أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - الظرف الأبيض














المزيد.....

الظرف الأبيض


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 16:17
المحور: الادب والفن
    


في العاشر من آب/أغسطس 1976، كان القيظ في الخالص ثقيلاً حتى كاد الحلم يتبخر على عتبة القلب. كنتُ في الثانية عشرة من عمري، أغادر الصف السادس الابتدائي وأتهيأ لدخول المرحلة المتوسطة. وفي اللحظة نفسها، وعلى بُعد أربعة آلاف كيلومتر، عند شاطئ يطل على البحر الأبيض المتوسط، كانت طفلة تفتح عينيها للمرة الأولى.

سمّوكِ حنان.

منذ ذلك اليوم مضى كلٌّ منا في طريقه. كنتُ أكبر هنا، وتكبرين هناك، في مدينة تونسية، من غير أن يدري أحد بوجود الآخر. لكن الزمن كان، بصبرٍ لا يخطئ، ينسج بين حياتين خيطاً خفياً لم تكن تراه العين.

حين بلغتُ الثامنة عشرة، بنى لي أبي غرفةً صغيرة في ركن الدار. كانت أول مساحة أشعر أنها تخصني وحدي. هناك بدأت حياتي معلماً أقف أمام السبورة، أعلّم الأطفال حروفهم الأولى، وأحلم بمستقبل يتسع للكلمات.

وفي الضفة الأخرى من البحر، كنتِ تجلسين على مقعدكِ في الصف الأول الابتدائي، تتعلمين الألف والباء... الحروف نفسها التي ستكتبين بها اسمي بعد سنوات طويلة.

ومضت الأعوام.

كنتُ أضيف إلى عمري عاماً، وتضيفين إلى عمرك عاماً، من غير أن يلتقي الطريقان. كنتُ أعلّم، وأنتِ تتعلمين، بينما كان الزمن يختصر المسافات بصمت، ويؤجل موعداً لم يحن أوانه بعد.

ثم جاء الثاني والعشرون من شباط/فبراير 1993.

كان يوماً عادياً، حتى طرق ساعي البريد الباب، ووضع في يدي ظرفاً أبيض يحمل طابعاً تونسياً. وفي زاويته اسمٌ واحد...

حنان.

في تلك اللحظة، كانت أمي تُبخّر غرفتي، وتتمتم بدعاءٍ خافت. وقفت إلى جانبي وأنا أحدق في الاسم قبل أن أفتح الرسالة. امتزج عبق البخور برائحة الورق، فبدت الغرفة كأنها تستقبل قدراً مؤجلاً.

فتحتُ الظرف.

وقرأتُ كلماتكِ الأولى.

وفي داخلي مرّت خاطرة خاطفة:

لقد تأخرتِ كثيراً في الوصول.

سألتني أمي بهدوء:

ـ هذه الرسالة منها؟

قلتُ مبتسماً:

ـ من مَن يا أمي؟

ابتسمت وقالت:

ـ من تلك التي كنتَ تنتظرها منذ سنوات.

كان عمري يومها تسعةً وعشرين عاماً، أكتب في الصحف مقالاتٍ، بينما كنتِ في السابعة عشرة من عمرك، طالبةً في المرحلة الثانوية.

عندها أدركت أن الانتظار لم يكن فراغاً، بل كان طريقاً طويلاً يقود إلى تلك اللحظة.

ومن ذلك الظرف الأبيض بدأت رحلة امتدت عشرين عاماً؛ رسائل تعبر البحر ذهاباً وإياباً، تواجه الحروب والحصار والغربة، لكنها تصل دائماً، لأن الكلمات كانت أقوى من الحدود، وأصدق من السياسة، وأبقى من المسافات.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد العاشر من آب مجرد تاريخين على الخريطة، بل أصبح موعداً توقظ فيه الذاكرة أجمل ما خبأته الأيام.

كلما عاد، عادت معه ثلاث صور لا تغيب:

طفلٌ في الخالص يحدق في السماء، وطفلةٌ في تونس تكبر على ضفة المتوسط، وأمٌّ تُبخّر غرفة ابنها وهو يفتح للمرة الأولى ظرفاً أبيض سيغيّر معنى العمر كله.

لم تكوني توقيعاً في رسالة، بل المعنى الذي منح الحروف دفأها، وجعل للانتظار جدواه، وحوّل البحر الفاصل بين بلدين إلى جسرٍ من الكلمات.

وتعلّمت أن الوطن قد يكون اسماً، وأن المسافات، مهما اتسعت، تُهزم حين يكتب قلبٌ إلى قلب.

وبعض الأقدار تبدأ يوم الولادة، لكنها لا تكشف عن نفسها إلا بعد سنوات طويلة...

حين يصل الظرف الأبيض.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (16)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (15)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (14)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (13)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (12)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (10)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (9)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (8)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (7)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (6)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (5)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (4)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (3)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (1)
- هل تتغير جغرافية الصراع ؟
- مابعد المظلة الأمريكية
- حين توقفت الحرب .. ٨ اب ١٩٨٨
- المواطن الصالح .. عقد بين الدولة والإنسان


المزيد.....




- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - الظرف الأبيض