أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (15)















المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن الصعب (15)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 07:43
المحور: الادب والفن
    


إلى الرائعة حنان
وصلتني رسالتك اليوم، فغمرتني سعادة كبيرة. كانت كلماتك دافئة، كأنها شعاع ضوء تسلل إلى غرفتي في هذا المساء البارد.
أما عن "لعبة البسكويت في الشاي" التي حدثتك عنها، فما زلت أرى أنك تحتاجين إلى كثير من التدريب. وعندما نلتقي يوماً في تونس، سأعلمك بنفسي أسرارها الصغيرة. سترين كيف يبقى البسكويت متماسكاً حتى آخر رشفة، من دون أن يذوب أو يستسلم للشاي.
أما هنا، فقد بدأ البرد يفرض حضوره، فتركت باحة الدار التي اعتدت النوم فيها طوال ليالي الصيف، وعدت منذ يومين إلى غرفتي.
ومنذ يومين أيضاً، أوكلت إليّ إدارة المدرسة بالوكالة بعد التحاق المدير بدورة تدريبية تستمر شهراً كاملاً. والعجيب أن الخبر انتشر بسرعة، حتى صار الجميع يقول: "حسوني أصبح مديراً بالوكالة."
فرحت أمي فرحاً لا يوصف. ولأول مرة منذ زمن، زادت حصتي من الخبز، من نصف رغيف إلى رغيف كامل. وقالت وهي تبتسم: "سأراك مديراً أصيلاً يوماً ما يا ولدي." ثم أوصتني أن أكون لطيفاً مع الجميع، وأن أتذكر دائماً أن الإدارة أمانة قبل أن تكون منصباً.
ورأيتها اليوم تقف أمام صورة أبي، تحدثه بصوت خافت وكأنه يسمعها، وتقول: "حسوني أصبح مديراً بالوكالة." شعرت لحظتها أن أبي كان سيبتسم لو كان بيننا.
ثم جاءت جارتنا تهنئ أمي وهي تقول: "الأطفال فرحون بمديرهم الجديد." كانت كلماتها بسيطة، لكنها أسعدتني أكثر من أي تهنئة أخرى.
وقبل أن أنسى... ارتديت هذا الصباح بدلة رسمية جديدة وربطة عنق للمرة الأولى وأنا أدخل المدرسة بصفتي مديراً بالوكالة. وعندما هممت بالخروج، كانت أمي تبخر غرفتي، وتتلو آيات من القرآن بصوت خافت، تدعو الله أن يبارك يومي الأول.
ولم يبقَ معي الآن سوى قطعة واحدة من البسكويت الذي أرسلته لي. غمستها في الشاي، فتذكرتك، وابتسمت.
سأطوي هذه الرسالة بعد قليل، وأضعها في البريد. وعندما أعود ظهراً سنتناول الغداء معاً، فقد طبخت أمي دجاجة احتفالاً بهذا اليوم.
دمتِ بخير، يا من تذكرني دائماً بأن أجمل ما في الحياة هو بساطتها، وأن الرسائل الصادقة تستطيع أن تجعل المسافات أقصر، والأيام أكثر دفئاً.
المخلص
حسين (حسوني)
25 أكتوبر 1993

أهلاً يا حنان...
تعالي، لنتناول الغداء معاً. أمي طبخت لنا اليوم دجاجة.
وقبل قليل قالت لي وهي تضحك:
"حنونة هي التي ساعدتني في إعداد الطعام، ذاقت المرق، وعدلت الملح."
ليس لدينا طاولة طعام. نجلس جميعاً على الأرض، ونأكل بأيدينا، كما اعتدنا دائماً.
وأعدك أن أصابعي ستنسى نفسها كثيراً وهي تلامس أصابعك.
أما حصتي اليوم، فنصف فخذ الدجاجة. وأنتِ... ماذا تختارين؟
لا تخجلي... قولي بصوت عالٍ.
آه... الصدر؟ كنت أعرف أنك ستختارينه.
أمي جميلة جداً. كان أبي محظوظاً حين تزوجها. يكبرها بسنوات، وكانا جارين منذ الطفولة. لم تكن بينهما قصة حب كما يرويها الشعراء، بل كانت عشرة عمر، واحتراماً، ومودةً كبرت مع الأيام.
كلي... بيدك، نعم... هكذا... أحسنتِ.
كان يومي طويلاً ومتعباً. راجعتني مجموعة من أولياء الأمور، وزار المدرسة المشرف التربوي، وتعددت المسؤوليات. حاولت أن أكون على قدر الأمانة، لكنني بقيت واقفاً طوال ساعات الدوام.
ومع البرد، تعاود الشظايا المستقرة في ساقي إيلامي.
لا تقلقي... فما زلت أستطيع أن أرافقك في الرقصة التي وعدتك بها. وحده برد الشتاء يوقظ وجع تلك الشظايا.
والآن، هيا... لنشرب معاً "شاي الأغنياء" الذي حدثتك عنه كثيراً.
دمتِ لي.
المخلص
25 أكتوبر 1993
بعد الغداء

إلى حضرة المدير حسوني
سلامٌ يليق بفرحتك...
سعيدةٌ جداً لأنك تجلس الآن في المكان الذي تستحقه. مديراً... وإن كان ذلك بالوكالة. فأنا أؤمن أن الأشياء الكبيرة تبدأ بخطوة هادئة، ثم تكبر يوماً بعد يوم حتى تصبح حقيقةً راسخة.
ولهذه المناسبة اخترت لك هديةً متواضعة، أرجو أن تعجبك: مجموعة أقلام جاف لتوقع بها مخاطبات المدرسة، وأوراقاً بيضاء ناصعة لمراسلاتك، وربطة عنق جديدة تليق بوقارك وابتسامتك الهادئة.
وحين تمسك القلم لتوقع أول كتاب رسمي، تذكر أن في تونس قلباً يفرح بكل نجاح تحققه، ويدعو لك أن يوفقك الله في كل خطوة.
أما الآن، فقد أخذني خيالي بعيداً. رأيتني أجلس مع أمنا في الدار، وهي تعد لنا دجاجة الغداء التي حدثتني عنها. وأكاد أشم رائحتها وهي تخرج من المطبخ.
هيا أسرع... فالطعام لا يحب الانتظار، وأنا أخشى إن تأخرت كثيراً أن آكل حصتك كلها، ثم أعتذر لك برسالة أخرى!
دمت كما أنت... طيب القلب، قريباً من الناس، وفرحةً لأمك ولأطفال مدرستك.
انتبه لنفسك، واحذر برد الشتاء، واعتنِ بساقك جيداً. أعرف أن البرد يوقظ ألمها، ولذلك أوصيك دائماً ألا تهملها.
أنا مواظبة على دراستي، وقد عدت اليوم إلى بيتنا مع نهاية الأسبوع. ما إن دخلت غرفتي حتى شعرت براحة كبيرة. اشتقت إلى طاولتي الصغيرة، وإلى رسائلك التي أقرأها مرة بعد أخرى.
ثم أعدت الاستماع إلى شريط الكاسيت الوحيد الذي وصلني منك. كان صوتك قريباً جداً، حتى خُيّل إليّ أنك تجلس في الغرفة وتحدثني.
وأمي... يا إلهي! طبخت لنا اليوم دجاجة. وما إن رأيتها حتى تذكرت غداءنا الجميل عندكم.
تذكرت حصتك التي تحبها، فقلت في نفسي: سأحتفظ بها لحسوني... لكنني لم أقاوم طويلاً، فأكلتها نيابةً عنك، حتى لا يسبقني إليها أحد!
سأكتب لك قريباً رسالة أطول، أحكي لك فيها كل ما حدث منذ آخر رسالة.
إلى ذلك الحين...
مع كل الشوق.
حنانك
1 نوفمبر 1993

إلى حسوني
1 نوفمبر 1993 – قبل الغروب
أعود إليك، وليس معي سوى كلمات...
بعد الزوال ذهبت إلى البحر. كان الجو هادئاً، والبحر أكثر هدوءاً. أحب البحر كثيراً، فهو جارنا منذ ولدت، ونحن والبحر جيران.
كتبت اسمينا على الرمل، ثم وقفت أتأملهما طويلاً. تمنيت لو كنت معي في تلك اللحظة، نمشي معاً بمحاذاة الساحل الجميل. لكن الجو بارد هنا، فأخذت أفكر بساقك، وخشيت أن يوقظ البرد ألم الشظايا.
دوامي في المعهد من الاثنين إلى الجمعة. أعود إلى بيتنا مساء الجمعة، ثم أرجع إلى بيت عمتي مساء الأحد استعداداً لأسبوع جديد. عطلتنا يومان: السبت والأحد، أما أنتم فعطلتكم يوم الجمعة فقط، كما حدثتني.
عمتي امرأة طيبة جداً، تعاملني كأنني ابنتها. لا تفرق بيني وبين ابنتيها، مع أنني أكبرهما بقليل. فلا تقلق عليّ، فأنا بخير، ومواظبة على دروسي، وأحاول أن أكون عند حسن ظن الجميع.
وفكرت اليوم في أمر صغير. عندما أعود غداً إلى العاصمة، سأرسل هذه الرسالة من هناك، فتربح يوماً في الطريق. أتذكر أنك قلت لي مرة إن رسائلي التي أبعثها من تونس العاصمة تصل إليك أسرع من غيرها، فعرفت أنك انتبهت إلى هذا السر الصغير.
ونعم... تلك صورتي عند مدخل المعهد. أعلم أنها بعيدة، ويكاد لا يظهر منها شيء. لذلك أعدك أن أرسل لك في المرة القادمة صورة أقرب، لعلها تعوضك عن هذه.
سأترك البحر الآن، فقد أوشكت الشمس على المغيب، وربما أساعد أمي في إعداد العشاء. تعلمت منها الطبخ، وأعدك أنه إذا زرت تونس يوماً فسأطبخ لك كسكسي بالدجاج بيدي.
وأتعرف يا حسوني؟ بدأت أؤمن بأحلامك...
وربما... أراقصك الليلة، رغم الشظايا.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (14)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (13)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (12)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (10)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (9)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (8)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (7)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (6)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (5)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (4)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (3)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (1)
- هل تتغير جغرافية الصراع ؟
- مابعد المظلة الأمريكية
- حين توقفت الحرب .. ٨ اب ١٩٨٨
- المواطن الصالح .. عقد بين الدولة والإنسان
- الحرب الباردة الجديدة تقاطع مصالح لا تحالف حتمي
- الاستثمار الصناعي في العراق: فرص واعدة وتحديات مستمرة


المزيد.....




- مؤسس أسبوع القاهرة للتصميم يتحدث في موسكو عن مستقبل قطاع الت ...
- عرض أوبرا -يفغيني أونيغين- لتشايكوفسكي في مهرجان نيويورك الر ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع م ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يكرم الطالبة ه ...
- وزيرا الإسكان والعمل يكرمان أوائل طلاب المدارس الفنية لمياه ...
- وفاة فنان مصري شهير بعد صراع مع المرض
- عن عمر 36 عاماً، وفاة الممثلة الأمريكية هايدن بانيتيري نجمة ...
- إذاعة الأغاني تحتفي بذكرى رحيل الشاعر فتحي قورة
- الاستخبارات الروسية: الغرب يعد مسرحية جديدة لاتهام روسيا بتس ...
- في دورة استثنائية.. -كتارا- تعلن قوائمها القصيرة لجائزة الرو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (15)