أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)














المزيد.....

العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)


بدور عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 21:20
المحور: قضايا ثقافية
    


في البنية العلائقية، لا يقف الفكر خارج الفعل، ولا تشكل اللغة وعاء يسكب فيه هذا الفكر، ولا ينتظر الوعي دوره ليدرِك، ولا يكون الزمن إطاراً تُدخَل فيه الأفعال، ولا الوجود حيّزاً توضع فيه، والمكان والزمان ليسا مقولتين تقبعان خارج الفعل، تنتظران أن يحل فيهما. في البنية العلائقية يندرج الإنسان لا ذاتاً في مواجهة موضوع، تقف على طرف الخط لتواجه الوجود، أو أياً من مفرداته، وفي هذه البنية لا يقف الإنسان لا سيداً ولا عبداً، لا حراً ولا مكبلاً، لكنه يختار، ولحظة اختياره يكون قد نسج خيط مسؤوليته المتعلقة بما سيكون في نسيج الوجود، سواء عرف أم لم يعرف، اعترف أم لم يعترف. لكن إشكالاً يبرز هنا حول المصطلح الاختيار، وهو مصطلح متداول - وإن استعمل خطأ بالتبادل مع الحرية - وهو لاشك مختلف وأصح، وإن لم يكن الصحيح تماماً، حيث تحيل كلمة الاختيار في اشتقاقها من الفعل، اختار، تحيل إلى الخير، والإنسان لا يختص بالخير وحده، وإن ظن أن ما يختاره هو الخير، حيث فعله مختلط بين خير وشر، وعلى هذا لا يستقيم مصطلح الاختيار مع الإنسان، ويستدعي تعديله. وقد قدم النص القرآني - بالإضافة إلى قيمته الدينية العليا، وكتجلٍّ أعلى للبنية الأخلاقية واللغوية العربية - قدم البديل الدقيق المتعلق باختيار الإنسان، وهو المشيئة، فقد جاء في النص القرآني، بصيغته المثلى، وهي الفعل، يشاء، شاء، (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر) سورة الكهف آية 29 و(لمن شاء منكم أن يستقيم) سورة التكوير آية 28 من حيث تعلق الفعل الإنساني بالشيء، سواء كان مادياً أم معنوياً. وعلى هذا، فإن الفعل لحظة حدوثه، يدخل في علائقية ليس مع الجملة وحدها، وإنما يتحرك ليترك بصمته في نسيج الوجود، ممتداً بأثره إلى المستقبل من غير انقطاع مع آن حدوثه. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الفهم، ليس انحيازاً مسبقاً لفكر أو فكرة، ولا حكماً تعسفياً أو غيبياً، ولا افتراضاً في فراغ، لكنه، وكما سيأتي لاحقاً، فهمٌ يتساوق وينسجم مع النظريات العلمية الحديثة على اختلافها، والتي عجزت الجملة الفكرية اللغوية الغربية، عن الانسجام أو التعامل معها، فخطت إلى الخلف خطوة أو خطوتين، معلنة تراجع دورها، والتنازل عن مركزيتها، مفسحة المجال للعلم وحده.
ص- 24
تتسع بنية الفعل في الجملة العلائقية، لتشمل الفعل في امتداده في الوجود، حيث الجملة لا تقف عند حدود جملتها، بل تفتح المسار الذي ينخرط فيه الفعل ليغدو جزءاً من انتظام يتجاوز لحظته دون أن ينفصل عنها، وفي هذا الأفق لا يكون الفعل حادثاً مفرداً يمكن عزله، لكنه يدخل منذ لحظة تشكله في علائقية أوسع منه، فما يصدر عن الإنسان من مشيئة، لا يبقى معلقاً في فراغ، ولا يتبعثر في كثرة غير منضبطة، لكنه يندرج في نظام يحفظ له موقعه، ويصله بغيره اتصالاً لا يلغيه ولا يصادره، وعلى هذا، فالإنسان ليس ذاتاً قائمة بإزاء عالم صامت، وإنما كائن منخرط في نسيج علائقي، تتكون فيه مشيئته ضمن انتظام أوسع. ومشيئته لا تختزل ولا تذوب ، لكنها أيضاً لا تنفلت من السياق الذي يحفظ تماسك الوجود. فالجزئي لا يُلغى ولا يصادر من الكلي، وإنما يتعالق معه تعالقاً يثبّت له مكانه دون أن يقطعه.
وعلى اعتبار الاختيار فعلاً متعلقاً بالخيرية، والمشيئة فعلا متعلقاً بالشيء، فالإنسان يشاء، ومشيئته تدخل في النسيج العلائقي، بينما الاختيار بوصفه فعلاً متصلاً بالخير، فهو منسوب إلى إرادة كلية، هي التي تحفظ انتظام الوجود، بحيث لا يتبعثر تحت كثرة المشيئات. وهكذا تمتد البنية العلائقية، من علائقية الجملة، إلى علائقية الفعل، ومن التعالق اللغوي، إلى التعالق الوجودي، حيث مشيئة الإنسان، لا تنشأ في فراغ، ولا تتحرك خارج سياق لكنها تتكون في شبكة من التعالق، تحفظ للفعل أثره وتربطه بما يتصل به اتصالاً حيّاً.

ص- 25
في سؤال الفعل، هل الفعل شأن خاص بصاحبه وحده؟ أم يندرج في علائقية أوسع تتجاوز حدوده الفردية؟ ما يصدر عن الإنسان، لا يُلغى ولا يذوب، لكنه أيضاً لا ينفصل عن النظام الذي يحفظ تماسك الوجود. فالفعل منذ لحظة تشكله يدخل في حركة تحفظ له امتداده دون أن تتركه يتبعثر في كثرة لا رابط بينها، وعلى هذا فالمسؤولية لا تُفرَض من خارج الفعل، بل تنشأ معه، وهي حين تنخرط في النسيج العلائقي، تحمل أثرها في امتدادها، سواء أُقِرَّ بهذه المسؤولية أم لا، فعدم اعتبارها لا يلغي فعاليتها، ولا يمحو ما يترتب عليها في انتظام الوجود، لأن الفعل يظل مشدوداً إلى علائقيته التي تحفظ له موقعه. فما يتكون في الجملة، يتسع ليشمل الفعل، وما يتكون في الفعل ينفتح على نظام يحفظه من الانفراط. هذه الحركة ليست تعاقباً منفصلاً، وإنما تعاقب مستمر، يتكون فيه الوجود في كل آن، ويحمل فيه الإنسان مشيئته ضمن انتظام لا يصادرها، ولا يتركها دون موضع.

ص- 26
إذا كان الفعل لا ينفصل عن علائقيته فإن الزمن الذي ينخرط فيه، ليس وعاء محايداً يحمله، لكنه يتشكل معه في اللحظة ذاتها. ما يقع لا يُدفَع إلى ماض منغلق، ولا يُترَك لمستقبل منفصل، لكنه يدخل في نسيج، يربط ما كان بما سيكون ربطاً حياً. كأن الماضي يتكون مع الفعل في اللحظة التي ينفتح فيها أفق امتداده. وبهذا لا يعود السؤال عن المسؤولية، سؤالاً مفصولاً عن بنية الوجود، وإنما هو جزء من فهم هذا التعالق. فالفعل بما أنه مشيئة إنسانية، يظل محفوظاً في علائقيته، لا يضيع أثره ولا ينقطع امتداده، وما يتشكل منه، ليس جزءاً يضاف من خارج، وإنما انخراط في نظام يحفظ تماسك الحركة كلها. فانتظام الوجود لا يقوم على انفلات الأفعال، ولا على مصادرتها، ولكن على قيام يحفظها في مواضعها. الجزئي لا يذوب في الكلي، ولا يقف بإزائه، لكن يتعالق معه تعالقاً يثبِّت له حضوره، ويمنع عنه التبعثر، ومن هذا التعالق تنشأ إمكانية الفهم، لأن ما يُفعَل، لا ينفصل عما يتصل به. وعلى هذا فالعلائقية ليست وصفاً نظرياً، بل طريقة في الوجود ذاته، طريقة تحفظ الفعل في امتداده، وتحفظ الزمن في حركته، وتبقي الإنسان في موضعه داخل هذا النسيج لا خارجه.



#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (3)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (2)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (1)
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - للشاعر كمال جمال بك


المزيد.....




- صرخة من داخل شاحنة بفرنسا تقود إلى إنقاذ طفل حبسه والده منذ ...
- مصر.. جدل حول قانون الأحوال الشخصية بعد انتحار سيدة بالإسكند ...
- عاصفة مطرية تضرب حمص وتُغرق أحياءها وتشل حركة المرور
- تل أبيب تستدعي سفير روما بعد إدانة وزير الخارجية الإيطالي ال ...
- زلزال سياسي في المجر: سقوط أوربان بعد 16 عاماً من الحكم
- أول زيارة للحبر الأعظم للجزائر
- خسارة أوربان تتجاوز حدود المجر.. ماذا تعني لهذه الدول؟
- تفاعل واسع مع انتقادات رئيس كوريا الجنوبية لإسرائيل
- هل عبرت السفن الإيرانية مضيق هرمز عقب التحذير الأمريكي؟
- ستارمر: لن ننجر إلى الحرب ولن نشارك في حصار إيران


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)