|
|
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (24)
حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:27
المحور:
الادب والفن
صباح الخير حنان، الساعة السادسة صباح يوم 24 أبريل. قلت أكتب لك بعد أن تناولت فطوري: نصف رغيف خبز وبيضة، حصتي اليوم بيضة حسب أوامر أمي، وشربت شايًا، وها أنا ذا أدخن أول سيجارة في هذا اليوم. أمامي ساعة قبل أن أذهب إلى المدرسة. الجو نوعًا ما ربيعي، وبدأت درجات الحرارة ترتفع قليلًا، لكن الصباح لا يزال باردًا. أعرف أنك وصلتِ إلى ساحل البحر. كنت أتابع خطواتك. كان المفروض أن أوصلك بنفسي، لكنني فكرت: ربما في طريق العودة أضل الطريق! المرة القادمة سأفعل ذلك. اليوم في المدرسة لدينا نشاط تدريبي لمعلمي مدارس الخالص، في درس اللغة العربية للصف السادس، تقدمه معلمة من مدرستنا؛ أي إنه نوع من تبادل الخبرات. دعونا إليه هذا الصباح. أعرف أنك لا تزالين نائمة بسبب فارق التوقيت. نحن بدأنا التوقيت الصيفي منذ الأول من أبريل، يعني أن الفارق ساعة بيننا. أنتم ليس لديكم توقيت صيفي وشتوي، أليس كذلك؟ تقريبًا أنا مقتنع بأن الأمر يتعلق بشروق الشمس المبكر، ولذلك يقتضي الأمر تقديم الساعة. هذه المرة أكتب لك وأنا أمام الطاولة، لأنني بكامل أناقتي التي سأذهب بها إلى المدرسة. أعرف أن ربطة العنق لا تتناسب مع لون القميص، لكن من ينتبه إلى ذلك في ظروف الحصار؟ ثم إننا نحن الرجال المعلمين أقلية في المدرسة، والأغلبية معلمات. سبق أن حدثتك عنهن. طبعًا، أنا معاون المدير، ولدي مكتبي. ربما اصطحبك معي يومًا ما، إن سنحت الظروف. غرفتي هذه لا أغلقها عندما أخرج. أمي تتولى ترتيبها، وأحيانًا أرتبها أنا قبل خروجي، لكن اليوم فضّلت أن أكتب بدلًا من الترتيب. سأترك ترتيبها لخصلة الشعر التي مشطتُها قبل أن أتناول فطوري. مرات أجدها قد قفزت من الزهرية نحوي، تحاول أن تعاتبني لأنني لم أغسلها بماء دجلة. آخر مرة قلت لها: الجو بارد وأخشى عليكِ... المهم، سأغادر الآن. دمتِ لي.
أهلاً حنان، للتو تناولت الغداء. وجدت الدفتر كما هو، وخصلة شعرك في مكانها. رتبت غرفتي؛ إني أتعبها كثيرًا، حتى إن أمي قالت لي: «بدأت تعرف كيف ترتب سريرك وغرفتك». لم أحدثها عن السبب. على العموم، كان يومًا متعبًا في المدرسة. انشغلت بالدرس التدريبي ومتابعة الضيوف، وتطلب الأمر أن أبقى واقفًا على قدمي طوال الوقت. انتهى الأمر بنجاح الدرس، وخرج الجميع سعداء بذلك. يبدو أن كتابة رسالة طويلة جدًا تحدٍّ لم أدخله من قبل. سبق لي أن كتبت قصة قصيرة عندما كنت جنديًا في البصرة عام 1985. فكرت في إرسالها إلى جريدة عراقية، فأشار كريم، بعد أن قرأها، إلى أن أرسلها فورًا لأنها جميلة. كان الأمر يتطلب النزول إلى مدينة البصرة ووضعها في البريد، فتولى كريم الأمر لأنه من أبناء البصرة. بعد عشرة أيام كانت القصة منشورة في الجريدة. فرحت كثيرًا بها، وشعر كريم أنه كان السبب في ولادتها. نظر إليّ وقال: «حلو تكتب». ضحكت وقلت له: «أنت أحلى». لكن الكتابة لك لها طعم خاص، طبعًا ليس لأنك حنان، أو ملهمتي، أو حبيبتي، بل لأنك ابنة البحر التي تعلمت منها كيف أحلم وأسعى إلى تحقيق ذلك. كل رسالة لك ومنك هي سفر لي؛ أقطع هذه الحدود بسهولة. قد يأتي يوم تصبح فيه هذه الجغرافية مجرد خطوط وهمية، من يدري؟ قد تطوى كل هذه المسافات كما نطوي أوراق الرسائل. لا برنامج عندي بعد الظهر، والأفضل أن أنجز واجباتي في كتابة رسائل الدفتر. تعرفين، ضحكت كثيرًا اليوم عندما فكرت في رسائل جبران إلى مي، وغسان كنفاني إلى غادة السمان. أوراق أنيقة، ولغة فخمة، وكلمات تحتاج إلى قاموس لمعرفة معناها. كان كل منهم يستعرض عضلاته اللغوية أمام الآخر، وفي النهاية منحونا خيبة. زرعوا في أجيال كثيرة مفهومًا بأن الحب لعنة، وأن المسافات الطويلة كابوس، وغير ذلك. لهذا لا أشجع أحدًا على قراءة تلك الرسائل. ذات مرة، وفي نقاش مع صديق مثقف، قلت له: هؤلاء استثمر كل منهم رسائل الآخر للشهرة والكتابة، ولم يفكر أي منهم في أن يلتقي الآخر، خوفًا من اهتزاز صورته المتخيلة لديه. بمناسبة الصورة، سأخصص إحدى الصفحات القادمة لوضع صورة لي التقطت اليوم في المدرسة. المصور قال إنه سيسلمني إياها بعد غد. قد تعجبك، وإن لم تعجبك أعيدها إليه. أعرف أنها ستنال إعجابك حتمًا. وصلت الآن إلى الصفحة الخامسة، ومن الأفضل أن أواصل الحديث معك. طبعًا، نحن سنويًا نلتقط صورًا للطلاب، كلٌّ في فصله، للذكرى. عادة يقف معلمهم أو معلمتهم معهم، وبعض المعلمات يرفضن ذلك. ذات مرة قلت لإحداهن: لماذا لا تقفين مع تلاميذك؟ قالت: «أخجل، صورتي معهم سيراها أولياء أمورهم». قلت لها: «وهو أمر جيد، ممكن تعجب بك إحداهن وتخطبك لابنها أو حماها». ضحكت المعلمة، ووجدت أن الصور مع التلاميذ فرصة لدخول البيوت. وأنا ضحكت بدوري؛ لأنها اقتنعت. رغم أن العنوسة في العراق ليست ظاهرة مخيفة، إلا أن الحروب أخذت الكثير من الرجال، وهذا أمر طبيعي. المهم، عندما تطلع الصور بعد يومين، أضع لك صورتي. أترك الكتابة الآن؛ أمي تريدني أن أذهب إلى السوق لشراء بعض الحاجيات. دائمًا تقول إنك تجيد التبضع، لكنها تشتري هي لي ما أحتاجه. حتى نلتقي في أوراق أخرى، دمتِ لي. الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الأحد، 24 أبريل 1994.
أهلاً حنان، عدتُ مسرعًا من السوق الذي لا يبعد كثيرًا عنا. طلبت أمي أن أجلب بطاطا وطماطم، فجلبتهما مسرعًا. هذه زراعة محلية؛ الحصار جعل الفلاح العراقي يزرع بكثرة، ويحاول تغطية حاجة السوق، وأغلب البضاعة محلية وليست مستوردة. حتى هذا الدفتر محلي، من معمل الورق في البصرة. الورق ليس ناصعًا، لكنه ورق يمكن الكتابة عليه. ليس المهم نوع الورق، المهم ما يُكتب عليه... صح، أم أنا غلطان؟ نقلب الورقة الآن ونكتب بالقلم الجاف الأسود. هذه الأقلام، يا صغيرتي، مستوردة من بلاد «برا»، وصلتني من قارئة تونسية اسمها: ح... ن... ا... ن... فكرت أن أعزف على حروف اسمك: ح... حين نلتقي، أراقصك أمام البحر والقمر وثلاث قارات. ن... نمشي يدًا بيد عند ساحل البحر الذي يعرفنا ونعرفه. ا... أسمع صوتك كل صباح وقبل النوم، وأردد حروف اسمك سبع مرات، لعلي أحلم بك. ن... نحلم معًا بغد يجمعنا. أول مرة أجرب العزف على الحروف. ليس بالغزل هذا، لا أعرف أغازل، ولا حتى أعاكس. نحن جيل لم نُمنح هذه الفرصة؛ بالكاد بلغنا الثامنة عشرة حتى بدأت حياتنا بالحرب. ولما خلصت، كنا برأس أبيض، فجاءت حرب أخرى. لكني أسمع أم كلثوم. مرة في الجيش، كان الكل عنده راديو، وكانت أم كلثوم تغني: «خذ من عمري... عمري كله، إلا ثواني أشوفك فيها». كان معنا جندي قال: «مسكينة، تريد ثواني!» قلنا له: «هذه أغنية.» قال: «أي، أعرفها. كنا نسمعها ونحن نشرب الخمر في النادي.» ضحكنا وقلنا له: «وها أنت تسمعها الآن، وبيدك قدح شاي ثقيل!» فضحكنا، فسبقنا ظلنا. أشم رائحة عشاء... طبعًا تتعشين معنا. شو؟ مشاركة فقط؟ أنا أوصلك هذه المرة إلى بيتكم، لا تخافين. أمي تناديني للعشاء. خلاص، سأجلب لك سندويش. مفيش ببسي ولا عصير، عايزة شاي؟ موجود. دقائق وأعود.
مساء الخير صغيرتي، الساعة تقترب من الثامنة مساءً، بتوقيت صيفي كما قلت لك سابقًا. تعشيت وجلبت لك سندويش «تصبيرة» أيضًا. اليوم لن نتأخر، لأنني بعد ساعة سأذهب في مشوار مع أحد الزملاء في المدرسة لزيارة زميل لنا تعرض لوعكة صحية، وليس بعيدًا من هنا. سيمرّ بي ونذهب مشيًا. والمشي رياضة، خصوصًا بعد الأكل، حتى وإن كان خفيفًا... المهم أن نمشي. هذا الدفتر يحتاج إلى أسبوع حتى ينجز، وربما أقل، لأنني سأخصص بعض أوراقه لشرح معالم العراق، مثل الأطلس: خارطة صغيرة، وصور من مجلات قديمة عن دجلة والفرات، وكلكامش، وعشتار، وتموز... ليس الشهر، بل الإله. صحيح، الإله الذي أحبته عشتار ونزلت إلى العالم السفلي تبحث عنه. وأيضًا ستكون صورتي هدية العدد، كما في المجلات. طبعًا ستكون ملوّنة. وربما بعد عشرات السنوات تصبح هذه الصورة وثيقة تاريخية؛ عندما أفوز بجائزة نوبل، ساعتها ستقولين للصحافة: «لديّ منه رسائل موقعة بخط يده»، فتتركني الصحافة وتتجه نحوك! لماذا لا؟ كل شيء ممكن، خاصة وأنني كنت دائمًا آخذ عشرة من عشرة في الإملاء أيام كنت تلميذًا في الابتدائية! وقبل أن أصل إلى منتصف الدفتر، ذكّريني، لأنني سأترك ورقتي المنتصف فارغتين. أنت تكتبين فيهما رسالة لي. أما لماذا؟ كي نشعر معًا أن هناك أوراقًا كانت بيدي، ذهبت إليك، ثم عادت إليّ. لعلها تجعلنا نشعر أن الطريق إلى اللقاء ممكن. لا... ليست هذه هي الفكرة فقط. هذه الأوراق ستحمل بصماتنا؛ فيها دخان سجائري مني، وعطر الياسمين منك. وتخيلي كم ستكون هذه الأوراق سعيدة بنا. أسمع طرقات على الباب... يبدو أن زميلي جاء. دمتِ لي... نلتقي فيما بعد. الساعة الآن الثامنة وخمس وأربعون دقيقة من يوم الأحد، 24 أبريل 1994.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (23)
-
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (22)
-
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (21)
-
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (20)
-
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (19)
-
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (18)
-
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (17)
-
الفضائيون
-
قواعد اللعبة في سوريا
-
ال100 يوم: اعتراف ضروري لإنقاذ التعليم العراقي
-
حصار إيران بين الرغبة الأمريكية وواقع الجغرافية
-
العراق وبدائل هرمز
-
شراء المناصب والفساد
-
ثلاثة صراعات.. وتأثيرها على المنطقة العربية
-
ترمب وحصار إيران اقتصاديا لمن الغلبة ؟
-
أزمة السيولة النقدية في العراق
-
تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تكوين شخصية الطفل
-
لماذا لا يهدأ الشرق الأوسط؟
-
من دجلة الى قرطاج
-
الظرف الأبيض
المزيد.....
-
مقاطعة كراسنودار تنضم إلى مشروع -العمر الثقافي المديد-
-
بوتين يؤكد أهمية الإعلام في تعزيز الوحدة الوطنية ونشر القيم
...
-
التعليم العالي: جامعة الملك سلمان الدولية تنظم ورشة «اكتشف ا
...
-
-سباسات أغسطس-.. ثلاثة أعياد بطعم العسل والتفاح والجوز في رو
...
-
رحيل أيقونة البولكا.. وفاة الفنانة اليابانية يايوي كوساما عن
...
-
مهرجان التراث الإسلامي بكالغاري.. احتفاء بالتنوع وردّ حضاري
...
-
أسرة أحمد السقا تكشف حقيقة زواجه الجديد
-
الدفاع الروسية تعلق على فيديو زيلينسكي المزيف باقتباس من فيل
...
-
حملة المليون كتاب.. لبنان يتمسك بذاكرته في مواجهة التدمير ال
...
-
نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|