أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)














المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 08:38
المحور: الادب والفن
    


حنان...
تحية طيبة
وصلتني رسالتكِ المؤرخة في السادس من آذار، فحملت إليّ شيئاً من ربيع تونس. وما إن فتحت الظرف حتى شعرتُ كأن نسيم البحر الأبيض المتوسط سبق كلماتكِ إلى غرفتي.

سأجيب اليوم عن أسئلتكِ، فقد شعرت وأنا أقرأها أنكِ لا تبحثين عن إجابات فحسب، بل تحاولين أن تتعرفي إلى الإنسان الذي يكتب إليكِ.

سألتِني عن الحرب.
نعم... خضتُ حرب السنوات الثماني. كدتُ أفقد قدمي لولا لطف الله وقليل من الحظ. وما زالت فيها شظايا صغيرة ترفض أن تغادرها، كأنها اختارت أن تبقى شاهدةً على تلك الأيام.
كنتُ من الذين عادوا إلى بيوتهم، وفرحتُ يوم توقفت الحرب، كما فرح كل من كُتب له أن ينجو.
لكن السلام لم يطل. فبعد عامين اندلعت حرب أخرى، وكان الناس يومها يرددون: الناجي هو من كانت أمُّه تُبخّره بالدعاء. ولعل دعاء أمي كان أوسع من الحرب، فقد نجوتُ للمرة الثانية أيضاً.

أما عملي، فأنا معلّم في المدرسة التي كنتُ فيها تلميذاً. لا يبعد بابها عن بيتنا سوى رصيف وشارع. كل صباح أقف في الطابور نفسه، وأردد النشيد نفسه، لكنني لم أعد أقف بين التلاميذ، بل أمامهم.
وفي كل يوم ثلاثاء أنشر زاويةً صحفية في الجريدة التي وجدتِ فيها عنواني، ولذلك كانت رسالتكِ مفاجأة جميلة لم أكن أتوقعها.

وسألتِ عن الحصار...
أعترف لكِ أنني نسيت، لساعات قليلة، أننا نعيش في بلدٍ محاصر عندما وصلت رسالتكِ. كأنها فتحت نافذة دخل منها هواء لا تعرفه المدن التي أثقلها الحصار.
نعيش أياماً صعبة. حتى السجائر أصنعها بيدي من التبغ والورق. ومع ذلك أحاول أن أظل مؤمناً بأن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بقلبه نقياً، مهما اشتدت الظروف.

وسألتِني عن الأشياء التي أحبها.
أحب أغاني نجاة الصغيرة، وأجد في اللون الأبيض صفاءً يطمئنني. وأحب تلاميذ مدرستي كثيراً؛ أرى في وجوههم طفولتي. أشاركهم أحياناً درس الرياضة، وكثيراً ما يسبقونني إلى حنفيات الماء، فأنتظر دوري بعدهم، كأنني واحد منهم.

وسألتِ عن أمي...
نعم، ما زالت تعد لنا الطعام. نحن عشرة أشقاء، ولكل واحد منا واجبه في البيت. كلٌّ يرتب فراشه، ويساعد بما يستطيع.
أما أنا فقد تعلمت الطبخ منها، ثم أتقنته أكثر خلال سنوات الخدمة العسكرية، حتى صار أصدقائي يقولون إنني أفضل طباخ بينهم.
كنا أربعة جنود: كريم، وستار، وخميس، وأنا. جمعتنا سنوات الحرب، ثم افترقنا حين أُصيب كريم وفقد إصبعين في إحدى المعارك. يومها أدركت أن الحرب لا تسرق الأرواح وحدها، بل تترك الناجين يحملون منها ما يبقى معهم طوال العمر.
وتقول أمي إنني أجيد التسوق، ولذلك أصبحت هذه المهمة من نصيبي كل يوم. أقوم بها بسرور، لأنها تخف عنها شيئاً من التعب.

غداً صباحاً سأضع رسالتي هذه في صندوق البريد، وأعرف أن الطريق بين الخالص ونابل طويل، لكنني أصبحت على يقين بأن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالشوق الذي تعبره الكلمات.

في الصباح سأضع في صندوق البريد، وفيها أجبت عن كل أسئلتكِ. لكنني، منذ عدت إلى البيت، شعرت أن شيئاً ما بقي يريد أن يُقال، وكأن الرسالة لم تكن كافية.

لذلك سأفترض أنكِ هنا...
تعالي، دعوتكِ إلى كوب شاي على ضفة دجلة، ذلك النهر الذي يعرفه العالم كله.
وربما لا تشربين الشاي.
لا بأس...
أمي تحتفظ بشراب الزبيب في مكان أعرفه جيداً. لن تغضب إذا أخذتُ منه كأسين. ففي زمن الحصار تعلّمت الأمهات أن يخفين الأشياء الجميلة، ثم يخرجنها في الوقت المناسب. يسمونه التقنين، أما أنا فأراه حكمة الأمهات.
ثم إنها لا تغضب مني كثيراً. فأنا ابنها البكر، ودائماً تبتسم وهي تقول:
"أنت تشبه خالك."

تفضلي...
تذوقي شراب الزبيب.
أتعرفين؟ مذاقه يشبه العنب، لأنه ببساطة عنبٌ مجف احتفظ بحرارة الشمس في داخله.

كان أبي، رحمه الله، يبني البيوت بالحجر والطابوق، وكانت أمي تبنيها بالمحبة والصبر.
وفي العطلة الصيفية أعمل في البناء. فالراتب لم يعد يكفي أسبوعاً، وربما أقل. لذلك يعمل الناس هنا يوم الجمعة، وفي العطل، وحتى بعد انتهاء الدوام الرسمي.
أسمنت... وجص... وطابوق...
عملٌ شاق، لكنه يعلّم الإنسان أن لكل بيتٍ حكاية، ولكل جدار عرقاً اختلط بحلم صاحبه.

أما مقالاتي فأكتبها ليلاً، حين ينام الجميع، ثم أرسلها إلى الجريدة في الصباح.
ولديّ طلب صغير...
إذا صادفتِ مقالاً لي منشوراً في الجريدة، فاقتطعي الصفحة واحتفظي بها، أو أرسليها إليّ عندما تسمح الظروف.
أشعر أن كلماتي ستكون أكثر أماناً وهي بين يديكِ.

ولا تضحكي إذا قلت لكِ شيئاً...
أعدكِ، إن حصلتُ يوماً على جائزة نوبل، فلن أنسى أن أذكر اسمكِ.
سأقول أمام العالم إن فتاةً من *نابل* كانت أول من آمن بكلماتي، واحتفظ بها قبل أن يعرفها الآخرون.

الساعة الآن العاشرة مساءً، بحسب ساعة غرفتي.
وحان وقت النوم.
أرجو أن يكون البحر هادئاً هذه الليلة عندكم، وأن تصلكِ هذه الكلمات كما خرجت من قلبي.

تصبحين على خير...
ودمتِ بخير.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (1)
- هل تتغير جغرافية الصراع ؟
- مابعد المظلة الأمريكية
- حين توقفت الحرب .. ٨ اب ١٩٨٨
- المواطن الصالح .. عقد بين الدولة والإنسان
- الحرب الباردة الجديدة تقاطع مصالح لا تحالف حتمي
- الاستثمار الصناعي في العراق: فرص واعدة وتحديات مستمرة
- الخروج من عباءة النفط
- هل تتخلى أمريكا عن -الترامبية- بعد ترمب؟
- الذكاء الاصطناعي وسوق العمل بين الفرص والتهديد
- ابن خلدون... حين التقت الحكمة القديمة بعلم النفس الحديث كيف ...
- امن الشرق الأوسط بين تشظي الداخل ورهان الخارج
- طهران - واشنطن هدنة أم اتفاق ؟
- الامريكان في بيتي وصراع الحضارات
- الاردن بين التحالف والاستهداف
- ٢ اب ١٩٩٠ .. قرار غير وجه المن ...
- من يكتب ذاكرة الدولة العراقية ؟
- أزمة صحافة أم أزمة انتباه ؟
- 100يوم لا تصنع طالبا
- هل انتهى زمن الممرات الآمنة؟


المزيد.....




- من نحيب -تموز- إلى كاظم الساهر.. لماذا يبكي الغناء العراقي؟ ...
- المجمع المعماري لمركز معارض عموم روسيا في موسكو يستعد لتقييم ...
- ألكسندر بلوك.. رحيل أنهى حقبة العصر الفضي للأدب الروسي
- لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)