أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)














المزيد.....

العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)


بدور عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 18:54
المحور: قضايا ثقافية
    


هل يُفهَم القول منفصلاً عن الوجود الذي يتكون فيه؟ لدى الإجابة على هذا السؤال بالعودة إلى الجملة - فكراً يتشكل في الفعل آن حدوثه - سيتبدى أن هذه الجملة لا تنشيء معنى معزولاً عن العالم، وإنما تدخل في نسيجه منذ لحظة تشكلها، حيث الجملة ليست قالباً يسكب فيه المعنى، ولا أداة خارجية تصف ما يقع، لكنها حركة تتعالق مع ما تشير إليه، فتغدو جزءاً من الحدث، لا شاهداً عليه. وعلى هذا لا يمكن فهم الفعل في الجملة العربية بوصفه محض عنصر زمني يضاف إلى اسم أو فاعل، وإنما هو دخول في مسار يتكون في الآن نفسه الذي يقال فيه، فالفعل لا يحيل إلى زمن منفصل خارج القول في آنِه، لكنه يفتح زمناً علائقياً، يتداخل فيه ما قبل بما بعد. وعلى هذا، فالجملة اللغوية ليست شكلاً محايداً يُنشأ في فراغ مسبق، وإنما هي طريقة في الوجود نفسه. الجملة اللغوية العربية، متوائمة مع بنية فكرها، لا تفتح مساراً خطياً، يبدأ من نقطة معزولة لينتهي في أخرى منقطعة، فالجملة العربية في أساس علائقيتها، لا تقوم على فصل بين ذات وموضوع، ولا على تعاقب سببي مغلق، وإنما على تداخل يحفظ الحركة في اتصال أطرافها. وعلى هذا فإن القول في الجملة العربية، لا يسبق الفعل ولا يتأخر عنه، لكنه يتكون معه في نسيج القول نفسه. كما أن الوعي الذي يتشكل عبر هذه البنية، لا يقف خارجها معزولاً عنها، ثم ينضاف إليها بعد وقوعها، وإنما يتساوق معها آن تشكلها، لا بعدها، ولا مراقباً لها من مكان فوقها.

ص- 19
وعلى هذا، بتكون الوعي، لا بوصفه مراقباً لحركة تجري خارجه، فالوعي لا يصف الفعل من بَعد، إنما يتشكل معه في اللحظة ذاتها، فيصير إدراكاً متعالقاً، لا انعكاساً متأخراً. وبالتالي فإن ما يقال في الجملة، لا يثبت كشيء خارجي جامد في الوجود، يعقبه الوعي، بل يظل مفتوحاً على ما يتجدد آنياً، فيغدو الزمن نفسه بنية تعالق، لا تعاقباً منفصلاً. فلا قبل يقطع ما بعده، ولا بعد يلغي ما قبله، وإنما هي حركة واحدة يتداخل فيها تكوُّن الجملة، ويظل الفعل مشدوداً إلى امتداده، دون أن ينفصل عن أصله.

ص- 20
الزمن في الجملة العربية ليس تعاقبا مفصولاً للأفعال، والفعل لا يتكون بوصفه نقطة تبدأ ثم تنتهي، لكنها حركة تتشكل في تداخل مستمر. ما يُنجَز في اللحظة لا يغلق على نفسه، وإنما يظل ممتداً في علائقيته، متصلاً بما سبقه اتصالاً حياً، ومفتوحاً على ما سيتشكل فيه. ولهذا لا يكون القول وصفاً لحدث أُنجِز واكتمل، وإنما مشاركة في تكوُّنه. والجملة لا تحيط بالفعل من خارجه، ولا تضبطه في إطار ثابت، لكنها تنخرط في نسيجه فتغدو حزءاً من انتظامه، فالمعنى لا ينفصل عن الحركة التي أنتجته، ولا يستقر في صورة جامدة، لكنه يبقى في تدفقه. والوعي الذي يتشكل عبر هذه البنية، لا يستند إلى فصل بين مدرِك ومدرَك، بل إلى تعالق يجري في الآن نفسه. الإدراك ليس مقابلة بين طرفين، ولكن ، حضور متبادل، يتكون فيه الفهم مع الفعل في الآن ذاته. ومن ثَمَّ، فالجملة العربية، في أصل بنيتها، لا تحمل رؤية خطية للعالم، والزمن لا يتوضع خارجها، وإنما تعبر عن علائقية تحكم القول والفعل والزمن معاً، لا تفصل بين أن يقال وأن يكون، وإنما تجمعهما في حركة واحدة، يتشكل فيها الوجود من داخل تعالقه، لا من خارج مراقبته.

ص- 21
الفعل ليس جزيرة قائمة بذاتها، ولا معنى معلقاً في فراغ، إنما هو تعالق يتصل بما سبقه اتصالاً لا ينقطع، ويتجه إلى ما يليه دون أن ينفصل عنه، وبالتالي لا يعود المستقبل زمناً ينتظر الفعل حتى يقع فيه، لكنه يتشكل معه في اللحظة ذاتها. وهكذا يتكون الزمن بوصفه حركة متداخلة، لا خطاً يمتد من نقطة إلى أخرى. وعلى هذا الأساس، لا يمكن فهم الجملة العربية، إلّا بوصفها مفتاح هذا التعالق. فما يقال لا يُختَزن كصورة ساكنة، بل يبقى في حركته، متصلاً بما قبله، وما بعده، اتصالاً حياً. ومن ثَم، فالبنية اللغوية لا تنفصل عن البنية الوجودية، إنما تتعالق معها في الآن ذاته. القول، ليس مرحلة تسبق الواقع، أو تلحق به، إنما هو جزء من تكونه، ومن انتظامه الذي لا يقوم على الانفصال، وإنما على التداخل المستمر.

ص- 22
ونعود للسؤال حفراً في الجملة، ونبشاً عن تموضع الوعي فيها: هل يقف الوعي على هامش الجملة ينتظرها ليعيها؟ أم يتكون معها في آنها ويتداخل فيها؟ في الجملة العلائقية، لا يكون الوعي مرآة تعكس ما يقع، ولا شاهداً يراقب من مسافة، لكنه جزء من النسيج الذي يتشكل فيه الفعل، فلا يسبقه ولا يتأخر عنه. وعليه لا يكون الزمن إطاراً خارجياً تُدرَج فيه الأفعال، إنما ينشأ معها. فالفعل حين يتشكل لا يترك وراءه ماضياً منقطعاً، ولا ينتظر مستقبلاً منفصلاً. الفعل يحمل امتداده معه، كأن الماضي يتكون في اللحظة ذاتها التي ينفتح فيها ما سيأتي، لا قبل يلغي بعده، ولا بعد يقطع ما قبله. نسيج متداخل للفعل والوعي في الزمن المتشكل في الأثناء. وفي الأساس لا ينفصل الفكر عن اللغة، ولا تقوم اللغة مقام أداة تُستَخدم ثم تترك. فاللغة تقول الفكر في اللحظة التي يقول فيها الفكر اللغة، وبالتالي، لا يمكن، ولا يستقيم، النظر إلى هذه الجملة بوصفها بناء شكلياً فحسب، فهي تفرض النظر إليها باعتبارها تجلياً لبنية فكرية تشكلت عبر امتداد طويل من التفاعل مع الوجود، لم تنشأ معزولة عن خبرة حضارية عميقة، فقد تعالقت مع سياقات علمية وفكرية، فحملت امتداداتها، ولم تترك مسافة بينها وبين الوجود فقد تشكلت معه وفي داخله في الآن ذاته، الفعل والوجود والزمن نسيج تشابكت خيوطه. أو خيوط تشابكت فشكلت نسيجها.



#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (3)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (2)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (1)
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - للشاعر كمال جمال بك


المزيد.....




- إليكم سبب ارتفاع سعر النفط الجمعة رغم اتفاق وقف إطلاق النار ...
- مصدر لبناني لـCNN: نواف سلام سيُسافر إلى واشنطن بعد -طلب إسر ...
- بين التكلفة الباهظة لحرب إيران وخطاب ترامب -المتناقض-.. -مخا ...
- ورقتان متصادمتان على طاولة إسلام آباد.. هل تنجح -الورقة الثا ...
- دعوات لشد الرحال للأقصى في أول جمعة بعد إعادة فتحه
- أسرى غزة المحررون.. فرحة الحرية تصطدم بالواقع القاسي
- استعدادات إسلام آباد لاستضافة المفاوضات بين إيران والولايات ...
- الديوان الأميري القطري: أمير دولة قطر ورئيس وزراء بريطانيا ي ...
- محادثات إيران.. هل ترامب أمام اتفاق أسوأ من اتفاق أوباما؟ تح ...
- ماذا على طاولة المحادثات بين أمريكا وإيران وسط حالة الترقب؟ ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)