أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (9)














المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن الصعب (9)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 10:46
المحور: الادب والفن
    


صديقتي حنان...
مساء الخير.
أتوقع أن تصلك رسالتي هذه يوم عيد ميلادك، في العاشر من أغسطس. أتمنى ذلك من كل قلبي، لأكون أول من يهمس لك: كل عام وأنتِ بخير... الأول، نعم الأول ونحن معًا.
أرفقت مع الرسالة وردة صغيرة قطفتها من حديقة بيتنا. أعرف أنها قد تذبل ويصفر ورقها قبل أن تصل إليك، لكني أراهن على شيء واحد فقط: عطرها سيبقى عالقًا في الورق، وفي أصابعك، وفي هذا الظرف. وكأنني أقول لك: حتى الأشياء التي تموت، تترك أثرًا.
وأعدك بشيء ثانٍ. أعدك أن أراقصك. كما حلمتِ وكتبت أناملك في رسالتك الأخيرة. رغم أنني لم أراقص امرأة من قبل، ورغم أن يدي ترتجفان عند الفكرة... إلا أنني أعدك. سنتعلم معًا. خطوة تتلعثم، وخطوة تضحك، وخطوة تصبح أغنية.
وصلني طعم سندويش الهمبرغر الذي تناولته نيابة عني. ضحكت وأنا أتخيلك تقولين: "هذا من فلان". بدا شهيًا جدًا، ليس لأنه لحم وخبز، بل لأنك أنتِ من ذاقته عني.
وسعيد جدًا لأن صوتي وصل إليك في الشريط. جلست أتخيلك وأنتِ تضغطين زر التشغيل، وتقربين المسجل من أذنك. هل ابتسمتِ؟ هل خجلتِ مثلي؟
أما شريط آخر، فلا أعدك به الآن. الأمر ليس سهلًا. أنا رجل خجول برشا... كما تقولون في تونس. الكلام على الورق أسهل. الكلام بصوتي أمام المايكروفون يجعل قلبي يدق كأنه في دورة القوات الخاصة من جديد.
وما زلت أعمل كل يوم. ما زال أمامي أكثر من شهر على انتهاء العطلة. الأيام تمضي بطيئة هنا، وأنا أعدها بورقة صغيرة أخفيها في جيبي.
هذا المساء تناولت العشاء مع أمي وإخوتي. جلسنا كلنا حول صينية واحدة. وشربت قدحًا من الشاي الذي يشربه الأغنياء كل يوم، بينما لا نشربه نحن إلا ضيوفًا. كان ثقيلًا ومحلى زيادة، لكنه دفأني. ثم خرجت إلى السطح ودخنت سيجارة سومر. والله كان لها طعم مختلف الليلة. طعم وحدة، وطعم انتظار.
واليوم كنت في بغداد.
تخيلي... ركبت سيارة أجرة، وكان سائقها بولص حنا بولص. الاسم وحده جعلني أنتبه. ناديته: "بولص؟" فالتفت نحوي ببطء. وبعد ثانيتين فقط امتلأت عيناه بالدموع. تركنا المقود وفتح ذراعيه. احتضنني وسط دهشة الركاب، وقال بصوت عالٍ:
"كنا معًا في دورة القوات الخاصة. قفزنا يومها من فوق جسر الصرافية عام 1983."
ضحكوا، وبعضهم صفق. أدركت من جديد أن الحرب القاسية تمنح الإنسان أصدقاء يصبحون، مع الأيام، إخوة. ودموع الرجال في بغداد ليست ضعفًا. هي ذاكرة.
عدت قبل قليل من بغداد، والشارع كان هادئًا. مررت على مكتبة صغيرة واشتريت لك أقلامًا ملونة، ومظاريف أنيقة، وبطاقة جميلة رُسم عليها نهر دجلة... ذلك النهر الذي يشبهك كثيرًا. هادئ من بعيد، وعميق إذا اقتربت، ويأخذ معه كل ما يلمسه.
أكتب لك الآن والقلم يرتجف قليلًا. ليس من التعب، بل من فكرة أنك ستقرئين هذا.
قبلاتي الحارة إلى يديك... وهما تكتبان لي.
وإلى عينيك اللتين ستقرآن.

المخلص
حسوني
26 تموز 1993

صديقي حسوني...
مساء الورد.
لم تذبل الوردة...
وصلتني مبتسمة، مثلك، خجولةً حدَّ النقاء.
وفي صباح يوم عيد ميلادي وصلت بطاقتك أيضًا.
أمي شاهدت نهر دجلة...
وقالت إنه يشبهك أكثر مما يشبهني.
لم تسألني ممن جاءت البطاقة، فهي تعرف أنها منك. فأنت الوحيد الذي تعرف رسائله الطريق إلى قلبي.
ابتسمت أمي، وقالت:
سبقنا بتهنئتك بعيد ميلادك.
حسووووني...
شكرًا لأنك وعدتني أن تراقصني...
رغم الشظايا التي في ساقك.
قبلاتي... سأعود إليك ثانية..لا تقلق

صديقي حسوني...
أعود إلى طاولتي...
وليس معي سوى الكلمات.
قبل قليل انتهت احتفالية عيد ميلادي.
كانت أمي قد أعدّت كعكة تليق بهذه المناسبة، وأبي قدّم لي هدية، وإخوتي أيضًا، وكذلك صديقاتي.
لكنني، صدقًا، لا أعرف ما هي الهدايا.
تركتها كلها في الصالة.
تقدّم أبي وقال مبتسمًا:
أنا أول من يبدأ بالتهنئة.
نظرت إليه أمي، وكأنها تقول له:
سبقك ذلك الحمداني.
ثم ابتسمت لي.
وأهداني أبي باقة ورد، وقلادة يتوسطها حرف H.
قبّلت أبي طويلًا...
وكدت أبكي بين ذراعيه.
عندها اقتربت أمي، وهمست في أذني:
وأنا... ثالث المهنئين.
حسووووني...
شكرًا لأنك معي.
سأرقد الآن، وأنا أردد حروف اسمك كما تفعل أنت معي...
لعلني أحلم بك.
حنان
10 أوت 1993



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (8)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (7)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (6)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (5)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (4)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (3)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (1)
- هل تتغير جغرافية الصراع ؟
- مابعد المظلة الأمريكية
- حين توقفت الحرب .. ٨ اب ١٩٨٨
- المواطن الصالح .. عقد بين الدولة والإنسان
- الحرب الباردة الجديدة تقاطع مصالح لا تحالف حتمي
- الاستثمار الصناعي في العراق: فرص واعدة وتحديات مستمرة
- الخروج من عباءة النفط
- هل تتخلى أمريكا عن -الترامبية- بعد ترمب؟
- الذكاء الاصطناعي وسوق العمل بين الفرص والتهديد
- ابن خلدون... حين التقت الحكمة القديمة بعلم النفس الحديث كيف ...
- امن الشرق الأوسط بين تشظي الداخل ورهان الخارج
- طهران - واشنطن هدنة أم اتفاق ؟


المزيد.....




- معرض في بطرسبورغ يستعيد تاريخ دير يعود إلى القرن الثاني عشر ...
- جورج وسوف يعيد عقارب الصوت إلى زمن الحب في -طمني عالحبايب-
- فيلم -سوابد-.. ماذا لو اضطررت إلى رؤية العالم بعيني عدوك؟
- حمل نواتها في حجره داخل سيارة.. شهادة أحد صناع القنبلة الذري ...
- بتدوينة باللغة العبرية.. ملادينوف ينفي شائعات تمويل حماس عبر ...
- من نيقولاي الثاني إلى ستالين وبريجنيف.. حكاية القادة الروس م ...
- مهرجان صيف حوران.. دعم ثقافي وتعافٍ للثقافة السورية
- قاآني في بغداد؟ تضارب الروايات يضع سلاح الفصائل في الواجهة
- الفنان قيس الشيخ نجيب يوجه رسالة أمل إلى شباب سوريا في اليوم ...
- أحذية بوانت موقعة من أساطير الباليه الروسي تتصدر مزادا استثن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (9)