بدور عبد الكريم
الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 15:56
المحور:
قضايا ثقافية
أسئلة تواجه الفكر الغربي اليوم، مثلما تواجه تبدياته العربية. لا رفضاً لما أُنجِز، ولا صداماً حضارياً بين عالمين وأفقين للفكر، وإنما عودة للنظر من جديد، إعادة نظر في الجملة التي تنشيء الفكر، وفي الفكر الذي يعيد تشكيل العالم على صورته، عودة إلى موقع النظر ذاته، إلى العلاقة التي تنشيء المفهوم، قبل أن ينشيء المفهوم أحكامه. عند ذاك يبدأ التحول من السهم إلى النسيج ومن الفصل إلى التعالق. ولعله من الضروري، التأكيد على ان التوجه إلى الجملة اللغوية في هذا البحث، كأساس للبنية الفكرية، سواء السهمية أم العلائقية، لا يتوجه إلى اللغة بوصفها نسقاً تعبيرياً، لكنه إنما يبغي الكشف عما هو ملتبس وغير ظاهر، من حيث أن الجملة اللغوية، سواء في الذهن أو الاستخدام، متعالقة مع الفعل، لحظة أو آن حدوثه، ومحملة بعلائق سابقة على الفعل. فالجملة اللغوية ليست محض تعبير أسلوبي، إنما هي تضمر موقفا، حالة، حكما، فعلاً في كل الأحوال، يكتنز الفعل والفاعل والزمن والاختيار والمسؤولية في حركة واحدة. فالفعل لا يقع ثم يضاف إليه شيء آخر، إنما ما يحدث هو فعل واحد يُنجَز في الزمن، ويُدرَك في الوعي في الآن ذاته.
ص- 13
في المحكي الشعبي العربي سؤال: من هو الأول، البيضة أم الدجاجة؟ فهل نحن هنا أمام سؤال حقيقي يبحث عن جواب لا يأتي؟ أم أمام شبكة علائقية، لا تُفهَم من خلال ثنائية مغلقة بثنائيتها؟ حيث البنية السهمية، سؤال - جواب، بنية إلغائية بين حديها، حالَّة على شكل ثنائية في التفكير، سبب - نتيجة، ذات - موضوع. إشكال متولد بين حدين، يُسقِط على السؤال طريقة أو منهجاً من خارجه. وبالعودة إلى سؤال البيضة والدجاجة، هل هو سؤال حقيقي؟ أم طريقة البنية المجتمعية العربية في أفقها الشعبي، في التعبير عن فكرها العلائقي، كما يتجلى في الجملة اللغوية العربية؟ وهو البنية العلائقية ذاتها في أعلى تجلياتها كما جاء بها القرآن، ثم حفظها لؤلؤة مخبوءة، على الرغم مما عرفه الوطن العربي من حروب وكوارث ونكبات، وعلى الرغم من توقف الحضارة العربية أن تكون حضارة معطاءة حقبة (عصر الانحطاط) وتوقف حركة الإبداع العربي الإسلامي، عن أن تتابع مسارها الذي استند إلى القرآن ذاته، منذ بداية تأسيس تلك الحضارة.
ص- 14
لا يقع الفعل في فراغ، ولا في بدء بعد قطع، ومثلما لا ينقطع الفعل عما سبقه، فهو كذلك لا ينقطع عما يلحقه، ولا ينفصل عن أثره الذي يتشعب حال تحققه، من خلال شبكة علائق أوسع، تتصل بالمسؤولية الحاصلة، سواء تم الاعتراف بها أم إلغاؤها، جهلاً أو تبريراً أو رفضاً. الفعل يقوم على الاختيار لا على الحرية كمعطى، أياً ما كانت الصفات الملحقة به، وهو وإن قُصِد به الاختيار أحياناً، أو استخدم كمرادف له، فليس له أن يتحقق كحرية وإنما كاختيار يتعين داخل نظام من العلاقات ينجِز ويلزِم. والاختيار مع تحققه، لا يكون متحققاً على نحو مطلق، ولا مغلقاً على نحو مطلق، بل يكون في لحظة الفعل داخل شبكة من العلاقات التي ليس له الخروج عليها، لكنه في الآن نفسه ليس محايداً وغير فاعل. في هذه اللحظة لا يكون الإنسان خارج النظام العلائقي، وإنما حاضر فيه ومؤثر من داخل تلك اللحظة. وعلى هذا لا تعود المسؤولية لاحقة للفعل، ولا نتيجة أخلاقية تضاف له بعد وقوعه، لكنها متعالقة معه في اللحظة نفسها. وعلى هذا فالاختيار والفعل والمسؤولية، ليست مراحل متتابعة، إنما هي وجوه متداخلة للحظة واحدة، إذ لا معنى للاختيار خارج الفعل، ولا للفعل خارج الاختيار، ولا للفعل والاختيار خارج شبكة العلاقات التي يتعينان فيها، والتي لا تُلغى ولا تفهم إلا من داخل بنيتها العلائقية، تماماً كجملتها اللغوية.
ص- 15
حين ننظر إلى الجملة بوصفها تركيباً نحوياً، تبدو كأنها قائمة بذاتها، مبتدأ - خبر، فعل - فاعل - مفعول. غير أن هذه النظرة تبقى خارجها، كمن يقف على ضفة النهر، ويصف شكله، دون أن تمتد يده في داخل النهر، فتلمس جريانه. الجملة العلائقية، ليست مجموعة كلمات متجاورة، وإنما شبكة شد متبادل، كل طرف فيها يستمد معناه من موقعه، ومن علاقته بغيره. الفاعل لا يقف ككتلة صلبة، وإنما تتحدد طبيعته أو يتمثل عبر الفعل، والفعل لا يتحقق إلا باتجاهه وآنِه، والمفعول ليس نهاية مغلقة، كأنما هي نقطة ارتداد تعود، فتعيد توزيع المعنى في الجملة كلها.
في تيار الماء، لا معنى لقطرة منفصلة، تماماً مثلما لا معنى لكلمة معزولة. في تيار الماء، الماء ليس في موضع واحد، وأنما في حركة بين المنبع والمصب، تماماً كالجملة لا تكون في كلمة بعينها، وإنما في ما يجري بينها من تعالق.
بالمقابل، تبدو الجملة السهمية، كأنها خط مستقيم، تنطلق من نقطة وتتجه إلى أخرى، وتنتهي عندها. كأن المعنى سهم، يغادر الفعل ليصيب المفعول، ثم يستقر. هذا النمط يختزل العلاقة إلى اتجاه واحد، ويجعل المعنى انتقالاً لا تداخلاً، بينما الجملة العلائقية ليست سهماً وإنما مجال. المعنى فيها لا يصيب هدفاً، بل يتكون عبر التفاعل، فهو ليس حركة من ألِف إلى باء، وإنما توتر دائم بين أطرافه، كل طرف يعيد تعريف الآخر. من هنا يبدأ الفرق الحقيقي، السهم يقطع مسافة، أما التيار فيشكل مجراه.
ص- 16
هل الحركة قطعة واحدة وانتقال في المكان عند نقطة، أم هي تدرج، مثالها الأوضح، التصوير السينمائي. كل ما في الأمر أن سرعة العين في الرؤية لا تمكنها من رؤية هذا التدرج، وعلى هذا هل كل ما لا نراه غير موجود؟ هذا سؤال آخر، وله مكان آخر، إنما هو محض مثال لتقريب المفهوم. كذلك الجملة، علاقاتها قائمة، إلا أنها قد لا تتبدى دفعة واحدة، وخصوصاً أننا تكيفنا في العصور الحديثة على الرؤية السهمية والتفكير السهمي. نتابع، الضوء ينتشر، يتغير بالعلاقة مع مجاله. النهر لا يقف، يتبدل، يتغير، بالعلاقة مع مجاله، كذلك الجملة لا تعطي معناها دفعة واحدة، وإنما تتكشف مع سياقها. الفعل فيها ليس رابطاً زمنياً فحسب، وإنما بؤرة توليد. حين نقول: يجري الماء، فالجريان ليس وصفاً خارجياً أُلصِق بالماء، بل هو ما يكشف طبيعة الماء ذاتها. الفعل هنا لا يضيف معنى، إنما يفتح أفقاً. وعلى هذا فالزمن ليس إطاراً خارجياً توضع فيه الجملة، وإنما هو بُعد ينبثق من داخل الجملة. تعاقب الكلمات ليس تعاقباً ميكانيكياً، وإنما مسار انكشاف، كل كلمة تمهد لما بعدها، وتعيد تأويل ما قبلها. المعنى لا يُسَلّم كاملاً، لكنه يتكوَّن لحظة بلحظة، وهنا تتسع الجملة من تركيب نحوي، إلى مجال حركي، فضاء يتداخل فيه الامتداد والتغير.
ص- 17
الجملة السهمية تختزل الزمن إلى لحظة إصابة، كإرسال سهم من مرسل إلى هدف قائم قبالته، بينما الجملة العلائقية تجعل الزمن فعلاً جوانياً مستمراً، قد لا يُرى مباشرة لكنه موجود، حركة مستمرة دون انقطاع، ونشوءاً لا يتوقف عند حد اللفظ. ومن هذا الاتساع اللغوي العلائقي ، يمكن أن نلمح كيف يتجاوز التعالق حدود التركيب اللغوي في الجملة، بالعلاقة مع بنية التفكير ذاتها والتي لا تنفصل عن تحققها في القول، معَبَّراً عنه في تركيب الجملة اللغوية، وكيف يبدأ الأفق في الاتساع شيئاً فشيئاً. وبينما يبلغ اتساع الجملة حده هذا، لا يعود السؤال سؤال لفظ في الجملة، ولا محض علاقته المتبادلة مع ما يجاوره من كلمات، ولكنه يتسع ليصير سؤال وجود.
#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟