بدور عبد الكريم
الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 19:48
المحور:
قضايا ثقافية
بين النصف الأول والنصف الثاني من القرن العشرين، كانت البيئة الثقافية العربية تغير رداءها بين خيط الشمس وخط الغيم، وما كان قد اعتبر (عصر النهضة) العربية، بقي يراوح بين حدين، مايزالان في الذاكرة حدي النهضة، وإن حارت النهضة، واستقر الحدان. ازدواجية الفكر ماتزال تغير رداءها على ما تنتجه الثقافة بين الغرب والشرق، ملتبساً بالسياسة وواقع المجتمع. وفي الأثناء، الحاضنة الشعبية العربية، تنثني على نفسها، قلقة على وجودها وهويتها وتاريخها. تدخل في أرض تعرفها الذاكرة، ماتزال مستقرة ومستمرة، تثق بها، أو ربما لم تجد سواها للحفاظ على نفسها في مواجهة قلق أن تكون، وعلى هذا، فقد آثرت ما تعرفه، ويشكل وجدانها الجمعي، وتاريخها، وحضارتها - التي كانت - لكنها ماتزال حية في الذاكرة، على ما هو راهن غريب، مختلف، ومخالف كلياً أو جزئياً، بينما أرض الذاكرة تلك، بدت ثابتة وآمنة من جهة، وواعدة كسبيل للتكفير والغفران، عن ذنوب رأت أنها لابد قد ارتكبتها، من جهة أخرى. وعلى هذا فقد تم استبدال الشعائر، بمجمل المنظومة الدينية الأخلاقية إلا قليلا. وتحولت تلك الشعائر إلى ممحاة للذنوب، مثلما هي ملاذ فردي آمن، في مواجهة ما كانت تتعرض له البنية المجتمعية من قهر وظلم وتحكم واستغلال، من قبل حكامها. وانطبقت على واقع الحال، مقولة ابن خلدون: (الشعوب المظلومة تسوء أخلاقها).
ص- 7
ومع أن هذا البحث لا يطمح، ولا يبغي، من حيث البدء، أن يكون بحثاً تاريخياً أو فكرياً في نتاج الفكر الغربي الحديث، وتبدياته العربية، إلا أنه كان لابد من الإشارة إلى مسائل تدخل في صلب العمل الراهن من حيث البحث في أسئلة تمس عمق أزمة الفكر العربي الراهن، أزمة مركَّبة، تتعلق من ناحية بغربة هذا الفكر عن حاضنته الشعبية، والذي بسبب تلك الغربة، لم يستطع النهوض بها، أما ثانياً، ولعله الأهم، فهو اقتداؤه المسار الفكري الغربي، سهمي البنية الفكرية واللغوية، والاغتراب عن بنيته العلائقية والتي حملتها الجملة اللغوية العربية على مدى آلاف السنين، مأزق مضاعف، وسؤال ملحّ، يفتح أسئلة حول الجذر المنسي للفكر العربي، والمضمر في الجملة العربية من حيث بنيتها العلائقية لا الثنائية السهمية، وحفر في الأساس الفكري الغربي الذي اعتمده واستند إليه الفكر العربي منذ ما يقرب مئتي عام، وبالتالي دخل هذا الفكر في أزمة الفكر الغربي ذاتها، عبر تبدياتها المفاهيمية والمنهجية، المبنية على النظام السهمي سبب - نتيجة، ذات - موضوع.
ص- 8
لم تبدأ أزمة الفكر الغربي حين تصادم العلم مع الكنيسة، كما يروى عادة. وإنما بدأت أعمق من ذلك بكثير، في البنية التي كان يفكر بها الفكر، بنية سهمية ترى العالم خطاً يمتد من سبب إلى نتيجة، ومن ذات إلى موضوع، ومن فاعل إلى مفعول. في هذا الامتداد المستقيم، كان الوجود يُفهم بوصفه مُعطى، أمام ذات تتلقاه، أو مادة تنتظر من يعالجها، أو موضوعاً قائماً خارج الوعي، ينتظر أن يحاط به.
وحين جاء (عصر الأنوار) لم يكن الصدام مع المقدس، سوى عَرَض لخلل أعمق. فقد تصادمت صورة العالم الأرسطية، والتي كانت قد تبنتها الكنيسة، مع الاكتشافات العلمية، فظُنَّ أن الخروج من الأزمة، يمر بإقصاء المقدس، وتتويج العقل. غير أن العقل الذي تُوِّج لم يكن سوى استمرار للبنية نفسها. عقل يفكر بالطريقة نفسها، يسير من مقدمة إلى نتيجة، من علة إلى معلول، من ذات تقف في مواجهة موضوع. تَبَدل المرجع، لكن البنية بقيت. وعلى هذا لم يُحَل المأزق، لكنه تأجل فقط.
ص- 9
ومع تقدم العلوم الحديثة، بدا أن الأرض نفسها تنزلق من تحت هذه البنية. لم يعد العالم وحدات صلبة متجاورة، ولا سلسلة أسباب واضحة، تنتهي إلى نتائج محسومة.
النسبية أزاحت مركز الثبات، والكم كشف عن ارتباطات لا تُختَزَل في خط مستقيم، والاحتمال دخل في صميم الواقع، هنا ، ظهر المأزق الثاني. لم تعد الفلسفة قادرة على الإمساك بعالم لا يستجيب لبنيتها السهمية، فكان على الفلسفة أن تجيب على سؤال صعب، وخيار أصعب، فهي بين أن تتشبث بمفاهيمها القديمة فتبدو غريبة عن العلم، أو أن تنسحب، وقد كان. تراجعت الفلسفة عن مضمار حفظته لآلاف السنين، ليقتسم العلم واللغة ميراث الفلسفة.
ص- 10
غير أن اللغة ذاتها، والتي حاولت أن تحل محل الفلسفة، في جزئها النظري على الأقل، لم تكن بريئة من خلل أرادت علاجه، فهي تحمل البنية ذاتها في فكرها وبنيتها اللغوية، جملة تتقدم سهمياً من فاعل إلى مفعول، ومن ذات إلى موضوع. هذه البنية تجلت بطبيعة الحال في المفاهيم ذاتها التي يحملها الفكر.
ولعل مفهوم الحرية، من أوضح المفاهيم تعبيراً عن هذا الخط السهمي، ذات في مواجهة موضوع، ذات تواجه عالماً، استقلال لإرادة عن سياقها، صورة تحت المجهر للعلاقة بين ذات - موضوع، ذات تريد ان تتحرر من كل ما ليس هي.
قد يبدو السياق منحازاً ضد أو مع، لجملة مفاهيم، تصادم أو تعارض ما هو إنساني بين غرب وشرق، لكن هذا البحث منذ بداياته الأولى، وفي مقالته الأولى - زورق صغير بين بحرين - لم يكن، ولا هو حتى الآن هدف البحث أو غاية من غاياته، لكنه السؤال حول العلاقة بين الفكر وجملته اللغوية، بين المفاهيم وصوتها، حيث يتخفى في العصر الراهن مفهوم متداول على كل لسان، في زي حقيقي ثابت، بسبب انتسابه إلى ذات - موضوع، الحرية، والتي تموضعت كموضوع قبالة ذات، وذات قبالة عالم، والتي شكلت مدخلاً لهذا البحث، لا كقيمة إنسانية منشودة كما قد يبدو، ولكن، كتموضع في ثنائية البنية الفكرية الغربية، التبست بين سهمية الفكر وتشكيله، وبين واقع دخل في هذا المأزق بالذات، حيث تحول مفهوم غير حقيقي، بسبب سهميته إلى المراوحة بين الأيقونة القيمية والرغبة، وانفلت حتى من نفسه ليتكثر على مقدار ناس الأرض.
ص- 11
هذا الفهم للحرية، كموضوع قبالة ذات، على جاذبيته الخلبية، حمل في داخله بذرة التناقض. فإذا كانت الذات منفصلة إلى هذا الحد، فمن أين تستمد معناها؟ وإذا كان العالم موضوعاً في مواجهة تلك الذات، فكيف يبقى مشتركاً بينها وبين غيرها؟ وعلى هذا، ومع تفتت المرجعيات الكبرى بعد حربين عالميتين، فقد بدا أن الحرية ذاتها تنقلب إلى عبء، ذات مطلقة في عالم بلا معنى، وعبثية تتسلل من الثقوب، لا بوصفها اختياراً، وإنما بوصفها نتيجة غير مقصودة لبنية فكرية لم تراجع جذورها.
وإذن، لم يكن الخلل، منذ أزمة الفكر الغربي الأولى، في غياب المقدس وحده، ولا في الإفراط في تقديس العقل، ولا في منجزات العلم، فقد كان أعمق من ذلك. كان في طريقة الرؤية، في فهم الوجود على أنه موضوع أمام الذات، ما يقف قبالة الذات، لا ما يتداخل فيها، في اختزال الزمن إلى خط يمتد من ماض إلى مستقبل، لا نسيجاً تتشابك فيه اللحظات. وفي بناء الجملة على مواجهة لا على تعالق.
وعلى هذا تتكشف الحاجة إلى مراجعة، لا تمس النتائج فحسب، وإنما مراجعة تمس البنية التي تولد منها النتائج، مراجعة لا تبحث عن مرجع بديل، وإنما تضع البنية ذاتها موضعاً للتساؤل. هل الوجود خط أم نسيج؟ وهل المفهوم مواجهة أم ارتباط؟ ومن ثَم هل يمكن لفكر تأسس على الفصل أن يحيط بعالم يتبدى اليوم، أكثر من أي عصر مضى، بوصفه شبكة من العلاقات؟
#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟