أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (7)














المزيد.....

العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (7)


بدور عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 19:39
المحور: قضايا ثقافية
    


تحول نمط الكتابة، في الجملة اليونانية القديمة، لتأخذ مسارها من اليسار إلى اليمين، كان مؤشراً على تحول بنية التفكير ذاتها، من تعالق بين العناصر، إلى بنية يتتابع فيها القول على هيئة خط، فترسخت الثنائية، ذات تقابل موضوعاً، وسبب يفضي إلى ما يليه. ومع الزمن، صار هذا النمط إطاراً لفهم العالم، حتى بدا وكأنه البداهة الوحيدة الممكنة. على الطرف الآخر، الجملة العلائقية، في علائقيتها، لا تنكر التعاقب، لكنها لا تختزله في خط مفصول، بل تراه تعالقاً يتداخل فيه الماضي بما يتشكل معه، ويولد فيه المستقبل من اللحظة ذاتها.
من هذا الفارق، ومنذ (عصر الأنوار) كان قد بدأ التباين، في إمكان الانسجام مع ما تكشفه العلوم الحديثة من تداخل وتعقيد، يتجاوز البساطة الخطية. وهنا يتقدم سؤال، كيف واجه الفكر السهمي مأزقه، حين اصطدم بما لا يختزل في تعاقب مباشر؟

ص- 33
كان النمط السهمي، أو الخطي، قد رسخ تصوراً يجعل الوجود تعاقباً منتظماً بين سبب - ونتيجة. وكان أول اختبار حقيقي لهذا التصور قد ظهر، حين بدأ العلم يتجاوز الصورة الأرسطية للعالم، حيث لم يعد العالم محكوماً بمقولات يمكن ردها إلى ترتيب بسيط. كان العالم آنذاك قد انفتح على حركة أوسع، وتغير لا يُحتوى في قوالب جاهزة، كان ذلك في حقبة (عصر الأنوار) حين وجد الفكر الذي بني على الثنائية، وجد نفسه أمام ارتباك مزدوج، فالمقولات التي صاغ بها فهمه للعالم لم تعد كافية، والمرجعية التي تبنت هذه المقولات، دخلت في مواجهة مع المكتَشَف الجديد. لم يكن التعارض عرضياً، وإنما كشف عن حدود بنية، اعتادت أن ترى التعاقب خطاً واحداً، لا شبكة متداخلة، وحين أزيحت المرجعية الدينية - والتي تتبنى الفكر الأرسطي - من المجال العام، في سياق (عصر الأنوار) لم يكن الأمر انتقالاً هادئاً، وإنما قطيعة، ظنت أن استبدال العقل بالمقدس، يكفي لتأسيس معنى جديد. غير أن العقل حين أقيم وحده، مرجعية نهائية، وجد نفسه لاحقاً أمام سؤال المعنى ذاته. ما الذي يؤسس القيمة؟ وما الذي يمنح العقل غايته؟

ص- 34
ومع التحولات الكبرى التي شهدها العالم، منذ القرن العشرين، وخصوصاً، بعد حربين عالميتين، لم تعد الثقة بالعقل وحده كافية، وعلى هذا، فقد انتقل الثقل إلى الذات، وأُعطي الإنسان مرجعيته الخاصة، حتى بدا وكأن المعنى يصاغ من إرادة فردية. غير أن هذه النقلة لم تُخرج الفكر من مأزقه، بل دفعته إلى فراغ جديد. فإذا تعددت الذوات بلا جامع يلمها، فكيف يحفظ النظام من التبعثر؟ وهكذا اتجهت (الفلسفة) إلى اللغة، محاوِلةً أن تجعل منها موضعاً يعاد فيه بناء المعنى. تعددت النظريات، وتنوعت المقاربات، غير أن الإشكال العميق، بقي كامناً في البنية نفسها، التي حملت الثنائية منذ بدايتها. فنقل (الخط) من مجال إلى مجال آخر، لا يغير الأساس، ما لم يراجَع من جذوره.
على الجانب الآخر، تأتي الجملة العلائقية، لا مفاضلة، ولكن، كشف لأساسين في النظر، أحدهما يرى الوجود شبكة متداخلة، تحفظ التعدد في تماسكه، والآخر، يميل إلى اختزاله في خط يتقدم من نقطة إلى أخرى.

ص- 35
وإذا كان الفكر السهمي، قد وجد نفسه أمام حدود بنيته حين تغير وجه العلم، فإن ما تكشف لاحقاً في الفيزياء الحديثة، زاد المسافة اتساعاً، بين الخط البسيط وتعقيد الواقع. لم يعد الزمن مساراً واحداً يتقدم بانتظام، ولا المكان إطاراً ثابتاً تتحرك فيه الأشياء، فقد بدا كل منهما مرتبطاً بالآخر على نحو لا يُفصل. في النسبية لا يُفهَم الحدث خارج علاقته بما يجاوره ويؤثر فيه، ولا يقاس الزمن بمعزل عن الحركة. وفي نظرية الكم لا يُختَزل الواقع في يقين حتمي، وإنما يُقرَأ في ضوء احتمالات تتحدد بعلاقات دقيقة. أما ما يُعرَف بأثر الفراشة، فيُظهِر كيف أن تغيراً طفيفاً في موضع ما، يمكن أن يمتد أثره عبر شبكة واسعة من التعالق.
هذه الاكتشافات، لا تثبت أطروحة لغوية بعينها، ولكنها تكشف أن الواقع، ليس بسيطاً على نحو يُختَزل في تعاقب مباشر. إنه نسيج من العلاقات، تتداخل فيه العناصر، ويتشكل فيه المعنى من تفاعل لا ينقطع. وعلى هذا ، فإن بنية لغوية ترى الوجود علائقياً، تجد في هذا الأفق ما ينسجم معها، ليس لأن العلم يبررها علمياً، ولكن، لأن كليهما يلتقيان في فهم التداخل والتعالق.



#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (6)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (3)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (2)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (1)
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - للشاعر كمال جمال بك


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (7)