أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - الفضائيون














المزيد.....

الفضائيون


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 10:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد مصطلح «الفضائيين» غريباً على الأذن العراقية. صار جزءاً من قاموسنا اليومي، يُتداول في المقاهي والدوائر الحكومية وقاعات البرلمان، ويظهر كلما تحدثنا عن راتب يُصرف لشخص لا وجود فعلياً له في مكان عمله.

لكن «الفضائي» ليس مجرد موظف غائب. إنه واحد من أكثر التعبيرات وضوحاً عن خلل أعمق في الدولة: راتب يخرج من الخزينة، من دون أن يقابله عمل أو إنتاج.

قد يكون الفضائي اسماً وهمياً لا وجود له إلا في السجلات، وقد يكون موظفاً مسجلاً لكنه لا يداوم، أو شخصاً يتقاضى أكثر من راتب، أو يستمر راتبه بالصرف رغم انتهاء علاقته بالوظيفة بسبب التقاعد أو الوفاة أو غير ذلك من حالات الازدواج الوظيفي.

في كل هذه الحالات، النتيجة واحدة: مال عام يُصرف بلا مقابل.

لكن السؤال الأهم ليس: كم عدد الفضائيين؟ بل كيف استطاعت هذه الظاهرة أن تنمو داخل مؤسسات الدولة كل هذه السنوات؟

المشكلة ليست تقنية فقط. صحيح أن غياب قواعد البيانات المترابطة بين الوزارات والمالية والتقاعد والسجل المدني ساعد على تكرار الأسماء وصعوبة اكتشافها، لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الفساد ولا تمنعه.

الفساد يبدأ عندما يجد من يحميه.

في بعض الحالات، يتحول الغياب عن الوظيفة إلى منفعة متبادلة؛ موظف لا يداوم، ومسؤول يغض الطرف، وربما طرف ثالث يستفيد من الراتب أو جزء منه. وفي حالات أخرى، تصبح الوظيفة نفسها أداة للمجاملة السياسية أو الانتخابية، فتُخلق درجات وظيفية لا تنطلق من حاجة المؤسسة بقدر ما تنطلق من حاجة السياسي إلى توسيع دائرة نفوذه.

المفارقة الدولة التي تبحث اليوم عن «الفضائي» هي نفسها التي سمحت في مراحل سابقة بتكوين البيئة التي أنتجته.

لذلك فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقوم على حذف الأسماء فقط.

الربط الإلكتروني، والبصمة، والبطاقة الذكية، وتدقيق الملاكات، كلها أدوات ضرورية، لكنها لا تكفي إذا بقيت الحلقة الأهم خارج دائرة المحاسبة. فإذا حُذف ألف اسم اليوم، ثم فُتحت غداً أبواب جديدة للمحسوبية، فلن نكون قد عالجنا المشكلة، بل أعدنا ترتيبها.

والخسارة هنا ليست مالية فقط.

حين يرى المواطن أن شخصاً يتقاضى راتباً من الدولة من دون أن يعمل، بينما المعلم والممرض والموظف الحقيقي ينتظر راتبه، فإن الضرر يصل إلى معنى العدالة نفسه. وحين تُحتجز الدرجات الوظيفية لأشخاص غير موجودين، فإن مؤسسات الدولة تخسر في الوقت ذاته أموالها وكفاءاتها.

لهذا فإن معركة «الفضائيين» يجب ألا تكون حملة مؤقتة لتصحيح قوائم الرواتب، بل مشروعاً لإعادة بناء علاقة الدولة بالوظيفة العامة.

الدولة تحتاج إلى أن تعرف بدقة: من يعمل لديها؟ أين يعمل؟ ماذا يقدم؟ ومن المسؤول عنه؟

والأهم من ذلك: من صنع الفضائي؟ ومن سمح له بالبقاء؟ ومن استفاد من راتبه؟

إذا تمت محاسبة الموظف الوهمي فقط، وبقيت الجهة التي صنعت اسمه خارج المساءلة، فسوف نستمر في مطاردة الأشباح بينما يبقى من يصنعها واقفاً في الضوء.

«الفضائي» ليس المشكلة كلها، بل هو أحد أعراضها.

أما المشكلة الحقيقية فهي دولة لا تزال تحاول أن تنظف دفاترها، بينما تحتاج قبل ذلك إلى تنظيف الآلية التي تكتب تلك الدفاتر.
فإما أن نغلق الباب الذي يدخل منه الفضائيون، أو سنبقى ندفع رواتب لأشباح، فيما تحتاج الدولة إلى موظفين حقيقيين، ومؤسسات حقيقية، وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قواعد اللعبة في سوريا
- ال100 يوم: اعتراف ضروري لإنقاذ التعليم العراقي
- حصار إيران بين الرغبة الأمريكية وواقع الجغرافية
- العراق وبدائل هرمز
- شراء المناصب والفساد
- ثلاثة صراعات.. وتأثيرها على المنطقة العربية
- ترمب وحصار إيران اقتصاديا لمن الغلبة ؟
- أزمة السيولة النقدية في العراق
- تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تكوين شخصية الطفل
- لماذا لا يهدأ الشرق الأوسط؟
- من دجلة الى قرطاج
- الظرف الأبيض
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (16)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (15)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (14)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (13)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (12)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (10)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (9)


المزيد.....




- رئيس المرحلة الانتقالية في مالي يوافق على دعوة تبون لزيارة ا ...
- الرئيس الإيراني لقائد الجيش الباكستاني: البلطجة والغطرسة الأ ...
- وزيرة خارجية هنغاريا تؤكد معارضة بلادها لانضمام أوكرانيا الس ...
- عقود مليارية وتعاون دفاعي استراتيجي وتوافق في ملفات سوريا وه ...
- ميروشنيك يشبه تصريحات رئيس فنلندا حول استهداف نظام كييف المر ...
- فاغنكنخت تتوقع خسارة فادحة لحزب ميرتس في انتخابات ساكسونيا-أ ...
- الولايات المتحدة تعلن استعدادها لتسهيل المفاوضات بين موسكو و ...
- الدكتور/ محمد يوسف يكتب السد الإثيوبي: بين شفافية المعلومة و ...
- ألمانيا تقر أعمق إصلاح لأجهزة الاستخبارات في تاريخها الحديث ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل المشهد الميداني في الضفة الغر ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - الفضائيون