أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - الوعي: من ثنائية الذات والموضوع إلى البنية العلائقية















المزيد.....


الوعي: من ثنائية الذات والموضوع إلى البنية العلائقية


بدور عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 22:32
المحور: قضايا ثقافية
    


قال لي صديق شاعر مرة، وكنت حينها طالبة في كلية الفلسفة، قال: أنا في البداية ذهبت إلى الفلسفة، استجابة لفضولي المعرفي، لكنني وجدت أني أقرأ فيلسوفاً، فيقدم مقدمات تصل إلى نتائج مقنعة، فأقتنع، ثم أذهب لأطلع على آخر، فيقول ما يخالفه، لكنه مقنع أيضاً، فأذهب إلى ثالث، فيقول شيئاً ثالثاً مقنعاً، لذلك تركت الفلسفة.
أثار الشاعر مشكلة معرفية، كانت قد أرّقت ديكارت في القرن السابع عشر، أوصلته إلى (الكوجيتو) وافتتاح عصر النظريات الفلسفية الحديثة.
بطبيعة الحال، لم يكن حال صديقي الشاعر في ما آل إليه، هو حال ديكارت. فقد اطمأن الشاعر إلى الشعر سبيلاً وموئلاً. أما المشكلة المعرفية التي كان قد أشار إليها بشكل عابر، فقد كانت قائمة في الفلسفة الغربية، دون أن يحلها (كوجيتو) ديكارت، وما تلاه من أقانيم فلسفية، فهي خفية، على جلائها في الفكر الغربي وقوله، حتى بالنسبة للمفكرين الغربيين أنفسهم، والذين أحسوا إشكالاً قائماً في وجه الفلسفة في العصر الراهن، لكنهم لم يضعوا اليد عليه بعد، فقد غصت الفلسفة بكأس العلم المعاصر، فجعلوا اللغة تتكلم عنها، لكن صوت اللغة، بقي صوت اللغة، وليس صوت الفلسفة.
لم يكن الإشكال أساساً في الفلسفة ولا في الفيلسوف، كان الإشكال متعلقاً ببنية الفكر الغربي نفسه، بنية ثنائية آتية مع الفكر ولغته من زمن الإغريق، تضع السبب والنتيجة متقابلين على طرفي خط، وتفصل بين الذات والموضوع بالخط ذاته.
تلك البنية الثنائية، كانت قد وجدت أحد تعبيراتها في تصور الزمن لدى نيوتن، حيث كان الزمن بالنسبة إليه، بمثابة خط يتحرك سهمياً أو خطياً من ماضٍ إلى مستقبل، وهو ما خالفته النسبية فيما بعد، والتي علقت الزمان بالمكان، فالزمن ما عاد مقولة مستقلة، والأزمنة ما عادت خط ماضٍ- مستقبل، وإنما هي حاضرة كلها في الآن ذاته.

ص - 2
ولعل ملاحظة صغيرة تستحق الإشارة هنا، قبل أن يأتي شرحها لاحقاً، ذلك أن فصل الذات عن الموضوع في الفكر الغربي، كان مهيِئاً بطبيعة الحال، إلى اختلافات جذرية بين الفلسفات، تصل إلى حد النقيض مع النقيض. بينما في الفكر العلائقي، والذي ينبني عليه الفكر العربي، فإنه كان في تعالقه منسجماً مع المتغيرات المختلفة، وفي أولها المتغيرات العلمية، وهو ما كان واضحاً في بحث الجملة العربية. ذلك أن علائقيته في حدوده وعناصره، لم تتناقض مع ما سبقها قبل اآلاف السنين، وإنما انبنت عليه وتطورت به ومعه.
هذه ليست مقارنة أفضلية بين فكر وآخر، وإنما هي توثيق لما هو حاصل، وبطبيعة الحال لا يمكن أن يشير البحث إلى نماذج معرفية علائقية عربية كثيرة، بسبب كثرة التآليف على غرار الفكر الغربي في ثنائيته، لكننا لا نعدم النماذج المبنية على الفكر والقول العلائقي، مثالاً منهج الدكتور محمد شحرور، والدكتور طه عبد الرحمن في مؤلفاتهما. وإن كانت لدينا نماذج عربية علائقية الفكر والقول أكثر من أن تعد، بدءاً من تشكل وتطور هذا الفكر ولغته منذ التاريخ القديم، وإلى ما بعد عصر النظريات في الحضارة العربية الإسلامية.
أما لماذا ليست ليست لدينا نماذج معرفية معاصرة كثيرة، فذلك ما تمت الإشارة إليه، في أكثر من مكان وأكثر من بحث، من حيث اقتداء الفكر العربي لمناهج الفكر الغربي، منذ ما يقرب من مئتي عام مضت، الأمر الذي أغلق على هذا الفكر باب الإبداع المتعالق بين فكره وقوله، فراح (يترجم) من فكر ثنائي إلى لغة علائقية، وبقي في غالبيته حتى الآن، محض ظل ملحق بأصل يحتاج هو ذاته إلى إعادة نظر.

ص- 3
وبالعودة إلى الفلسفة الغربية، وقبل البحث في الفلسفة الحديثة، فإنه تجدر الإشارة إلى الجذر اليوناني، الذي انبنت عليه الفلسفة الحديثة، لا في مقولاتها، وإنما في أصل تشكل الفكر ذاته وبنية اللغة ذاتها.
كانت الفلسفة الحديثة قد تشكلت بطبيعة الحال، على رؤية ثنائية في بنية الفكر وقول اللغة، آتية من المفكرين الإغريق الذين فصلوا السبب عن النتيجة، بخط غير مرئي توضع الطرفان على حديه، مثلما فصلوا الذات عن الموضوع، بحيث توضع الطرفان أيضاً متقابلان على طرفي الخط ذاته. هذه الرؤية التي استمرّت في بنية الفكر والقول، على الرغم من تغير المقولات، سوف تترك خللاً بنيوياً في الفكر الغربي، يمتد بأثره إلى العصر الراهن، ليتوسع كعقبة فكرية في تشكيل منظومة معرفية راهنة، تنسجم، أو بالحد الأدنى، لا تتعارض مع نتائج العلوم المعاصرة. ذاك أن الفكر اليوناني القديم، قبل أن تستقيم جملته من اليسار إلى اليمين، مرت بمرحلة تناوبت فيها بين اليمين واليسار، سطراً بسطر. قد تبدو هذه مرحلة عابرة، لكنها في الحقيقة تؤشر لثلاث مراحل في الفكر واللغة اليونانية القديمة.

ص-4
في المرحلة الوسيطة بين الأولى والثالثة، راوحت الجملة في الكتابة. سطراً من اليمين إلى اليسار، وسطراً من اليسار إلى اليمين. ومع أن هذه المرحلة هي الموثقة والمعروفة لدى الباحثين اللغويين المعاصرين، إلا أن أحداً في ما يبدو، لم يعرها انتباهاً، أو لم يرد أن يعيرها اهتماماً أكثر من التوثيق. ولكن بالعودة إلى تلك المرحلة، قد يثور سؤال، لماذا كانت الكتابة المتناوبة، قبل أن تستقر في النهاية من اليسار؟ هل هي محض مصادفة؟ أم تجربة استقرت في النهاية على اليسار؟ أم كما يجاب عادة حال السؤال، إنها لسهولة الكتابة؟ لكن هذه الإجابات على الأسئلة، تبدو أبسط بكثير من أن تكون كافية لتغطية مسألة جوهرية من هذا النوع، توثق للغة يفترض أنها تقول فكر أصحابها رسماً على الورق.
وفي اقتراح الإجابة على تلك الأسئلة، يمكن طرح الفرضية التالية، والتي تحاول أن تجيب بطريقة تتناسب مع أهمية مسألة تتعلق ببنية الفكر واللغة من حيث كونها قوله، فالكتابة وهي فعل الفكر على الورق، كانت كما هو موثق، تكتب بالتناوب، يمين، يسار، مما يرجح أنها كانت قبل ذلك، تَكتُب كل أسطرها من اليمين إلى اليسار، عندما كان المفكرون الإغريق يدرسون على علماء أو مفكرين عرب في المنطقة العربية، فكتبوا كما كان يكتب معلموهم. وعلى اعتبار اللغة هي قول التفكير، أو هي التفكير على هيئة قول، فهذا يعني أن فكر أولئك الأوائل، كان شبيهاً أو متفقاً مع فكر معلمي المنطقة، معبراً عنه بالطريقة ذاتها.

ص - 5
بعد ذلك، وفي حقبة تالية، بدأ الفكر اليوناني بالانفصال والتغير، لكنه كان في مرحلة البين بين، ولم يكن قد استقر بعد باتجاه رؤية فكرية أخرى مختلفة، فكانت الكتابة بالتناوب تنتقل خطوة مع الفكر في قولها له. بعد ذلك وفي المرحلة الأخيرة، استقرت الكتابة من اليسار، إذ كان الفكر قبل أرسطو بقليل، قد استقر على الثنائية المتقابلة، وليكتمل فكراً ثنائياً نظرياً وفلسفياً مع أرسطو، ومع ثنائية سبب - نتيجة، و ذات - موضوع، متقابلين على طرفي خط.
لماذا هذه المسألة مهمة؟ لا لأنها فقط، تكشف أساس الإشكال الذي يعانيه الفكر الغربي الآن، على اعتبار أن القول هو فعل التفكير، لا يسبق التفكير ولا يتأخر عنه، فالفكر وقوله، أو الفكر وفعله يتحققان في الآن ذاته، لكن لأن الفكر الغربي يفصله بينهما، ووضعهما متقابلين على طرفي خط، سيخلق فيما بعد إشكاليات متعددة، تؤدي إلى خلافات حادة ومتناقضة بين الفلسفات التالية، مثلما ستبلغ مداها المغلق مع العصر الحديث، في عدم قدرتها على الاستجابة النظرية والمعرفية لنتائج العلم المعاصر، وهي المسألة ذاتها التي ستؤدي إلى انفصالات بين الذات والوجود، وبين الوعي والمادة.

ص - 6
هذا الفصل بين الذات والوجود، والوعي والمادة، أدى إلى ما صار يدعى بمشكلة الوعي الراهنة، أو معضلة الوعي، التي تعددت وتناقضت حولها الفلسفات والتفسيرات والتجارب، سواء من حيث الفهم، أو التعريف، أو ما يترتب على ذلك من نتائج أو نظريات مازالت مختلفة في التأسيس والناتج، بحيث بقي السؤال، ما هو الوعي؟ كيف يحصل؟ هل يسبق الوعي المادة؟ أم أن المادة هي التي تسبق الوعي؟ هل ينتج الوعي من تفاعلات كيميائية في الدماغ ليس إلا؟ أم أن الوعي شيء آخر مستقل ومختلف؟ أسئلة مازال يدور السؤال بينها وحولها، منذ بدايات الفلسفة الحديثة، منذ ديكارت بوضوح، وإن لم تكن موجودة قبله بالوضوح ذاته، بسبب أن سؤال الوعي، كان متضمناً في مسائل أخرى، كالنفس مثلاً.
بقيت فلسفة أرسطو أو عاشت حتى أوائل عصر النهضة الأوروبية، حين اصطدمت سلطة الكنيسة مع العلوم التي بدأت تخالفها مع كوبرنيكوس، ثم ما أضافه جيوردانو برونو، ومن ثم ما قال به غاليليو غاليليه. كان الأمر خطيراً بالنسبة للكنيسة، وهو سحب سلطتها الكهنوتية، والتي لم تكن خاوية من الموقف الفلسفي، وهو ما استند إلى أرسطو، وما استطاعت أن تحاجج به في البداية، قبل تمكن الثورة الفرنسية و(عصر الأنوار) من سحب آخر مفتاح سلطوي بين يديها، وإرساء الأفكار والعلوم الحديثة. لكن تلك العلوم وإن كانت قد قطعت شوطاً بعيداً في التقدم، إلا أن ثنائيتها كانت ماتزال تعمل وإن تغيرت عناصرها، فقالت بحتمية العلوم ونتائجها وقوانينها، والتي ستسحب هي الأخرى في العصر الراهن، مع طعن الحتمية في القلب وإثبات اللاحتمية.

ص -7
وبالعودة إلى مسألة الوعي، يبرز سؤال يحاول أن يفسح لنفسه مكاناً، على غرابة طابعه ومظهره، في أن يشارك الأسئلة على طاولة البحث، سؤال يقول، من الأول، البيضة أم الدجاجة؟
في بحث سابق، كان السؤال ذاته قد ظهر، لكنه كان في حينه متعلقاً بطريقة الوعي الجمعي العربي، في تعبير هذا الوعي عن العلاقة بين الإنسان والوجود، كما تجلت في الفكر العربي وقوله، منذ نشأته وحتى استقراره في فكر وعلوم الحضارة العربية الإسلامية. فهل هو حال حضوره، سؤال للإجابة أم للإشارة والإضمار؟ على أن لا أول ولا ثانٍ بين البيضة والدجاجة، إنما هي علاقة مستمرة تعود باستمرار إلى علاقة سبقتها على سلم التطور. وهو على هذا سؤال يشير، وسؤال ينفتح على أسئلة وحالات، لا تقول بالثنائية بين طرفيها، ولا تضع طرفاً في مواجهة طرف، ولا تطلب من أي منهما القول الفصل في مواجهة الآخر.

ص- 8
سؤال البيضة والدجاجة، على ما يوحي به من بساطة وغرابة الشكل، لأن يجد له مكاناً بين فخامة أسئلة أخرى معرفية، إلا أنه بهذه البساطة تحديداً، مثال حي على الحس الشعبي، في كيف يقول فكره المعرفي، فهو يعبر بطريقته عما هو مؤسّس من فكر الإنسان العربي في قوله بعلاقته بالوجود، علاقة لا تقول بثنائية ذات - موضوع بينها وبين الوجود، إنما هي علاقة علائقية، يتشكل فيها فعل الوجود، مع فعل الفكر في حركة واحدة، وآن واحد .
وسؤال البيضة والدجاجة، هذا السؤال شعبي الصيغة والمظهر، هل يملك أهلية ولياقة اقتحام سؤال وعي آخر، سوى الوعي الجمعي؟ وعي يُعتَبر إشكالية معرفية راهنة، شكلت في ما مضى أحد أسس وركائز فلسفات راوحت بين النقيض والنقيض، أولوية الوعي، وأولوية المادة، طرفان يسبق أحدهما الآخر. وهو بالإضافة إلى ذلك، إشكالية تتبدى في العصر الراهن، على أنها معضلة تخالفت فيها الآراء، وتعددت فيها التجارب والنتائج، وتوزعت على حقول، مازالت لا تقول فيها الكلمة الفصل. فهل لسؤال خرج من تنور الحاضنة الشعبية، أن يقتحم صميم معضلة ماتزال معلقة على أطراف علامة الاستفهام؟

ص - 9
سؤال البيضة والدجاجة لا يستعجل الإجابة، إذ له طول نفس تاريخه، ولا يختصر الإجابة في حقل أو مجال، فهو مخزون شعبي جمعي، له اتساع مدى تاريخه وما يمثل. سؤال عتيق، لعله يملك من الصبر والتأني والصبر في الإجابة على سؤاله مايكفي لينتظر التقدم الهاديء للبحث. ذلك أن لمصطلح الوعي رحلة طويلة في الفكر الغربي، تتفرع على تنويعات واختلافات، تبعاً للفكر الذي يجيب، ووصولاً إلى الراهن، الذي وقف أمام هذه المسألة دون أن يفتي فيها برأي نهائي بين آراء توزعت على أفق النظر، ليس لمسألة الوعي ذاتها فحسب، وإنما لأساسها الفكري، والذي تنبني عليه فلسفات غربية امتدّت على مدى قرون، وتجارب راهنة، وآراء انبنت عليها، ولم تصل بعد لكلمتها الفصل.

ص - 10
وفي استباق سؤال لماذا الفكر الغربي هو مركز القول؟ وهو هَمّ السؤال أولا؟
وفي الإجابة الأساس، أن هذا الفكر، ومنذ عدة قرون، مازال يقدم نفسه على أنه فكر عالمي. فهل هو فكر عالمي؟ وهل طريقته في النظر إلى الوجود والإنسان هي نظرة مسلَّم بها؟ وهل هي بإزاء ذلك صحيحة في أساسها وبنيتها؟ أم أنها تحتمل إعادة النظر في كونها مسلَّمَة أصلاً، قبل الخوض في تفاصيل ناتجها؟
على الجانب الآخر ما هو القول العربي، في مسألة ماتزال شائكة، ومدار أخذٍ وَرَد؟ ماذا قال الفكر العربي في هذه المسألة، من أول نشأته، إلى استمراره واستقراره في علوم حضارته العربية الإسلامية، كعلم اللغة وعلم الكلام وعلم الأصول؟
ماهي رؤية هذا الفكر؟ هل هي ثنائية بين سبب - نتيجة؟ وذات - موضوع؟ أم أن للفكر العربي أسساً أخرى اختلفت في رؤيتها، منذ أن تشكلت علائقية مع الوجود، فهي لا تقف خارجه ثم تنظر إليه، ومن ثَم تقول موقفها، ولا تمد بينها وبينه خطاً تقف على أحد طرفيه كذات وقبالتها الوجود كموضوع؟

ص - 11
هل هذا الاختلاف هو محض رؤية مختلفة لفكرين، لكل منهما طريقته في النظر، وبالتالي في الفكر والقول؟ أم أن المسألة أعمق من ذلك في ما أفضت إليه الفلسفة الغربية؟ ومن ثم التجارب الراهنة من فكر وقول، وفي ما آلت إليه كموقف إنساني، في علاقته بالوجود والإنسان والمعنى؟
ما هو أثر ذلك في الفكر العربي الراهن، بعد استعمار طويل الأجل، رسّخ مفاهيمه ورؤيته أينما حل؟ حيث حلت معه رؤيته الثنائية في الفكر والقول، بينما هذه الرؤية ذاتها، قد وصلت مع العلم الراهن إلى طريق مسدود، فهي ثنائية حتمية في الفكر والقول، لا تنسجم مع علائقية ولا حتمية في العلم.
ماذا يعني هذا في الفكر العربي المعاصر؟ كان هذا الفكر غير بعيد عما سمي (عصر الانحطاط) والذي توقف فيه الإبداع الحضاري العربي، لأسباب متعددة، ليس مكانها هذا البحث.
كان هذا الفكر خارجاً منهكاً من عصور دمار وحروب وخراب، قد سارع لنقل العلم من مركزه الأم، مدفوعاً بالخروج من تخلفه عن إنجازات الحضارة الحديثة، والتي كانت تمثلها أوروبا في حينه، فسعى لتقليد المستعمر المتميز .يضاف إلى ذلك، ما كان من تأثير المركزية الأوروبية، والتي صدرت نفسها محمولة على قوتها وعلومها الحديثة، على أنها مركز العلم والحضارة العالمي، في خلطة سحرية للفلسفة بالعلم. ثم ما قام به الاستشراق من قياس كل نتاج إبداعي، إلى ما يقول به كمركز وحيد للصواب والحقيقة والكلمة الفصل، ومن ثم قياس وتفسير كل نتاج قولٍ إلى قوله. يضاف إلى هذا، ما كان من رغبة ملحة إلى الأخذ بأفكار هذا المركز، على اعتباره المركز المأمول لاستنساخ الفكر المتقدم.

ص - 12
وعلى هذا فقد استنسخ الفكر العربي الغرب، فتبنى أفكاره وطريقته في الرؤية ، لكنه لم يحقق ما رغب، إذ كان محض ظل، والظل لا يستطيع إلا أن يكون ظلاً، في وقت كان فيه هذا الغرب، يريد للظل أن يبقى ظلاً، إذ تحت هذا الظل منجم من ذهب.
تغرب الفكر العربي عن نفسه وقوله، فأصبح لا يقول قوله، إنما يترجم له من فكر آخر، كان هو ذاته يحمل إشكاليته الخاصة في بنيته. وعلى هذا فقد تراكبت الإشكاليات في الفكر العربي، لتترك في الواقع العربي إشكال ظلٍ مشوه.
وبالعودة إلى الفكر الذي اختص لنفسه مكان المركز، ما الذي كان من أمر هذا الفكر، في مجاله الفكري والفلسفي، وفي علاقته بالوجود والمعنى؟ ما حصل في العصر الراهن هو أن تراجعت الفلسفة الغربية ومقولاتها، وتقدمت اللغة بديلا لتحل محل مسائل كانت من أسس مقولات الفلسفة ودورها في العلاقة مع الوجود والإنسان والمعنى. ومن ثم طفت على السطح مسائل منفردة، ك (الحرية) كانت من صميم الفلسفة فتشظت، وتطلعت إلى عرش الفلسفة! وهي بالأصل كمقولة لم تنجح في اختبار التحقق في الواقع الإنساني، ولا في عين أو عرف البحث العلائقي، وإن خاتلت مفهوم (الاختيار) لتحل محله في بنية تحتاج هي ذاتها إلى إعادة نظر - وقد كانت محل بحث في حينه - مثلما هي مسألة الوعي مجال هذا البحث، إذ هي معضلة راهنة في الفكر الغربي، يكاد لا يجد لها حلاً .

ص - 13
في الفلسفة الحديثة، التي بدأ معها ظهور مفهوم (الوعي) كسؤال مخصوص ومؤسِس، كان ديكارت هو من وضع حجر الأساس مدفوعاً بفكرة (الوعي) في ما عُرِف ب (الكوجيتو الديكارتي) (أنا أفكر إذن أنا موجود) مع الأخذ بعين الاعتبار للتساهل في هذه الترجمة، والتي كان قد اعترض عليها وفندها المفكر د. طه عبد الرحمن. وبسؤال (الوعي) كم هو مضمر في الكوجيتو، افتتح ديكارت عصر الفلسفات الكبرى الحديثة، فلماذا (الوعي) هو ما كان في البدء؟ ولماذا كان (الوعي) لدى ديكارت هو ما يثبت الذات؟ ولماذا ديكارت هو من افتتح عصر الفلسفات الكبرى الحديثة؟ وقبل هذا، ما هي المرحلة والظروف التي أنتجت الكوجيتو؟
كان القرن السابع عشر هو عصر ديكارت، وهو عصر انتهى فيه العالم الوسيط، ولم يستقر بعد العالم الحديث. كانت الفلسفة الأرسطية حتى حينه، هي المسيطرة على الجامعات، مترافقة مع النهضة الأوروبية، التي أعادت إحياء التراث اليوناني والروماني، بالإضافة إلى الثورة العلمية الناشئة، وبروز أسماء علمية متميزة، مثل غاليلية وكبلر، وقد اعتمدت علومهم على الرياضيات والتجربة والقياس الكمي.

ص - 14
من ناحية أخرى كانت أوروبا عصر ديكارت تعيش دمار حرب من أسوأ حروبها، هي حرب (الثلاثين عاماً) حرب متشحة لا بالخلافات السياسية وحدها، وإنما بالخلافات الدينية الحادة بين الكاثوليك والبروتستانت، وقد ترافق هذا بتحول المجتمع من إقطاعي تسيطر فيه الكنيسة، إلى بداية نشوء الدولة الحديثة، وبروز دور الفرد المستقل، والتعليم الجديد.
وبطبيعة الحال فقد تداخل كل هذا مع الظروف الاقتصادية والتي كانت تتوجه بقوة إلى الاستعمار ونشوء وتوسع الشركات والتجارة العالمية وتراكم رأس المال.
في ظل هذا المناخ نشأ ديكارت وتعلم ودرس الفلسفة، والتي أودت به في ظل كل ذلك إلى الخيبة وفقدان اليقين، في مناخ سياسي واجتماعي خلافي ومتوتر، وأرض غادرها الثبات والاستقرار.
وجد ديكارت أن الفلاسفة اختلفوا، حتى أنهم لم يتفقوا جميعاً على قضية واحدة، والكنائس اختلفت، كل يدعي صواب مذهبه، والحواس يمكن أن تخدع، وكان بحاجة إلى يقين، كل ما حوله يخلخله.
في تلك المرحلة القلقة من عدم وجود يقين يطمئن إليه، سأل ديكارت : ما هي المعرفة التي لا يستطيع الشك أن يهدمها؟



#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الجملة إلى الوجود - 4 -
- من الجملة إلى الوجود - 3 -
- من الجملة إلى الوجود - 2 -
- من الجملة إلى الوجود - 1 -
- المركزية الأوروبية وما بعد الخط المستقيم ( 2 )
- العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود ( 10 )
- العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود ( 9 )
- العلائقية .. نحو تأسيس رؤية للوجود (8)
- المركزية الأوروبية وما بعد الخط المستقيم
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (7)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (6)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (3)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (2)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (1)
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - للشاعر كمال جمال بك


المزيد.....




- استطلاعات رأي: حزب جديد موال للحكومة في كازاخستان يفوز بالأغ ...
- زيلينسكي يعترف بأنه حاول خداع ترامب ولكن الأخير كشفه
- مقتل طفلين وإصابة 7 آخرين في هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية على ...
- عقوبات أمريكية مرتقبة على إيران ولقاء سوري إسرائيلي في الأرد ...
- -أكره الديمقراطيين لكنني أحب عبدول-.. غزة تعيد الناخبين إلى ...
- سوريا وإسرائيل.. لقاء مباشر لخفض التوتر
- بعد رواج لافت.. إيقاف مؤقت لمجموعة -شكاوى أهالي قاع الهامور- ...
- إسرائيل تفضل سيناريو رفح في مرتفعات علي الطاهر اللبنانية.. م ...
- من أين لك كل هذا؟.. إعلامي مصري يطالب بكشف مصادر الثراء الفا ...
- سلوتسكي: سياسة زيلينسكي وبوروشينكو سبب الانقسام في أوكرانيا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - الوعي: من ثنائية الذات والموضوع إلى البنية العلائقية