أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - من يكتب ذاكرة الدولة العراقية ؟














المزيد.....

من يكتب ذاكرة الدولة العراقية ؟


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 14:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما يغادر المسؤول الكبير منصبه في كثير من دول العالم، يبدأ عادة مرحلة جديدة لا تقل أهمية عن سنوات الحكم نفسها: كتابة المذكرات. فالمذكرات ليست مجرد استعادة للذكريات، بل وثيقة سياسية وتاريخية تساعد الأجيال اللاحقة على فهم كيف صُنعت القرارات، ولماذا نجحت أو فشلت.

كتب دوغلاس هيغ بعد خروجه من الحياة السياسية، وأصدر توني بلير مذكراته بعد سنوات قليلة من مغادرته رئاسة الحكومة، بينما دوّن محمد نجيب شهادته حتى وهو يعيش الإقامة الجبرية. وفي الولايات المتحدة وأوروبا، أصبحت مذكرات الرؤساء والوزراء جزءاً من الثقافة السياسية، لأنها تمنح الباحثين والرأي العام نافذة على ما جرى خلف الأبواب المغلقة.

أما في العراق، وبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، فما يزال السؤال قائماً: أين مذكرات الذين حكموا البلاد؟

خلال هذه السنوات تعاقبت حكومات عدة، وتولى عشرات الوزراء والمسؤولين إدارة أخطر الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، من حل الجيش إلى الحرب على الإرهاب، ومن أزمة الكهرباء إلى احتجاجات تشرين، ومن جائحة كورونا إلى الأزمات المالية. ومع ذلك، فإن ما صدر من شهادات شخصية أو مذكرات يبقى محدوداً جداً، حتى أصبح جزء كبير من ذاكرة العراق الحديثة يُروى بأقلام الآخرين أكثر مما يُكتب بأقلام صانعي القرار أنفسهم.

ولعل أبرز المفارقات أن أحد أهم الكتب التي تؤرخ لمرحلة الاحتلال هو كتاب الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، بينما يندر أن نجد شهادة عراقية مفصلة لمسؤول كان حاضراً في صناعة القرار خلال تلك المرحلة.

هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالكسل وحده، بل تقف وراءه أسباب عديدة.

أولها ثقافة السرية التي ما زالت تهيمن على العمل السياسي والإداري، إذ ينظر كثير من المسؤولين إلى كشف الوقائع بوصفه مخاطرة، لا واجباً تجاه التاريخ.

وثانيها الخوف من الاعتراف بالأخطاء. فالمذكرات الحقيقية لا تكتفي بتسجيل الإنجازات، وإنما تواجه لحظات الإخفاق أيضاً، وهو ما لا يزال نادراً في ثقافتنا السياسية، حيث يغلب التبرير على المراجعة، والدفاع على النقد الذاتي.

أما السبب الثالث فهو البيئة الأمنية والسياسية المعقدة التي عاشها العراق طوال السنوات الماضية. فكثير من الوقائع ما زالت تمس أشخاصاً وقوى نافذة، وقد يرى بعض المسؤولين أن نشرها قد يجر عليهم خصومات أو مخاطر هم في غنى عنها.

ويضاف إلى ذلك ضعف سوق النشر والقراءة، إذ لا يشعر كثير من السياسيين بأن هناك جمهوراً واسعاً سيقرأ مذكراتهم أو مؤسسات قادرة على تحويلها إلى أعمال مؤثرة، فيؤجلون الكتابة أو يهملونها تماماً.

لكن ثمن هذا الصمت باهظ.

فعندما يغيب صوت أصحاب القرار، تملأ الفراغ تقارير المنظمات الدولية، وشهادات المسؤولين الأجانب، والدراسات الأكاديمية، والتغطيات الصحفية. وهذه كلها مصادر مهمة، لكنها تبقى روايات جزئية، تنظر إلى العراق من زوايا مختلفة، ولا يمكن أن تغني عن شهادة العراقي الذي كان داخل غرفة القرار.

والأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة ستجد نفسها بعد سنوات تبحث عن تفسير لأحداث مفصلية، فلا تعثر إلا على تصريحات متفرقة، أو تغريدات في وسائل التواصل الاجتماعي، أو مقابلات إعلامية متناقضة، بدلاً من شهادات موثقة تروي كيف اتُخذ القرار، ومن وافق عليه، ومن عارضه، وما الذي حدث فعلاً.

إن كتابة المذكرات ليست ترفاً شخصياً، ولا محاولة لتجميل الصورة، وإنما مسؤولية وطنية. فالدول التي تحترم تاريخها تحرص على أن تتعدد الروايات، لأن الحقيقة لا يملكها شخص واحد، وإنما تتشكل من تقاطع الشهادات المختلفة.

لسنا بحاجة إلى مذكرات تمجد أصحابها، بل إلى شهادات صادقة تقول: هنا أصبنا، وهنا أخطأنا، وهذه الضغوط التي واجهناها، وهذه الخيارات التي اضطررنا إليها، وهذه القرارات التي كنا نتمنى لو أننا اتخذنا غيرها.

بعد أكثر من عشرين عاماً على التغيير، آن الأوان لأن يبدأ المسؤولون العراقيون بكتابة ذاكرتهم السياسية، لا دفاعاً عن أنفسهم، بل دفاعاً عن حق العراق في أن يكتب تاريخه بلسان أبنائه، لا بأقلام الآخرين.

فالتاريخ لا ينتظر أحداً. وإذا لم نكتب نحن روايتنا، فسيكتبها غيرنا، وربما لن تكون الرواية التي تشبه الحقيقة كما عرفناها.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة صحافة أم أزمة انتباه ؟
- 100يوم لا تصنع طالبا
- هل انتهى زمن الممرات الآمنة؟
- المواطنة اولا
- اليوم العالمي الصداقة
- الكتاب العراقي ازمة الصناعة وضعف النشر
- طريق التنمية وأهميته للعراق
- الصين والوساطة بين أمريكا وإيران
- مي زيادة وجبران خليل ..حب عاش في الرسائل اكثر من الواقع
- رقعة الشطرنج العربية
- الفساد ... دولة موازية
- الرئيس والتصفيق
- ساعي البريد الأخير
- الراقصات... قضية عربية مؤجلة
- الدولة الوطنية بين الثورة والدين
- كيف تتشكل ثقافة الاطفال
- العرب وأزمة المياه
- بناء الأمة والدولة
- البرنامج النووي السعودي
- ضحايا الفساد


المزيد.....




- قراصنة يستهدفون -بينانس- للاستيلاء على 6.3 مليار دولار.. وال ...
- لاوُن الرابع عشر.. أول بابا للفاتيكان يدلي بصوته في انتخابات ...
- وزير الخارجية السعودي يصل إلى أمريكا.. وهذا ما سيبحثه باجتما ...
- الإمارات.. إحالة متهمين إلى -الجنايات العسكرية- لإساءة استخد ...
- رئيس وزراء إستونيا يرفض تخفيف حدة خطابه تجاه روسيا رغم طلب ا ...
- رومانيا تدعو إلى زيادة الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها
- بوتين يلتقي رئيس مالي الانتقالي غويتا في موسكو
- بيسكوف: موسكو لن تطرح الهجمات على مصافي النفط الروسية خلال م ...
- تحويل أموال دنماركية لشراء ذخائر لأوكرانيا إلى شركة غير منتج ...
- تقرير عبري عن تغير قواعد اللعبة بين مصر وإثيوبيا ومصير أي خي ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - من يكتب ذاكرة الدولة العراقية ؟