بدور عبد الكريم
الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 11:16
المحور:
قضايا ثقافية
في مسار القرون الأخيرة، تكشف انتظام الطبيعة على نحو لم تعرفه البشرية من قبل. المجهر والمرصد والمعادلة، أزاحوا الحجاب عن شبكة مترابطة، يتحرك فيها الجزء متأثراً بالكل، ويعيد الكل تشكيله في كل لحظة. كان الفعل العلمي ينصت إلى العلاقات، ويقيس تداخلها، ويكتشف أن العالم نسيج، وليس كتلاً أو أجزاء منفصلة.
العلم لم يتعامل مع الأشياء بوصفها سكوناً، لكنه اقترب من الفعل ذاته، من الحركة، من التأثير والتأثر، من التفاعل. والفعل، في أصل وجوده، تعالق. لا يقع الفعل في فراغ، ولا ينعزل أو يستقر في ذاته، فأثره يمتد، ويتلقى أثراً. من هنا، استطاع المنهج العلمي أن ينفذ شيئاً فشيئاً إلى عمق العلاقات الوجودية، لأن موضوعه بالأساس لم يكن الجوهر المنعزل، وإنما الحدث في امتداده، والتحول في داخله. غير أن هذا الكشف بقي في كثير من الأحيان، محاطاً بتصور أقدم: ذات تقف في مواجهة عالم، تنظر إليه من خارجه، وتتعامل معه بوصفه مادة قابلة للتشكيل.
في إطار هذا التصور، يسهل أن تتحول الطبيعة إلى مورد، والإنسان إلى أداة، والوجود الى ساحة استعمال. وهكذا نشأ توتر وشرخ بين معرفة تكشف الترابط، وفهم يرسخ الانفصال.
ص- 49
كان العلم يتقدم داخل العلاقات، يكشف دقتها وتشابكها، ويبين أن أي حركة في طرف، تمتد آثارها إلى أطراف بعيدة. أما الوعي الفلسفي السائد، فقد ظلَّ أسير ثنائية ترسم حدوداً حادة بين الفاعل والعالم. ومع ترسيخ هذه الحدود، تحولت القدرة إلى سيادة، وتحولت المعرفة إلى وسيلة إحكام.
وبطبيعة الحال، لا تعني استعادة البعد العلائقي خصومة مع العلم، كونه أصبح أداة بيد فكر ثنائي. إنما، على العكس، تعني الانسجام مع نتائجه والوفاء لما كشفه، فحين يُفهَم العالم بوصفه شبكة تعالق، يتغير موقع الإنسان داخله، يصبح مشاركاً في نسيج أوسع، تتحرك أفعاله في داخله وتعود إليه.
ص- 50
لم يكن السؤال في أصل هذا البحث عن قانون يضاف إلى ما كشفه العلم، ولا عن صيغة بديلة تنافس ما استقر من معادلات. السؤال كان أبعد، وملحاحاً، ويملك جرأة أن يذهب إلى آخر السؤال، لماذا يوجد انتظام أصلاً؟ وكيف لم يكن الكون انفلاتاً أو فوضى؟ ولماذا يمكن أن يُفهَم، كما تساءل آينشتاين؟ العلم في أرقى صوره يصف انتظاماً دقيقاً، يكشف توازناً بين قوى، وتعالقاً بين عناصر، وتبادلاً لا يتوقف بين ما نظنه أشياء منفصلة، غير أن هذه الاكتشافات على دقتها، لا تجيب على السؤال، لماذا يمكن لهذا كله أن يصاغ في قوانين؟ لماذا يستجيب الوجود لوصف رياضي أصلا؟
قد يقال إن القوانين، هي ببساطة، ما هو كائن، لكن هذا القول يؤجل السؤال قليلاً، لكنه لا يسكته ولا يلغيه، فوجود ما هو كائن على هيئة انتظام، لا على هيئة فوضى يظل أمراً يحتاج إلى نظر. حين أقر العالم الفيزيائي الكبير - والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء - واينبرغ ، بأننا لا نعرف لماذا هذه القوانين، لم يكن يشير إلى جهل بتفاصيلها، بل إلى عجز عن تفسير أصل انتظامها، لماذا يمكن للوجود أن يُفهَم؟
ص- 51
كشف العلم انتظاماً مذهلاً. كشف أن الكون ليس فوضى عمياء، إنما هو شبكة من التناسبات، غير أن كشف الانتظام لا يفسر أصله. كل معادلة تفترض قابلية للصياغة، كل قانون يفترض قابلية للانتظام، كل احتمال يفترض إطاراً قانونياً يعمل داخله، فهل يكفي أن نقول، هكذا هو الوجود؟ أم أن هذا القول يوقف السؤال ولا يجيب عنه.
قد يختار القارىء أن يترك السؤال مفتوحاً، أن يقبل الانتظام بوصفه معطى أولياً لا تفسير له. وقد يرى أن كل انتظام يُلمِح إلى ما يحفظه من الانفراط.
التحليل لا يفرض إجابة، لكنه يكشف حدود البدائل. فإما أن يقال إن القوانين موجودة بلا سبب، وإما أن يُعتَرَف بضرورة مستوى من خارجها يحفظ إمكانها، ويبقى للقاريء أن يتأمل، هل يكفي أن نصف انتظام العالم؟ أم أن سؤالاً أعمق يبقى بحاجة إلى جواب؟
يتوقف التحليل هنا، لا لأنه اكتفى، بل لأنه بلغ الحد الذي تبدأ عنده مسؤولية التأمل.
ص- 52
ما تكشف عبر صفحات هذا العمل، لم يبدأ من رغبة في إقامة بناء نظري جديد، وإنما من متابعة أثر ظهر في موضع محدد: بنية الجملة العربية. هناك بدا الفعل مركزاً تنتظم حوله الكلمات، ويتكون المعنى في حركة الربط بين عناصر القول. الجملة لا تبنى من مفردات متجاورة، وإنما من علاقات تتولد بينها، ومن فعل يفتح المجال لتعالقها. والفعل هنا لا يُفهَم بوصفه صيغة نحوية فحسب، وإنما بوصفه اللحظة التي يتحقق فيها الارتباط بين عناصر القول، اللحظة التي تنتقل فيها الكلمات من مجرد حضور متجاور إلى معنى متكون.
وحتى حين تبدأ الجملة العربية بالاسم، فإن العلاقة بين المبتدأ وخبره، لا تقوم على تجاور لفظين منفصلين، ولكن، على تحقق حال بينهما، كأن فعلاً كامناً يربط بين الطرفين في لحظة القول. فقولنا: السماء صافية، لا يقدم إسماً إلى جانب إسم، بل يكشف عن حال متحققة، حضور لمعنى يتشكل في ارتباط الطرفين. وهكذا يبقى الفعل ظاهراً أو مضمراً، المحور الذي تتحرك حوله علائق الجملة.
ما بدا في البداية ظاهرة لغوية، أخذ يتسع شيئاً فشيئاً، فحيثما ظهر الفعل ظهرت معه شبكة من التأثيرات المتبادلة. المعنى في اللغة يتشكل عبر التعالق، والفعل الإنساني يدخل بدوره في شبكة من آثار تمتد إلى غيره. والعلم حين يقرأ العالم، لا يعثر على كتل معزولة، بقدر ما يكشف عن ترابطات دقيقة بين الظواهر. بهذا المعنى أخذ يتضح أن العلائقية ليست خاصية للغة وحدها، وإنما هي مبدأ يظهر في مستويات متعددة من الإدراك والمعرفة.
الوجود في هذا الأفق، لا يبدو تجمعاً لذوات مستقلة، وإنما هو نسيج علاقات يتشكل فيه كل عنصر عبر ارتباطه بغيره. ما يظهر ثابتاً إنما هو انتظام داخل شبكة، وما يبدو منفصلاً إنما هو موضع في بنية أوسع من التعالق. الأشياء تحتفظ بتميزها، غير أن هذا التميز نفسه يتضح بوصفه عقدة في شبكة من العلاقات التي تمنحه معناه.
ومن هنا، يمكن صياغة المبدأ الذي أخذ يتكشف عبر هذا المسار كله: الوجود يتبدى نسيجاً من العلاقات ، ويتحدد كل عنصر فيه ، بما يدخل فيه من تعالق مع غيره. العلاقة في هذا الأفق ليست رابطة طارئة بين إشياء مكتملة، وإنما هي المجال الذي تتكون فيه الأشياء ذاتها.
ليست العلائقية وصفاً خارجياً للعالم، وإنما هي الطريقة التي يظهر فيها انتظامه في القول والفكر والعلم معاً.
ص- 53
حين يُنظَر إلى الوجود من هذا الأفق، تتبدل مواقع عدد من المفاهيم التي جرى التعامل معها طويلاً بوصفها كيانات منفصلة. الفعل يصبح اللحظة التي يدخل فيها الأثر إلى النسيج العام، والمشيئة تُظهِر اتجاهاً لهذا الفعل داخل شبكة العلاقات. الإنسان يتحرك بمشيئته في عالم متشابك، وأثر فعله لا ينتهي عند لحظة وقوعه، وإنما يمتد عبر العلاقات التي يمسها.
من هنا تتشكل المسؤولية بوصفها استمرار الأثر في النسيج الوجودي. الفعل يترك أثراً، والأثر يدخل في شبكة من التعالق لا ينفصل عنها. في هذا السياق يظهر العدل انتظاماً يحفظ توازن العلاقات، بينما يتجلى ما يسمى الشر اختلالاً يطرأ على هذا الانتظام. أما الغفران فيظهر عودة تعيد إدراج الفعل في مسار أكثر انسجاماً داخل هذا النسيج.
بهذا الفهم تتقارب مفاهيم بدت متباعدة في الظاهر: المشيئة، المسؤولية، العدل، القضاء والقدر، الغفران، كلها تتصل بطريقة دخول الفعل الإنساني في شبكة أوسع من العلاقات، وبالطريقة التي يستمر بها أثره داخلها.
وهنا تتضح ملامح رؤية أوسع: الإنسان ليس كائناً يقف خارج العالم ليتعامل معه، إنما هو جزء من نسيج علائقي، يدخل فيه فعله ومشيئته كما تدخل سائر الظواهر. ما يفعله الإنسان يتحرك داخل هذا النسيج ويؤثر فيه، وما يحدث في العالم يعود بدوره ليعيد تشكيل موضع الإنسان داخله.
بهذا المعنى لا يقدم هذا العمل نظرية مكتملة، بل يشير إلى نواة يمكن أن تنطلق منها قراءات أخرى. العلائقية كما تتكشف هنا، ليست خاتمة التفكير، وإنما هي بداية أفق يعيد النظر في الطريقة التي يُفهَم بها الوجود وموقع الإنسان في نسيجه.
الخاتمة
لم يبدأ هذا المسار منذ مقالته الأولى (زورق صغير بين بحرين) بفكرة عن الوجود، يُراد إثباتها، ولا برغبة في إثبات مطلق، لكنه بدأ بملاحظة لغوية دقيقة، وردت في أحد كتب قاسم أمين: (في اللغات الأجنبية تقرأ فتفهم، وفي اللغة العربية تفهم لتقرأ).
كان النظر منصباً على الجملة العربية في بنائها الأول، على طريقة تآلف أجزائها، وعلى الفعل وهو يشد أطرافها في حركة واحدة. لم يكن في الأفق آنذاك حديث عن نظام كوني، ولا عن قيومية تحفظه. الذي ظهر كان أبسط من ذلك، أن الجملة لاتقوم بوحداتها المفردة، وإنما بتعالقها. غير أن الحفر في هذه البنية، لم يتوقف عند حدود اللغة، فكلما تعمق النظر، اتسع الأفق، وما بدا في الجملة اللغوية شبكة ارتباطات، انكشف في الوجود نفسه نسيجاً متداخلاً، وما بدأ في الفعل حركة تربط أطراف القول، ظهر في العالم حركة تربط أطراف الكينونة.
لم تُفرَض العلائقية على الواقع، ولكن، بدا الواقع منسجماً معها على نحو لا يمكن تجاهله، وبدا الانتظام العلائقي منسجماً مع كل ما اكتشفته العلوم المعاصرة من النسبية إلى نظرية الكم والاحتمال ونظرية (الفوضى) والنظم المعقدة. وتململ السؤال: العلم يصف القوانين، يكشف انتظامها، يحسب دقتها، ويقيس انضباطها، لكنه - كما أقر عدد من علمائه - لا يجيب عن السؤال الأعمق: لماذا يوجد نظام أصلاً؟ لماذا ليست فوضى؟ لماذا توجد قوانين تحكم؟ ولماذا القوانين مفهومة؟
من جهة أخرى، العلائقية كما تكشفت، لم تكن قانوناً من بين قوانين، وإنما طريقة انتظام تجعل القوانين ممكنة بهذه الدقة وهذا الاتساع وهذا التشابك، بحيث، لا يمكن أن تُختَزل في عناصرها، ولا أن تُفسَّر بوحداتها.
#بدور_عبد_الكريم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟