بدور عبد الكريم
الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 15:12
المحور:
الادب والفن
مقدمة: لم يبدأ هذا العمل بفكرة جاهزة تبحث عما يسندها، فذلك لم يكن ومنذ المقالة الأولى - زورق صغير بين بحرين - لم يكن هدفاً أو غاية، كما لم يكن متعلقاً برغبة، أو نية، لا طيبة ولا سيئة، بإقامة بناء فكري، مقابل بناء آخر. كان الأمر قد بدأ من جملة عابرة قالها الكاتب قاسم أمين، في كتابه (كلمات): (في اللغات الأجنبية، تقرأ، فتفهم، وفي اللغة العربية، تفهم، لتقرأ).
وعلى الرغم من أن الجملة قد تبدو مفارقة لغوية، إلا أنها كانت تخفي وراءها سؤالاً، ما كان يمكن القفز عليه، أو تجاوزه، كيف يمكن أن يكون الفهم سابقاً على القراءة؟ وأي نوع من اللغة يتيح للفهم أن يكون داخلاً في بنيتها، قبل أن تُفكَّك رموزها؟
ومن الحفر في هذه العبارة خرج حرف (العين)، لا بوصفه صوتاً، أو حرفاً، وإنما بوصفه مدخلاً إلى (علائقية) كامنة في الجملة العربية. علائقية، لا تستند إلى ترتيب خطي بين سبب - نتيجة، ولا على ذات تقف قبالة موضوع، بل على تداخل يجعل المعنى يتشكل في شبكة من ارتباطات، لا تُفصل أطرافها عن بعضها.
تتابعت المقالات بحثاً وكشفاً، وتفرعت الأسئلة تفور بين مقالة وأخرى، حتى طالت مفهوماً مستقراً وبمعنى ما، متوَّجا، هو مفهوم الحرية، في مقالة مستقلة أيضا، حيث تكشَّف أن الحرية كما صيغت منذ أرسطو، وعلى وجه الخصوص، كما صيغت في الفكر الغربي الحديث، ثم تم تداولها شرقاً وغرباً، وفي كل اتجاه، هي مفهوم بحده الأدنى، غير دقيق، أو لعله مراوغ ومخادع، عدا عن أنه اتسع حتى انفلت حتى من نفسه، وغدا يلائم الرغبات على اختلاف البشر، وظهر مكانه بدقة أعلى وصدق أكبر، مفهوم الاختيار، على أنهما وإن استعملا بالمعنى ذاته، إلا أنهما لدى الانتباه والتدقيق مختلفان جذرياً.
ومع استمرار الحفر الذي لم يفارق السؤال، حيث السؤال ولّاد، والجواب في أحسن الحالات وحيد الولد، كانت العلائقية تتكشف وتتأصل، لا على أنها وصف للجملة اللغوية، وإنما كملمح أعمق بكثير، وكأن الجملة لم تكن إلا موضع ظهور لبنية أوسع، بنية يتعالق فيها الفكر واللغة، والإنسان والوجود، في نسيج لا يقوم على الانفصال، وإنما على الترابط والاتصال.
ص- 1
النصف الأول من القرن العشرين، كتاب الغرب والحرب لا يغلقه الشمع الأحمر، كتاب الغرب والحرب مختوم بالدم، مطوي على ظل إنسان ينهض من قلب الخراب، ويخطو فوق العدم، ليعلن موقفه في عالم بلا معنى. الإنسان الوجودي في محاولة لتشبيك معنى، من اللامعنى الذي يراه، فيمسك بحرّية يتبادل القامة معها، من حيث تمسك به أيضاً، بلا فواصل أو نقط، معدومة بدونه، معدوم بدونها قدراً وخلاصاً. حرية في مواجهة العدم سبيلاً لـ (الوجود من أجل الموت) و (من أجل) هذه، ليست غاية غائبة، إنما هي وجود خاص، طريق وطريقة في مواجهة الموت، وجود يتسيد نفسه على مقصلة عرشه، وهنا تماماً توقيع هايدغر كأحد أعلام الوجودية، ومن ثَم الأسماء الأشهر، سارتر وكامو، تحت راية حرية وجودية جبرية، حرية متشاكسة، مشدودة على وتر بين نقيضين، سارتر، والأنا الحرة، التي هي ذاتها الأنا المعتقلة بجبرية وجود موازية، جبرية الآخرين، حيث (الآخرون هم الجحيم). تحت هذا العنوان، نقرأ تعريف سارتر، لحرية لا تحررها أفكار روسو، ولا يهدي مسارها عقده الاجتماعي، بين المعتقَل والخلاص، حرية وجودية جبرية ، يفرضها الوجود ذاته، ويعتقلها الوجود ذاته.
ص- 2
وحرية، هي الأنا في عالم بلا معنى، حرية لا غائية، وتمرد في مواجهة لا معقولية العالم، وصناعة معنى ذاتي، داخل واقع بلا معنى، موضوعي.
منتصف القرن العشرين، سارتر وكامو، علما حرية فوارة، طفَّت كأسها في مقاهي باريس، وسالت في شوارع الغرب والشرق، حرية وجودية بمذاقين، ورثت إلغاء أبجدية المقدس من (عصر الأنوار) فتحتم عليها إيجاد بديل، تعذر أن يكون إلا في رفع الأنا الوجودية على عرش مقدس الحرية، وقد استعارت لها من تاج العقل الآتي من (عصر الأنوار) لؤلؤة. حرية توجت ذاتاً وجودية فردية ، مجدها الشموخ على وجود بلا معنى، سبق أن ألقاه نيتشه، وشاحاً على كتفي تمثال (الإنسان الأسمى) وسلمه مقاليد الحكم، إلهاً بديلاً قادماً على جسر من الضعفاء والزائدين عن الحاجة، بينما اعتبر سارتر ذاك الإله، ثقباً أبدياً في الفكر الإنساني سماه (ثقب الإله) والذي لن يفلح شيء في ملئه سوى المقدس، من أجل أن يضفي معنى على وجود رأته الوجودية بلا معنى، وهو المقصود ذاته وإن اختلف العصر والقصد، والذي اهتمّ به في مرحلة سابقة، الفيلسوف الفرنسي باسكال، والذي أشار في تأملاته إلى أن الإنسان يحمل في قلبه فراغاً لا يملؤه إلا الإله.
ص- 3
وعلى اختلاف المرحلة والرؤية والغاية، بين باسكال و سارتر، إلا أن مفهوم الإله، كان قد تخلخل تماماً في الفلسفة الغربية، بعد الثورة الفرنسية، حيث تم سحب مفاتيح الدنيا، من بين يدي الكنيسة، قبل القضاء على مفاهيمها وأفكارها، ومن ثَم على جوهرها القائم على الدين ذاته، وما مثله من وجود المقدس في الثقافة الغربية السائدة بالعموم، والفرنسية على وجه الخصوص. ومع الدفع بالمقدس إلى الخلف، بعيداً عن مستجدات العلم والتطور، فقد كان على الحداثة الطازجة، في النصف الأول من القرن العشرين، معفرة برماد حربين عالميتين، ومغطاة بركام من ملايين جثث ودم، أن تحمل بقايا عرش إنسان كان قد قدِم من (عصر أنوار) مضى.
ص- 4
لكن، لماذا النصف الأول من القرن العشرين؟ ولماذا الفلسفة الغربية بالذات؟ وهل القصد هو الحفر في مآلات مسيرة الغرب الفكرية؟ أم مآلات ما طفا منها على سطح الثقافة، في نسختها العربية مختلطة بحمولة تاريخ مما استقر في الذاكرة الجمعية العربية من إرث يمتد إلى ألف وأربعمئة عام، وشكَّل الشخصية العربية الراهنة بمختلف مكوناتها؟ أسئلة مؤهلة لتفور أسئلة، يتقدمها سؤال لعله يضمر جواباً: هل حلَّ النصف الأول من القرن على الوطن العربي، مترافقاً مع علاقة ماتزال طازجة بهذا الغرب؟ حيث الأقطار العربية بين مستعمَرٍ مايزال، أو استقل حديثاً عن السيطرة الاستعمارية، وما خلفته من أثر في أرض ثقافية هشة، بعد قرون وسمها مصطلح (عصر الانحطاط). ثانياً، وعلى المستوى الجمعي، كان ذاك الأثر حاضراً في الذاكرة الجمعية العربية، بما تشتمل عليه من استبطان تفوق المستعمِر وتميزه، وبالتالي احتذاء خطوِه كنموذج ومثال، بقي طافياً على السطح، كنوع من طحالب عديمة الجذر والفروع، أما ثالثاً، فقد كانت الشخصيات الرائدة في المجال الفكري في الوطن العربي، والعائدة من الغرب، بِبُناها الفكرية الجديدة، قد حملت مسؤولية تحميل الأجيال الجديدة التالية أفكارها التي حملتها معها من الغرب، فطُبِخت تلك الأفكار على نار هادئة، خلال ما يقرب من قرن على تلك البعثات، والتي كان قد تبناها واجتهد في إرساء قواعدها - على غير لوم بطبيعة الحال - محمد علي باشا.
ص- 5
عادت تلك البعثات والشخصيات لتقلب التربة الفكرية في الأرض العربية، وتلقي فيها بذور الفكر الغربي العصري، المعتد بسلالته العريقة، الآتية من (المعجزة الإغريقيّة) والصادرة بختم (عصر الأنوار). وعلى هذا ألا يمكن الاطمئنان إلى القول، إن النصف الأول من القرن العشرين، قد ألقى بحمولته الفكرية الغربية، على واقع عربي مختلط المعالم، بين يدي بُنى ثقافية حديثة محدثة، ترى الصواب في القطع مع الماضي التراثي العربي، وأخرى، ترى أن تمعن في هذا الماضي عوداً إلى الخلف، حتى تتمترس عند الحقبة الأولى المباركة، مكتفية ببركتها، وثالثة، ترى الصواب في الأخذ من هذا وذاك، في خلطة توائم فيها بين ما لا يتواءم؟
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟