أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - ساعي البريد الأخير














المزيد.....

ساعي البريد الأخير


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 12:26
المحور: الادب والفن
    


شاءت أقدار التكنولوجيا أن نلتقي، بعد أن ودّعنا صناديق البريد وسعاتهم الذين كانوا يحملون إلينا همساتنا على أكتافهم. وها هو الغرب يمنحنا اليوم فرصة اللقاء، ويسخر لنا من أقماره الصناعية قمراً لكل واحد منا، نجوب به قارات العالم ذهاباً وإياباً. كنت أحلم، في سنوات مضت، بورقة، ومظروف، وثمن طابع بريد. ولا أدري لماذا كانت أحلامي بهذا القدر من التواضع. ربما لأنني أنتمي إلى شعب كان أقصى ما يحلم به أن تمطر السماء حليباً، ليرضع الأطفال بعد أن جف الحليب في أثداء الأمهات من الجوع. ومن رقص منا مع امرأة في تلك الأيام، لم يكن يشم عطر الأنوثة بقدر ما كان يستنشق رائحة الحزن. لهذا كنت ابناً شرعياً لثلاثية قاسية: الخوف، والحرب، والموت. كبرت في مدارسها، وتعلمت دروسها مبكراً، حتى سبق الشيب عمري. يا الله... حتى لحيتي، وهي أصغر من شعر رأسي بعشرين عاماً، جاءت بيضاء، كأنها ادخرت كل ذلك الحزن حتى حان موعد ظهوره. كبرنا قبل أواننا. عندما ماتت أمي، قالوا لي: ماتت. ركضت إلى عباءتها وخبأتها، ظناً مني أن المرأة إذا أخذت عباءتها رحلت، فإذا أخفيت العباءة بقيت. لم أكن أعرف أن بعض الأمهات يرحلن... ويتركن عباءاتهن خلفهن. بكيت وأنا أنتظر عودتها من المكان الذي ذهبت إليه، ثم قالوا لي: لن تعود. وبعد سنوات فقط فهمت أنها ماتت لأننا لم نكن نملك ثمن الدواء. يا لقسوة الفقر... يجعل الأطفال يشعرون بالذنب لأنهم لم يستطيعوا إنقاذ أمهاتهم. تلك السنوات بعيدة، ولا نتمنى لها عودة. لكن ما إن نستدعيها من الذاكرة حتى يطل علينا الثلاثي نفسه: الخوف، والحرب، والموت. كنتِ معي، يا صغيرتي، تلامسين وجعي بين سطور الرسائل. وأقسم أنك كنت تشمين من كلماتي رائحة الخوف والحرب والموت معاً. كنا نظن أنها غادرت إلى الأبد، لكنها لا تفتأ تعود إلينا، كل مرة بثوب جديد، ووجه جديد، واسم جديد. تغير كل شيء الآن. لم نعد ننتظر مطرًا من حليب، ولم أعد أجمع ثمن الطابع لأرسل إليك رسالة تعبر القارات والأزمنة. يا الله... أصبحت أمنيتي أبسط من كل ذلك. أن تردي عليّ. أن أقرأ قلقك، كما كانت عيناك تقرآن ارتجاف حروفي. الآن، أيتها الملكة، أمتلك قمراً كما تملكين، وأجوب به القارات كما تجوبين. لكن، رغم كل هذا الاتساع، ورغم كل هذه التكنولوجيا، لست سعيداً إلا بحقيقة واحدة... أنني ما زلت، حتى هذه اللحظة، أنتظر ساعي البريد.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الراقصات... قضية عربية مؤجلة
- الدولة الوطنية بين الثورة والدين
- كيف تتشكل ثقافة الاطفال
- العرب وأزمة المياه
- بناء الأمة والدولة
- البرنامج النووي السعودي
- ضحايا الفساد
- فاتورة الصراع الأمريكي الإيراني
- الطريق الى دولة المواطنة
- قمة الناتو وضغوط ترمب
- هل تقترب فرنسا من لحظة التحول ؟
- زيارة واشنطن تحويل الشراكة الى تنمية
- المثقف والمجتمع
- إعداد المعلم وفق إستراتيجيات التربية الحديثة
- مانديلا ..رجل الحرية
- لبنان بين الاستقرار والسلام
- صيفنا الساخن
- التعليم والتعلم
- دور منظمات المجتمع المدني في ترسيخ دعائم الدولة
- ثلاث قصص قصيرة


المزيد.....




- من عمرو دياب إلى الشامي وتوليت.. كيف تغيرت صناعة النجم في ال ...
- -حذر زواره وأصدر مرسوما جديدا-.. لماذا أعلن ترمب الحرب على ا ...
- ألمانيا.. مديرة مهرجان -بايرويت للموسيقى- تحذر من الانزلاق ن ...
- الموت يُغيّب فيلسوف الموسيقى العراقية فاروق هلال
- بيت المدى يستذكر شاعر القصة وراهب المسرح جليل القيسي
- حين يحرر التلفزيون كلام السلطة.. صراع الرواية الرسمية في إير ...
- رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري ...
- متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري ...
- فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي ...
- الرواية... السلاح الآخر للاستعمار


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - ساعي البريد الأخير