حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 12:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في مساءٍ صيفيٍّ خانق، جلس الجنود كطيورٍ مذعورة حول أجهزة الراديو الصغيرة، ينتظرون خبرًا... أي خبر.
أسرع أبو أحمد إلى جهازه. لم يكن يبحث عن لندن، ولا عن مونت كارلو، ولا عن صوت أمريكا. كان يبحث عن صوت بغداد وحسب.
ثم جاء البيان... قصيرًا كطلقة:
انتهت الحرب.
فسكتت المدافع.
وسكتت أفران الموت.
وانطفأ ذلك الصوت الذي ظلّ ثماني سنوات يلتهم المدن والبيوت والوجوه.
لم نكن بحاجة إلى تفاصيل إضافية. كل ما أردناه أن نصدّق: لقد توقف الموت أخيرًا.
لم يكن فرحنا فرح منتصرين، بل كان فرح ناجين.
حتى المدن بدت كأنها تتنفس للمرة الأولى. وربما لم يكن هناك من هم أقل ابتهاجًا من حفّاري القبور؛ فقد توقفت مهنتهم التي فرضتها الحرب عليهم، وإن لم تتوقف ذاكرتهم عن عدّ الذين غادروا إلى الأبد.
ركضتُ إلى ستّار الخيّاط، فوجدته غارقًا في صمتٍ مبلّل بالدموع.
قال:
— انتهت الحرب... ونجونا.
قلت:
— ثماني سنوات كانت كافية لتغيّر معنى الحياة كلّه.
لم نحتج إلى كثير من الكلام. تفاهمنا في صمتٍ يشبه صمت الذين عاشوا طويلًا في الخطر. لقد حان الوقت لإعادة ترتيب الذاكرة، ومغادرة قاموس الحرب الذي حفظناه عن ظهر قلب: الجبهة، القصف، الشهداء، المفقودون، الإجازة، البرقية، المستشفى، والانتظار.
وفي تلك الليلة قلت لأبي أحمد:
— ألا نتأكد من إذاعة لندن؟
نظر إليّ وضحك:
— أبو لندن أعلنها... انتهت الحرب!
فضحكنا طويلًا.
لم تكن نكتة تستحق كل ذلك الضحك، لكننا كنا بحاجة إلى الضحك. ربما كان الضحك هو الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها أن نختبر حقيقة أن الحرب انتهت فعلًا.
في تلك الليلة، ولأول مرة منذ ثماني سنوات، نمنا ونحن لا نعرف ماذا سيوقظنا في الصباح.
ولم نكن نعرف أن الحرب، حين تتوقف في البيانات، لا تتوقف بالضرورة في الذاكرة.
فالحروب تغادر الجبهات أولًا، ثم تبدأ رحلة طويلة داخل الذين عاشوها.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟