أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (19)














المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن الصعب (19)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 11:31
المحور: الادب والفن
    


الى حنان
وصلتني منك رسالة طويلة، وعدة أسئلة ما بين أسطرها، تعلمت منها كيف يكون الحرف أنيقًا حين يُكتب بأناملك.
أعترف لك: لستِ أول حب في حياتي، ولستُ أول حبيب عندك. سبقتك أمي، التي كنت أمسك طرف عباءتها خوفًا من التيه، وها أنا أتخذ من خصلة شعرك بوصلة لي.
وأعرف أن أول حبيب لكِ هو ذلك الرجل الذي تحملين اسمه، وتحتاجينه كل لحظة، وهو الذي إليه تنسبين.
أما لو كان السؤال: هل أحببت من قبل؟ لا أعلم. ربما لم يسمح الوقت لنا أن نعيش حالة حب، لأننا أصلًا كنا خارج الزمن، هنالك في جبهات حرب امتدت من شمال الوطن إلى جنوبه.
شباب بعمر الثامنة عشرة يحضنون بنادقهم، ويشربون الشاي الثقيل، ويدخنون السجائر. كنت أحدهم. كان عندي راديو صغير، أحيانًا أسمع أغاني جميلة لأم كلثوم ونجاة الصغيرة، لكن أناشيد الحرب كانت أعلى صوتًا من أغاني الحب.
في إجازاتي، كل أربعين يومًا، أحاول ترتيب ذاكرتي، لكن سبعة أيام لا تكفي لإعادة تنظيم ذاكرة مبعثرة. والبصرة بعيدة جدًا عن بيتي، وغرفة نومي، وسريري.
كانت أمي ترتب حقيبة الالتحاق، صغيرة، فيها ملابس نظيفة، وعلب سجائر، وكبة وخبز للطريق أو للرفاق الذين ينتظرونني.
أصل فجرًا إلى البصرة، أفطر قيمرًا وخبزًا حارًا بنصف دينار، ثم أتوجه إلى الساتر الذي يعرفني.
عندما غادرنا البصرة صوب قاطع آخر، بكيت. كنت أشعر أن البصرة أجمل النساء، لكن بدت لي كل مدن الحرب تحبنا، رغم أن بعضنا لا يحبها. أنا من الذين يحبون مدن الحرب التي تشبه الأمهات.
أما سؤالك: هل الحصار يتعبك؟
كان من المفترض أن أكتب لك هذه الرسالة صباح اليوم، لكنني وجدت أن اليوم عطلة. خرجت للعمل، وكان المفروض أن أعود بعد الظهر، لكننا بقينا نعمل حتى العاشرة ليلًا. تضاعفت أجرتي، ونجحت في شراء شمعة أكتب لك من خلال ضوئها، وأخذت علبة سجائر سيئة جدًا، لكن فيها دخان.
ماذا بعد؟ غدًا صباحًا أكون أول المتواجدين في المدرسة التي أعمل بها.
متعب هذا الأمر، صغيرتي، لكنه مؤقت وسيزول حتمًا، لأنه غير طبيعي.
الساعة تقترب من الثانية عشرة منتصف الليل. قبل ذهابي إلى المدرسة، سأضع الرسالة عندي. طوابع البريد تكفي لعدة رسائل أخرى.
اطمئني، لن تنقطع رسائلي.
آخر الأسئلة التي حملتها رسالتك: هل أؤمن بالعرافة؟
إن كان حديثها في جانبي، أؤمن بها؛ لأنها تمنحني الأمل. ومع هذا، هي عرافة لا تعرف الغيب، لكنها تتوقع.
ثم ما هذا السؤال؟ قلت لك: سنلتقي في شرفة تطل على بحر يجمع ثلاث قارات. أما متى، فلم تحدد لي العرافة الموعد. تركته، قد نتفق عليه فيما بعد. لا يزال أمامنا بعض الوقت.
دمتِ لي.
10 مارس 1994

الرائعة حنان
أعود إلى طاولتي، وليس معي سوى كلمات. هذا الكاسيت، صحيح، فيه أغانٍ لماجدة الرومي، لكنه يبدأ بصوتك. ما أسعدني بك! سمعت كيف تنطقين اسمي، وعرفتُ بكسر حرف الحاء. سمعت تساقط المطر مع صوتك ولهجتك، وشممت عطرك.
على ذكر العطر الذي أرسلته لي، رغم أن الموروث الشعبي يقول إن العطر يعني فراقًا، إلا أنني أرفض ذلك. لهذا وضعتُ لخصلة شعرك التي عندي شيئًا من هذا العطر. كانت تبتسم وأنا أمشطها.
سألتني عنك، قلت لها: هي من أرسلت هذا العطر مع صوتها، الذي كان أجمل من صوت ماجدة الرومي، بل أجمل حتى من مقالاتي التي تقصّينها من الجريدة وترسلينها لي.
لم أخبر أمي بالعطر. أعرف أنها ستقول لي: العطر فأل الفراق. لا أريد أن أسمع هذا.
رسائلك من العاصمة تصل أسرع. بالنسبة لي، لا يمكن أن أرسل من العاصمة. ليست بعيدة، لكن الوقت يخذلني أحيانًا، كما تعرفين. بعد العصر أعمل في مقهى حتى ساعة متأخرة من الليل، أعود بعدها إلى غرفتي، هذه ألقي فيها نظرة على صورتك، وأصحو مبكرًا لأكون أول المتواجدين في المدرسة، كما تعرفين.
تلاميذي كثر هنا. النساء لا يعرفن معنى الحصار، والرجال يؤمنون أن كل طفل يأتي معه رزقه من السماء، وأنا أؤمن بهذا جدًا.
اليوم أرسلت مشاركتي في مسابقة القصة القصيرة تحت إلحاح صديقي مثنى، الذي يدرس في الجامعة. هو من تولى إرسالها، وأكد لي عصر اليوم أنها وصلت وأخذت مكانها للتنافس. لا أدري إن كانت صالحة للفوز، رغم أن المشاركة بحد ذاتها مهمة.
أتذكر جيدًا، قبل سنوات، نُشر اسمي في إحدى الصحف. فرحت كثيرًا عندما قرأت: «الصديق حسين علي الحمداني، موضوعك غير صالح للنشر». فرحت جدًا؛ اسمي مكتوب! بقيت أحتفظ بهذه النسخة سنوات عديدة.
ذات مرة سألني مثنى: لماذا تحتفظ بها؟
قلت له: لأن ثمة أحدًا قرأ ما كتبت وحكم عليه بأنه لا يصلح، وهذا ما جعلني أحتفظ بهذه الشهادة.
قبل أيام فكرت بإعادة إرسال ذلك الموضوع الذي لم يكن صالحًا لذات الجريدة. وجدته أخذ مكانه في الصفحة الأخيرة غير الملوّنة. صحفنا ليست ملوّنة كما صحفكم.
ماذا بقي اليوم؟
فقط أضع لك في طرد صغير منفصل شريط كاسيت فيه أغانٍ عراقية، وقبلها بضع دقائق بصوت تسمعينه للمرة الثانية: صوتي. ربما فيه بعض الارتجاف، لكنه صوتي.
لا أعدك بشريط آخر.
الساعة تقترب من منتصف الليل، والشمعة توشك أن تصل إلى نهايتها.
دمتِ لي.
20 مارس 1994



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (18)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (17)
- الفضائيون
- قواعد اللعبة في سوريا
- ال100 يوم: اعتراف ضروري لإنقاذ التعليم العراقي
- حصار إيران بين الرغبة الأمريكية وواقع الجغرافية
- العراق وبدائل هرمز
- شراء المناصب والفساد
- ثلاثة صراعات.. وتأثيرها على المنطقة العربية
- ترمب وحصار إيران اقتصاديا لمن الغلبة ؟
- أزمة السيولة النقدية في العراق
- تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تكوين شخصية الطفل
- لماذا لا يهدأ الشرق الأوسط؟
- من دجلة الى قرطاج
- الظرف الأبيض
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (16)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (15)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (14)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (13)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (12)


المزيد.....




- -فقدنا ملاكاً على الأرض-.. العالم الفني يودّع دوللي بارتون ب ...
- من شنغهاي إلى موسكو.. تشاو لي هونغ والأدب الصيني في معرض موس ...
- -جاسوس ومتمرد-.. القصة الغامضة وراء إعدام الشاعر الروسي نيقو ...
- تركيا.. نجم مسلسل -الأوراق المتساقطة- يعمل سائق شاحنة في أمر ...
- ماجدة موريس تكتب :الموسيقي والناس.. والقلعة 
- -حوار طال انتظاره-.. الإعلان عن برنامج مهرجان -متحف الإعلام- ...
- كيف ابتكر البلاشفة الصحافة المسموعة؟
- وفاة أيقونة موسيقى الريف -الكانتري- الأمريكية دوللي بارتون ع ...
- بعد وفاتها.. استذكار نكتة دوللي بارتون -المبتذلة- التي توقعت ...
- حتى لا يضيع الوهم: كاظم الساهر في سيدني


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (19)