكافحة أخطر أورام الدماغ
- النميمة ليست عادة سيئة.. بل ميزة تطورية تعزز الرغبة في الإنج ...
- اتفاق ترامب مع إيران – نظرة جديدة للشرق الأوسط
- واشنطن تعرف أين يمكن أن يسقط صاروخ -أوريشنيك- الروسي التالي ...
- الولايات المتحدة تطوّر سلاحًا نوويًا جديدًا
- هل في تقارب الولايات المتحدة مع أوزبكستان خطر على روسيا والص ...
- عراقجي حول حوار -سنتكوم- مع دول عربية: الغرباء عاجزون والسلا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - الطفل وسيم وكأس العالم... كيف سقط الإعلام الجزائري في مستنقع التضليل؟