أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي الحمداني - ال100 يوم: اعتراف ضروري لإنقاذ التعليم العراقي














المزيد.....

ال100 يوم: اعتراف ضروري لإنقاذ التعليم العراقي


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 15:35
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


منذ سنوات تتكرر الشكوى نفسها في كل بيت عراقي: المنهج ثقيل، والوقت قليل، والطالب يخرج من عامه الدراسي مثقلاً بكمّ كبير من المعلومات التي لم تتح له فرصة فهمها أو توظيفها. ولم تعد المشكلة اليوم في جودة الطباعة أو ألوان الكتاب، بل في الفجوة الواسعة بين ما كُتب على الورق وبين واقع المدرسة العراقية.
المناهج الدراسية لا تزال في جانب كبير منها أسيرة فلسفة تقوم على التلقين والاستظهار. احفظ ثم استرجع، وأجب كما وردت الإجابة في الكتاب. أما الأسئلة التي تبدأ بـ«لماذا؟» و«كيف؟» و«ما رأيك؟» و«ماذا لو؟» فما زالت أقل حضوراً مما ينبغي. والنتيجة أن الطالب قد يجيد اجتياز الامتحان، لكنه لا يمتلك بالضرورة مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والتحليل والعمل الجماعي التي يحتاجها في حياته الجامعية والمهنية.
المشكلة الثانية هي كثافة المناهج مقارنة بالزمن التعليمي المتاح فعلياً. فالمنهج قد يُبنى نظرياً على عدد كبير من الأيام الدراسية، لكن السنة المدرسية الواقعية تتأثر بالعطل الرسمية والامتحانات والظروف الطارئة ومختلف العوامل التي تقلل من زمن التدريس الفعلي. وهنا يجد المعلم نفسه أمام خيارين كلاهما صعب: إما أن يسرع في الشرح حتى ينهي الكتاب، أو يتوقف عند الدروس المهمة ويترك أجزاء من المنهج، مع ما يترتب على ذلك من ضغط ومسؤولية.
ثم يأتي الامتحان الوزاري ليكرس المشكلة عندما تتحول بعض الأسئلة إلى اختبار للذاكرة أكثر من كونها اختباراً للفهم. وفي مثل هذه الحالة يصبح من الطبيعي أن يبحث الطالب عن الملزمة والملخص، وأن يركز المعلم على ما يتوقع أن يأتي في الامتحان، بدلاً من أن يكون هدف العملية التعليمية بناء المعرفة والقدرة على التفكير.
لا يمكن، في المقابل، إنكار ما قامت به وزارة التربية خلال السنوات الماضية من محاولات للتطوير، سواء في إعادة طباعة الكتب وإخراجها بصورة أفضل، أو حذف بعض الموضوعات المكررة، أو إدخال المنصات والوسائل الإلكترونية. لكن تطوير الشكل لا يكفي إذا بقيت الفلسفة التعليمية نفسها. نحن بحاجة إلى الانتقال من تحسين الكتاب إلى إعادة التفكير في محتواه ووظيفته.
ومن هنا يمكن طرح فكرة «منهج الـ100 يوم»، ليس بوصفها رقماً مقدساً أو وصفة جاهزة، وإنما باعتبارها محاولة للنظر إلى المنهج من زاوية الزمن التعليمي الحقيقي، ثم بناء محتواه على أساس ما يستطيع الطالب أن يتعلمه ويفهمه فعلاً، لا على أساس ما يمكن وضعه في كتاب.
الفكرة تبدأ بجراحة حقيقية في المحتوى. لماذا نحتاج إلى كل هذه الصفحات والموضوعات والتفاصيل؟ ينبغي أن نحتفظ بالمعارف والمفاهيم والمهارات الأساسية التي يحتاجها الطالب للانتقال إلى المرحلة التالية، وأن تتحول الموضوعات الثانوية والتفاصيل الإثرائية إلى مواد اختيارية يمكن للطالب المتقدم أو الراغب في التوسع العودة إليها.
إن تقليص حجم المنهج لا يعني إضعاف التعليم. على العكس، قد يكون تقليص المحتوى شرطاً للوصول إلى تعليم أعمق. فالطالب الذي يفهم عشرة مفاهيم بصورة جيدة أفضل من طالب يحفظ خمسين مفهوماً ثم ينساها بعد انتهاء الامتحان.
والخطوة الثانية هي تغيير طريقة تقديم الدرس. ليس المطلوب إلغاء الحفظ، فهناك معلومات لا بد من حفظها، وإنما المطلوب أن يصبح الحفظ جزءاً من عملية الفهم وليس بديلاً عنها. ينبغي أن ينتهي كل درس بسؤال تطبيقي أو نشاط أو مشكلة من الواقع، بحيث ينتقل الطالب من موقع المتلقي إلى موقع المشارك.
أما المعلم، فهو بحاجة إلى دليل عملي واقعي، لا إلى كتب إرشادية ضخمة تزيد أعباءه. يحتاج إلى خارطة طريق واضحة تقول له: ما الهدف الأساسي من هذا الدرس؟ ما المفهوم الذي يجب أن يصل إلى الطالب؟ ما النشاط الذي يمكن أن يثبت الفكرة؟ وما الواجب البسيط الذي يساعد على ترسيخها؟ عندما نختصر الطريق أمام المعلم، فإننا لا نقلل من شأنه، بل نحرر وقته ليقوم بالمهمة الأساسية: التعليم.
ويبقى الامتحان الوزاري الحلقة الأكثر أهمية في هذه السلسلة. لا يمكن أن نطالب المعلم بتغيير أسلوبه إذا كان الامتحان يكافئ الحفظ أكثر من الفهم. المطلوب أن تتوسع تدريجياً أسئلة التحليل والاستنتاج والتطبيق، بحيث تصبح نسبة مهمة من الامتحان قائمة على قدرة الطالب على استخدام المعرفة، لا مجرد استعادتها.
حينها فقط سيتغير سلوك العملية التعليمية بأكملها. سيعرف الطالب أن الملزمة وحدها لا تكفي، وسيعرف المعلم أن شرح الفكرة أهم من تلقين الإجابة، وسيبدأ الكتاب المدرسي باستعادة دوره الحقيقي باعتباره المصدر الأساسي للتعلم.
نحن لا نحتاج إلى ثورة تربوية تربك المدرسة والمعلم والطالب، ولا إلى استيراد نموذج تعليمي جاهز من دولة أخرى. نحتاج إلى إصلاح عميق وتدريجي يبدأ من الاعتراف بالواقع العراقي كما هو، ثم تصميم المنهج على أساس هذا الواقع.
لقد آن الأوان لأن نسأل سؤالاً بسيطاً: كم من المنهج يستطيع الطالب العراقي أن يتعلمه فعلاً خلال السنة الدراسية، لا كم صفحة نستطيع أن نضعها في الكتاب؟
الشجاعة التربوية تبدأ من هذا السؤال.
نحن لا نريد طالباً يحفظ العراق عن ظهر قلب، بل نريد طالباً يفهم العراق، ويفهم مشكلاته، ويمتلك القدرة على التفكير في حلولها والمساهمة في بنائه.
ولهذا فإن الشعار الذي ينبغي أن يحكم أي إصلاح قادم للمناهج هو: أقلُّ كمّاً، وأكثرُ كيفاً.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حصار إيران بين الرغبة الأمريكية وواقع الجغرافية
- العراق وبدائل هرمز
- شراء المناصب والفساد
- ثلاثة صراعات.. وتأثيرها على المنطقة العربية
- ترمب وحصار إيران اقتصاديا لمن الغلبة ؟
- أزمة السيولة النقدية في العراق
- تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تكوين شخصية الطفل
- لماذا لا يهدأ الشرق الأوسط؟
- من دجلة الى قرطاج
- الظرف الأبيض
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (16)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (15)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (14)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (13)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (12)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (10)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (9)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (8)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (7)


المزيد.....




- -محار روكي ماونتن-.. طبق غريب يُصنع من مكوّن لن تتوقعه
- كارني بعد انهيار المحادثات التجارية: أمريكا تحاول كسر إرادتن ...
- حفيد الخميني: إيران خرجت -مرفوعة الرأس- من الحرب مع أمريكا و ...
- تحليل: إيران تتحدى ضغوط ترامب.. هل تستعد للانتقال إلى الهجوم ...
- كاتس يأمر الجيش الإسرائيلي بالتعامل مع إطلاق البالونات من غز ...
- ترامب: كندا تريد -مزايا- كونها ولاية أمريكية، وكارني يقول إن ...
- بزشكيان يقرّ بالأزمات الداخلية وإيران تهدد المشاركين في العق ...
- -إسرائيل تسعى إلى تدمير أي احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقلة ...
- حرب تجارية وتراشق كلامي.. ترامب يهاجم كندا بعد انهيار المفاو ...
- إصابة إسرائيلي في عملية طعن بالأغوار.. والجيش يقتحم قرية الع ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي الحمداني - ال100 يوم: اعتراف ضروري لإنقاذ التعليم العراقي