أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي الحمداني - تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تكوين شخصية الطفل















المزيد.....

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تكوين شخصية الطفل


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 07:20
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


لم تعد الأسرة والمدرسة وحدهما تشكلان عقل الطفل وثقافته كما كان الحال في السابق. فقد دخلت إلى حياة الطفل قوة جديدة لا يمكن تجاهلها، تتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية التي أصبحت حاضرة في تفاصيل يومه منذ لحظة استيقاظه وحتى ذهابه إلى النوم. يستيقظ على فيديو، ويعود من المدرسة إلى «ترند» جديد، وينهي يومه أمام مقطع قصير أو تحدٍ انتشر على إحدى المنصات.
وبذلك لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للترفيه، وإنما أصبحت شريكاً في تشكيل لغة الطفل، وقيمه، واهتماماته، وطريقة نظرته إلى نفسه وإلى العالم المحيط به. والسؤال لم يعد: هل يستخدم الطفل هذه المواقع أم لا؟ بل أصبح: ماذا يتعلم منها؟ ومن الذي يوجه هذا التعلم؟
لا يمكن إنكار الجانب الإيجابي لهذه المنصات. فالطفل اليوم يعيش في عالم مفتوح يستطيع من خلاله الوصول إلى كم هائل من المعرفة لم تكن متاحة بسهولة للأجيال السابقة. يستطيع أن يشاهد تجربة علمية أجريت في اليابان، ويتعرف إلى تاريخ بلد عربي، ويتعلم الرسم أو البرمجة أو لغة جديدة من طفل أو معلم يعيش في مكان آخر من العالم. لقد أصبحت المعرفة أكثر قرباً وأسهل وصولاً، ولم تعد حدود المدرسة والكتاب هي الحدود الوحيدة التي تقف أمام فضول الطفل ورغبته في التعلم.
والأهم من ذلك أن الطفل لم يعد مجرد متلقٍ للمحتوى، بل أصبح قادراً على إنتاجه. يستطيع أن يرسم ويصور ويكتب ويسجل صوته ويصنع قصة أو تجربة علمية ويشاركها مع الآخرين. وهذا التحول من التلقي إلى الإنتاج يمكن أن يكون فرصة مهمة لتنمية الإبداع والثقة بالنفس، إذا وجد الطفل التوجيه الصحيح.
كما توفر مواقع التواصل مساحة للطفل الذي يمتلك اهتماماً خاصاً قد لا يجد من يشاركه فيه داخل محيطه القريب. فالطفل الذي يحب الفلك أو البرمجة أو القراءة أو العلوم يستطيع أن يجد مجتمعات رقمية تشاركه اهتماماته، ويتبادل معها المعرفة والخبرة. وهذه ميزة لم تكن متاحة بهذا الاتساع للأجيال السابقة.
لكن الوجه الآخر للمشهد لا يقل أهمية. فالإفراط في متابعة المقاطع القصيرة والسريعة قد يجعل الطفل أكثر ميلاً إلى المحتوى السهل والسريع، وأقل صبراً على القصة الطويلة أو الكتاب الذي يحتاج إلى تركيز ومتابعة. والمشكلة ليست في الفيديو القصير بحد ذاته، وإنما في أن يتحول إلى النمط الوحيد الذي اعتاد الطفل عليه.
كما أن الصورة الجاهزة يمكن أن تؤثر في خيال الطفل. فعندما يسمع كلمة «غابة» مثلاً، كان يستطيع في الماضي أن يبني صورتها في ذهنه من خلال الكلمات التي يقرأها أو يسمعها، أما اليوم فقد تقدم له الشاشة الصورة مكتملة بكل تفاصيلها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس إبعاد الطفل عن الصورة، وإنما الحفاظ على قدرته على التخيل وصناعة الصور في ذهنه.
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في الطريقة التي يمكن أن تتشكل بها القيم من خلال منطق المشاهدات والإعجابات. فالخوارزمية لا تسأل دائماً عن المحتوى الأكثر فائدة للطفل، وإنما تعمل وفق معايير التفاعل والانتشار. وهكذا قد يجد الطفل نفسه أمام محتوى مبالغ فيه أو استهلاكي أو سطحي لأنه ببساطة أكثر قدرة على جذب الانتباه.
ومع الوقت قد يبدأ الطفل في ربط قيمته بعدد الإعجابات والمتابعين، فيصبح اهتمامه بما يراه الآخرون فيه أكبر من اهتمامه بما يراه هو في نفسه. وهنا تتحول المنصة من وسيلة للتواصل إلى معيار لتقييم الذات.
ولا تقل قضية الهوية أهمية عن ذلك. فالمحتوى العالمي الذي يصل إلى الطفل اليوم واسع ومتشابه في كثير من تفاصيله، بينما لا يزال المحتوى الذي يقدم له تراث بلده ولغته وحكاياته الشعبية أقل حضوراً. وقد يعرف الطفل تفاصيل حياة مؤثر يعيش في بلد بعيد، لكنه لا يعرف حكايات أجداده أو أمثال بلده أو تاريخ مدينته وشخصياتها.
إن الخطر ليس في أن يتعرف الطفل إلى ثقافات العالم، فهذا أمر إيجابي ومطلوب، وإنما في أن يتعرف إلى العالم كله بينما يفقد الصلة بثقافته الخاصة. فالانفتاح الحقيقي لا يعني أن يصبح الطفل نسخة من الآخرين، وإنما أن يعرف الآخرين وهو يعرف نفسه في الوقت ذاته.
ويضاف إلى ذلك الضغط النفسي الذي قد تفرضه الحياة الرقمية. فالطفل يرى على الشاشة صوراً لحيوات تبدو مثالية، وأشخاصاً يعيشون في عالم من النجاح والمرح والامتلاك المستمر، وقد يقارن حياته اليومية العادية بهذه الصور المصنوعة، فيشعر بأنه أقل من الآخرين أو أن حياته لا تستحق الاهتمام.
أمام كل هذه التحديات، لا يبدو المنع حلاً واقعياً. فالطفل يعيش في عصر رقمي، ومحاولة عزله تماماً عن هذا العالم قد تزيد فضوله، وقد تدفعه إلى استخدامه بعيداً عن أعين الأسرة. الحل الأفضل هو الانتقال من المنع إلى التوجيه، ومن الرقابة الصامتة إلى الحوار.
فالأسرة مطالبة بأن تكون شريكاً في التجربة الرقمية للطفل. أن تجلس معه أحياناً، وأن تختار معه المحتوى المناسب، وأن تسأله بعد مشاهدة مقطع: ماذا أعجبك؟ هل تصدق ما شاهدته؟ من صنع هذا المحتوى؟ ولماذا؟ بهذه الأسئلة البسيطة تتحول المشاهدة من استهلاك عابر إلى فرصة للتفكير والنقاش.
أما المدرسة، فلم يعد دورها مقتصراً على تعليم القراءة والكتابة والمعلومات التقليدية، بل أصبح عليها أن تعلم الطفل مهارات التفكير النقدي في العالم الرقمي. عليه أن يعرف أن كل ما يراه على الشاشة ليس حقيقة، وأن وراء كل محتوى هدفاً ورسالة وصاحب مصلحة أحياناً. كما ينبغي أن نشجعه على أن يكون صانع محتوى إيجابياً، لا مجرد مستهلك لما ينتجه الآخرون.
أما المجتمع، فعليه أن يدرك أن مواجهة المحتوى الرديء لا تكون دائماً بالدعوة إلى الابتعاد عنه، وإنما بصناعة بديل أفضل وأكثر جاذبية. نحن بحاجة إلى قصص عربية جميلة، ورسوم وألعاب رقمية، وبرامج علمية وثقافية للأطفال، تقدم المعرفة والهوية واللغة بأسلوب حديث قادر على منافسة المحتوى الذي يجذب الطفل يومياً.
إن مواقع التواصل الاجتماعي ليست خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً. إنها أداة، وقيمتها تتحدد إلى حد كبير بطريقة استخدامها وبالمحتوى الذي نضعه أمام الطفل. فإذا تركنا الطفل وحده أمام الشاشة، فإن المنصات والخوارزميات ستشارك في تشكيله وفق منطقها الخاص. أما إذا دخلنا معه إلى هذا العالم، ورافقناه وناقشناه وعلّمناه كيف يختار ويفكر وينقد، فإن التكنولوجيا يمكن أن تتحول من مصدر للقلق إلى فرصة للتعلم والإبداع.
المطلوب إذن ليس أن نعيد الطفل إلى عالم ما قبل مواقع التواصل الاجتماعي، فهذا العالم انتهى، وإنما أن نساعده على أن يعيش عصره من دون أن يفقد لغته وخياله وهويته. نريد طفلاً يعرف العالم، لكنه يعرف أرضه أيضاً؛ يستخدم التكنولوجيا، لكنها لا تستخدمه؛ يشاهد ويستمتع، لكنه يقرأ ويفكر ويسأل ويبدع.
وهنا تحديداً تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية: أن نجعل العالم الرقمي مساحة يكتشف فيها الطفل العالم، لا مساحة يفقد فيها نفسه.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا يهدأ الشرق الأوسط؟
- من دجلة الى قرطاج
- الظرف الأبيض
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (16)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (15)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (14)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (13)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (12)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (10)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (9)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (8)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (7)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (6)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (5)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (4)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (3)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (1)
- هل تتغير جغرافية الصراع ؟


المزيد.....




- صالات المطارات.. هل تستحق العناء أم أصبحت تجربة مخيبة للآمال ...
- ما سر هوس مواقع التواصل بهذا المشروب الكوري من حليب الموز؟
- -نهاية الشرق الأوسط الأمريكي- - مقال في صحيفة فورين أفيرز
- إقالات نادرة تهزّ الموساد.. هل تكشف إخفاق الرهان الإسرائيلي ...
- روسيا تجري اختبارات صاروخية في جزر متنازع عليها واليابان تحت ...
- بحيرات وأنهار المجر تسجل مستويات متدنية قياسية مع تفاقم الجف ...
- بين العقوبات والاستعداد العسكري.. هل تقترب إيران من جولة جدي ...
- ألمانيا تحتاج العمالة الماهرة.. لماذا لا يسد العاطلون هذا ال ...
- عمران خان يعود إلى السجن بعد فحص طبي
- بيسكوف: تفجيرات -السيل الشمالي- عمل تخريبي إرهابي ضد الاتحاد ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي الحمداني - تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تكوين شخصية الطفل