أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - الفساد ... دولة موازية














المزيد.....

الفساد ... دولة موازية


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 11:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الفساد آفة تقضي على فرص التنمية في أي بلد، مهما بلغت موارده المالية. فالفاسد لا يسرق المال العام فحسب، بل يتحول مع مرور الوقت إلى مركز نفوذ سياسي واقتصادي يضعف مؤسسات الدولة، ويعطل قدرتها على محاسبته، حتى يغدو كياناً موازياً ينازعها سلطتها وقرارها.

وخلال العقدين الماضيين، كان العراق من أكثر الدول معاناة من هذه الظاهرة. فما تكاد تمر أيام حتى تعلن الجهات المختصة عن أوامر قبض أو مذكرات توقيف بحق مسؤولين كبار وصغار بتهم "الفساد المالي والإداري"، وهو توصيف قانوني يخفي حقيقة واحدة: الاعتداء على المال العام.

ولم يعد الفساد في العراق مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل أصبح مشهداً يراه المواطن بعينه. فصور أكوام الأموال المصادرة، بالدينار والدولار، لم تعد حدثاً استثنائياً، بل تحولت إلى دليل على حجم النزيف الذي تعرضت له خزينة الدولة، وهي أموال كان يمكن أن تمول مشاريع للبنى التحتية، أو تحسن الخدمات، أو توفر آلاف فرص العمل.

إن جذور المشكلة تكمن في طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة، الذي جعل كثيراً من مؤسسات الدولة خاضعة لنفوذ القوى السياسية أكثر من خضوعها للقانون. ومع هذا الواقع أصبحت بعض الوزارات والهيئات تُدار بمنطق النفوذ الحزبي، بما ينعكس على التعيينات والعقود وإدارة الموارد العامة.

وفي ظل هذه البيئة تصبح مهمة الأجهزة الرقابية أكثر تعقيداً، إذ تُفسَّر أحياناً إجراءات التحقيق أو المحاسبة على أنها استهداف سياسي، وهو ما يضعف ثقة الرأي العام ويحد من فاعلية مؤسسات الرقابة، لتبرز المشكلة الأهم: غياب الإرادة السياسية الجامعة لمكافحة الفساد.

ومن دون هذه الإرادة تبقى اللجان الرقابية وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وسائر المؤسسات المعنية عاجزة عن أداء دورها الكامل في حماية المال العام ومحاسبة المتجاوزين عليه، مهما امتلكت من صلاحيات قانونية.

لقد أعلنت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 برامج متعددة لمكافحة الفساد، وشكلت لجاناً وهيئات ومجالس متخصصة، إلا أن النتائج بقيت دون مستوى التحدي، لأن نجاح أي منظومة رقابية يبدأ بتوافر القرار السياسي الداعم لها.

واليوم، ومع تشكيل المجلس الأعلى للنزاهة، تتجدد الآمال، لكن نجاحه سيظل مرهوناً بتوفير بيئة سياسية تحمي استقلال قراراته، وتضمن تنفيذها من دون استثناء أو انتقائية.

ويزداد هذا الملف إلحاحاً في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه العراق، والحاجة إلى تنويع الإيرادات وتعظيم الموارد الداخلية. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا عبر مسارين متوازيين: رفع الحماية السياسية عن كل من تثبت مسؤوليته في قضايا الفساد، واختيار القيادات التنفيذية على أساس الكفاءة والنزاهة، لأن إصلاح المؤسسة يبدأ دائماً من قيادتها.

إن مكافحة الفساد ليست قضية مالية فحسب، بل هي قضية تتعلق بهيبة الدولة وسمعة العراق الدولية. فالدول تتنافس اليوم على ترسيخ معايير الشفافية والنزاهة لجذب الاستثمارات، بينما تؤثر قضايا الفساد سلباً في ثقة المستثمرين وفي صورة البلاد أمام العالم.

لقد تجاوز الفساد في العراق كونه مجرد آفة إدارية، ليقترب في بعض جوانبه من تشكيل دولة موازية تستنزف موارد الدولة وتضعف مؤسساتها. ولذلك فإن المعركة ضده لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة واستعادة ثقة المواطن.

ويبقى النجاح مرهوناً بوجود إرادة سياسية حقيقية تجعل سيادة القانون فوق جميع الاعتبارات، وتؤكد أن حماية المال العام مسؤولية وطنية لا تعرف الاستثناءات.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرئيس والتصفيق
- ساعي البريد الأخير
- الراقصات... قضية عربية مؤجلة
- الدولة الوطنية بين الثورة والدين
- كيف تتشكل ثقافة الاطفال
- العرب وأزمة المياه
- بناء الأمة والدولة
- البرنامج النووي السعودي
- ضحايا الفساد
- فاتورة الصراع الأمريكي الإيراني
- الطريق الى دولة المواطنة
- قمة الناتو وضغوط ترمب
- هل تقترب فرنسا من لحظة التحول ؟
- زيارة واشنطن تحويل الشراكة الى تنمية
- المثقف والمجتمع
- إعداد المعلم وفق إستراتيجيات التربية الحديثة
- مانديلا ..رجل الحرية
- لبنان بين الاستقرار والسلام
- صيفنا الساخن
- التعليم والتعلم


المزيد.....




- -الشورت- لم يعد للإجازات فقط... كيف أصبح قطعة الأناقة الأبرز ...
- أعمال فنية في الشوارع ترسمها الأمطار
- بعد تهديدات الحوثيين.. تباطؤ الملاحة في مضيق باب المندب وترا ...
- محلل عسكري لـCNN: إيران تبدو بوضع أفضل من أمريكا في صراع طوي ...
- بن غفير: صوتت ضد إدخال القوات الدولية إلى غزة لأن حماس لم تن ...
- اختفاء أربع لغات كل عام.. هل انتهى عصر التنوع اللغوي؟
- تقرير يكشف عدد مصابي الجيش الأمريكي بالحرب مع إيران
- هل تراجع ترامب عن التصعيد مع إيران؟.. ماذا تقول الصحافة العا ...
- قفزة حادة لعدد إصابات إيبولا في الكونغو الديمقراطية
- كيم جونغ أون يزور المقابر الوطنية للجنود القتلى في الحرب الك ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - الفساد ... دولة موازية