أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (6)















المزيد.....

العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (6)


بدور عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 18:01
المحور: قضايا ثقافية
    


الإنسان بمشيئته، منخرط في العلاقة مع الوجود، يشكله ويتشكل معه. وعلى هذا، فإن حضوره لا يُختزل في كونه نقطة من خط، لكنه ، يتجلى بكونه صاحب مشيئة، تدخل في حركة الوجود وتؤثر فيها، غير أن هذه المشيئة، مع كثرتها وتنوعها، لا يمكن أن تبقى مفردة طليقة، وإلا، لانفرط الوجود إلى أفعال متجاورة لا رابط بينها، وعلى هذا يتبدى أن انتظام الوجود، لا يضبط ذاته بذاته، ولا تمسكه الأفعال من داخلها، وإنما يندرج ما يقع، ضمن بنية كلية، تحفظه من التبعثر. هذه البنية ليست جزءاً من الجزئيات، ولا تنطبق عليها أحكامها، لكنها تحيط بها إحاطة حفظ. وفي هذا الإطار، لا تلغى مشيئة الإنسان، ولا تتحول إلى وهم كأن لم تكن. هذه المشيئة، تدخل في علائقية أوسع منها، وما يشاؤه الفرد، لا يخرج خارج نسيج الوجود، وإنما يبقى محفوظاً في موضعه، متصلاً بما يجاوره، مؤثراً ومتأثراً به في آن.
الإنسان يشاء، ومشيئته تدخل في البنية العلائقية الكلية في امتدادها، من تعالق الفعل، إلى تعالق المشيئة، ومن انتظام الجزئي، إلى انضباط الكلي، في حركة لا تقطع ما سبقها، لكنها تبني عليه وتكشف أفقه.

ص- 28
لا تتجاور المشيئات في الوجود على شكل عشوائي، وإلا لانقلب الوحود إلى فوضى، بينما الواقع يقول غير ذلك. فالمشيئات تدخل في علائقية تحفظ انتظامها. ليست البنية الكلية للوجود جمعاً حسابياً، وإلا لتوقفت الحركة، أو جمعاً ميكانيكياً وإلا لكانت البنية الوجودية في مستويات محدودة، وهذا ما لا يقوله الواقع، ولا العلم. المشيئات متكثرة لكنها لا تتصادم، فالوجود ليس عشوائياً، ولا هو اصطفاف في وحدة صماء، والواقع لا يقول بهذا ولا العلم. المشيئات تتعالق في نظام يثبِّت لكل فعل موقعه، في حين أن الأفعال المتكثرة بالمشيئات تحتاج إلى مرجعية تضبط حركتها وتحفظها من الانفراط أو التصادم. مرجعية لا تدخل ضمن نطاق المتغير الذي يعتري الجزئيات، وإلا لاعتراها ما يعتري الجزئيات، وعلى هذا فهي ليست جزءاً من النسيج، لكنها ما يحفظ النسيج. وعلى هذا يتبدى أن الوجود لا يقوم على انفلات، ولا على جبر يلغي الفعل، وإنما على توازن دقيق، بين مشيئات جزئية فاعلة، ومرجعية تحفظ انتظامها. وفي هذا التوازن، يمكن أن يتضح معنى المسؤولية، لا كحكم يأتي من الخارج، أو لا يأتي، ولكنه معنى يرتبط بالفعل الذي لا يضيع ولا يتلاشى، وإنما يبقى متصلاً بعلائقيته التي تمنحه موضعه.

ص- 29
في البنية العلائقية، كل عنصر يتحدد بما يتصل به، ومعناه لا يستخلص من ذاته المعزولة، وإنما من موقعه في الشبكة التي ينخرط فيها، وعلى هذا يتبدى الفرق بين بنية ترى العالم تعاقباً منفصلاً، وبنية ترى فيه تداخلاً مستمراً. الأولى تبحث عن سبب يقابل نتيجة، في خط واحد، وتفصل بين ذات تدرك، وموضوع يدرَك، فتقيم المعرفة على مقابلة ثابتة .بينما الثانية، ترى أن الإدراك نفسه لا ينفصل عن الفعل، وأن ما يُفهَم، لا ينفصل عمن يفهمه، وإنما يتكون معه في الآن ذاته، وهذا أيضاً ما تقول به العلوم الحديثة، من عدم الحيادية بين الرائي والمرئي، وبالتالي فإن الجملة التي تنبثق من علائقية، لا يمكن أن تحمل رؤية ثنائية منفصلة، فهي لا تفصل بين الفعل والجملة، ولا بين الجملة وتعالقها، ولا بين الفعل والإدراك، ولا بين الإنسان والعالم، فهي في رؤيتها الأخرى، تعبر عن تداخل، يجعل الفهم مشاركة لا مقابلة، وعليه، فالانتقال من بنية الجملة إلى بنية الوجود، هو انتقال دون قفز على المفاهيم. وعلى هذا، فالبحث في الجملة العربية أساساً، لم يكن انشغالاً لغوياً مجرداً، وإنما هو مدخل إلى رؤية أوسع، تتصل بطريقة الوجود نفسه، فالبنية التي تتجلى في الفعل، هي نفسها التي يتكشف أثرها في انتظام الفعل والمشيئة والعلائقية الكلية، التي تحفظ تكثر الأفعال والمشيئات من الانفراط.

ص- 30
الآن، ماذا عن الزمن في كلتا الجملتين الخطية السهمية، والعلائقية؟ وكيف ترى كل منهما الزمن؟
الرؤية السهمية تجعل اللحظة مفصولة عما يسبقها وما يلحقها، كأنها نقطة على خط. بينما في الرؤية العلائقية، تتكون اللحظة بما يتشابك معها من العناصر، فهي لا تنقسم إلى آنات متجاورة، ينتظر كل منها دخول الزمن فيه، فالفعل والزمن يتشكلان في الحركة ذاتها التي تشكل الوجود. وما يشاؤه الفرد، لا يقف بإزاء الوجود ينتظر أن يفتح له الباب ليحل فيه، فالفعل، والمشيئة، والزمن والوجود، كل هذا يتشكل معاً متعالقاً وممتداً في بنية واحدة متعالقة، لا تنغلق، ولا تنفرط. فما الذي يحفظ هذه البنية في اتساعها وتكاثر أفعالها ومشيئاتها من التصادم والفوضى أو الانفراط، والواقع لا يقول، لا بتصادم ولا فوضى ولا انفراط في الوجود.

ص- 31
ما الفرق بين جملة علائقية، وجملة خطية؟ وهل يقتصر الفرق على تشكيل الجملة لغوياً؟
وهل الجملة وعاء قائم في مكان ما، يصب فيه التفكير حال حصوله؟ وهل يقتصر الفرق على اللغة، أم يتعده إلى ما هو أعمق من ذلك؟ كيف نظرت كل منهما إلى نفسها والى العالم؟ أسئلة أجابت عنها كل من الجملتين بطريقتها، وبالتالي في نمط رؤيتها للوجود. الجملة الخطية، ترى الوجود موضوعاً قبالة - ذات، تنظر إليه ثم تقول موقفها منه،بينما الجملة العلائقية في بنية علائقية تشكل الوجود آن تشكلها. حين تستقر الجملة على تعاقب خطي، تتقدم فيه العناصر من بدء إلى خاتمة، فإنها ترسخ تصوراً، يجعل الوجود سلسلة من نقاط متتابعة، يُفهَم كل منها بوصفه نتيجة لما قبله، لا يقال هذا، لا ذماً ولا مدحاً، وإنما توصيف لبنية حملت معها نمطاً من التفكير، تجلى لاحقاً في الفلسفة والعلم، فهل هو فرق في أساس الجملتين، الخطية والعلائقية، أم أن الأمر كان على صورة مغايرة؟ وأن اختلافاً طرأ على إحدى الجملتين في مرحلة ما، أحدث فيها تغيراً، وحمل معه طريقة تفكيره في جملته اللغوية؟ في مرحلة من تاريخ اليونان القديم، بدأت تتغير طريقة الخط في الجملة اليونانية. فتاريخ اليونان القديم كان قد عرف مرحلة كانت الجملة فيها تُكتَب سطراً من اليمين إلى اليسار، وسطراً من اليسار إلى اليمين. هذه الطريقة القديمة في الكتابة، تفتح الباب لفهم أعمق من أن الأمر متعلق بسهولة الكتابة، كما هو شائع في تبرير هذا التحول، الذي، إما أنه لم يُبحَث فيه بما يتطلبه من عمق، أو أن البحث استعصى على الإجابة لأنه حصر الأمر في ظاهر المسألة لا في عمقها. هذا التحول في الكتابة يشرح مسألة غاية في الأهمية، ويتيح فهم الانتقال التدريجي، من اليمين إلى اليسار، مروراً بمرحلة وسيطة، كتبت فيها الأسطر بالتبادل. هذا التحول لم يكن مقتصرا على حدود الشكل، لكنه كان تعبيراً عن بداية التحول في طريقة الرؤية ذاتها.



#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (5)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (4)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (3)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (2)
- العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (1)
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - للشاعر كمال جمال بك


المزيد.....




- منطاد هواء ساخن يهبط اضطرارياً في فناء خلفي لمنزل.. شاهد ما ...
- منذ مطلع أبريل: أمن الدولة العليا تُخلي سبيل أكثر من 90 محبو ...
- كيف وضعت الصين آلاف الرموز من لغتها على -الكيبورد-؟
- معرض هانوفر يُذكر ميرتس بضرورة إصلاحات -حقيقية-
- الحرب في الشرق الأوسط: المفاوضات الشاقة.. بين معضلتي مضيق هر ...
- ستارمر أمام البرلمان لتهدئة الغضب بشأن تعيين مندلسون من جديد ...
- الصين: -أباريق الشاي-.. مصافي نفط صغيرة تهددها الحرب في الشر ...
- إسرائيل تقسّم جغرافيا لبنان: نحو نموذجٍ شبيه بغزّة؟
- هل رسائلك آمنة حقا؟ ما تحتاج معرفته عن -الأبواب الخلفية- في ...
- وصفت -بالقرصنة البحرية-.. كيف سيطرت أمريكا على -توسكا- وكيف ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بدور عبد الكريم - العلائقية.. نحو تأسيس رؤية للوجود (6)